كمال حبيب

 

عاد العنف بشكل قوي إلي الجزيرة العربية ولكن هذه المرة في دولة الكويت الصغيرة، فقد شهد شهر يناير/ كانون الثاني الماضي مواجهات دامية بين أعضاء من تنظيم القاعدة في الكويت وبين قوات الأمن بدأت بالمواجهات في منطقة حولي ثم أم الهيمان ولا تزال توابعها تترى حتى كتابة هذه السطور.

 

"
الجدل الأول للعنف هو التهديد الأميركي الباطش للقيم والثقافة الإسلامية وهو جدل سياسي والرد عليه هو الانخراط في فعل دموي غير محسوب لأن استمرار الحياة مع ازدراء الدين والقيم والحضارة يبدو وكأنه خيانة للدين والحياة ذاتها
"
الواضح إذن أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وسع من مسرح عملياته ليجعلها ممتدة النطاق لتشمل الجزيرة العربية كلها، وتشير المعلومات إلي وجود ترابط عضوي بين الشبكات التي تنتمي لتنظيم القاعدة في السعودية وبين تلك التي تتم مواجهتها اليوم في الكويت.

 

فهناك سعوديون بين شبكات التنظيم في الكويت وتتحدث المصادر عن احتلالهم مرتبة التأثير والقيادة والتجنيد والتمويل وهو مالا نستبعده، إذ العلاقة العضوية الجغرافية والسياسية بين السعودية والكويت ستنعكس في العلاقة بين الشبكتين أيضا.

 

وبينما اتخذ فرع القاعدة لنفسه في الكويت اسم "مجاهدو الكويت" و"كتائب أسود الجزيرة " فإن مجموعة سعودية بثت على أحد مواقع الإنترنت بيانا تدعم فيه شبكة التنظيم المحاصرة والملاحقة اتخذت لنفسها اسم "كتائب الشهيد عبد العزيز المقرن" القائد الثالث لتنظيم القاعدة في الجزيرة العربية الذي قتل مثل من سبقوه من قيادات التنظيم في يونيو/ حزيران الماضي في مواجهة مع أجهزة الأمن السعودية.

 

وكانت المواجهات في الكويت أسفرت عن القبض على عامر خليفة العنزي بينما خالد الدوسري ومحسن الفضلي لا يزالان طليقين.

 

وفي الواقع فإن الكويت كدولة صغيرة جارة للعراق والسعودية معا تعتبر ضحية لجغرافيتها، فهي تعرضت من قبل لغزو عراقي من قبل صدام حسين عام 1991م، وتحررت بتحالف دولي قادته الولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت لها مكانة خاصة في الكويت سواء على مستوى الوجود العسكري أو المدني أو الرمزي المعنوي بحسبانها صاحبة الفضل في إعادة الاستقلال والحرية للكويت.

 

والكويت اليوم تواجه مرة أخرى مشكلة وجود تيار إسلامي شبابي عنيف يشعر بخطر الولايات المتحدة الأميركية التي لم تعد قوة تحرير وإنما قوة احتلال وهيمنة علي الجانب الآخر من الحدود في العراق.

 

وأميركا تأتي غازية مستقوية ومعها أجندة للتغيير في العالم العربي ليس فقط على المستوى الجيوإستراتيجي وإنما أيضاً على المستوى الديني والثقافي والحضاري لخلق هوية جديدة للعالم العربي والإسلامي وفق المقاييس الأميركية الراهنة التي وضعها تيار أصولي مسيحي تمثله الإدارة الحالية التي اعتبرت نفسها في مواجهة صليبية جديدة مع العالم الإسلامي.

 

هنا يتبدى للمراقب ما أطلقنا عليه في عنوان هذا المقال جدليات العنف في الجزيرة العربية، وهي تتمثل في عنف الخارج الثقافي الذي يحاول فرض قيمه علينا.

 

"
نجد في العالم العربي صيحات الإدانة لهذه الشبكات من الشباب الغاضب دون بحث في الأسباب الحقيقية التي قادته لذلك ودون محاولة إزالتها ومعالجتها من جانب النظم السياسية والنخب العلمانية والفكرية
"

من هنا الشعور بالخطر والتهديد ليس على الأوطان فحسب وإنما على الأديان، فالدين الإسلامي من وجهة نظر هؤلاء الشباب في خطر، والشعور بالخطر يدفع الفعلة والفاعلين إلى الاندفاع والمدافعة التي يمكن أن نصفها بالرثة التي تقتحم المواجهات والمنازلات دون تبصر بالعواقب والمخاطر وهذا هو الجدل الثاني أي انتفاضة "شبكات الموت والاقتحام" في السعودية أولاً ثم في الكويت من بعدها، والانخراط في مواجهات دموية ذات طابع مأساوي تبث صورها الوكالات ومحطات التلفزة حيث تبدو الجثث فيها وكأنها كانت تصر على الموت والانتحار، وكأن الاستجابة للتهديد وفق إدراك هؤلاء الشباب تختصر الحياة في لحظة مواجهة طائشة وكأن الموت هو الخلاص.

 

فإذن الجدل الأول للعنف هو التهديد الأميركي الباطش للقيم والثقافة الإسلامية وهو جدل سياسي والرد عليه هو الانخراط في فعل دموي يبدو غير عقلاني وغير محسوب لأن استمرار الحياة مع ازدراء الدين والقيم والحضارة يبدو وكأنه خيانة للدين والحياة ذاتها من وجهة نظر هؤلاء الشباب، وهذا جدل ثقافي، ووفق العلوم الاجتماعية الغربية ومنطلقاتها المعرفية فإنه من الصعب فهم وتفسير مثل هذه الظواهر الجديدة للتعبير الديني التي تتخذ طابعاً اجتماعيا وسياسيا وثقافيا.

 

وظاهرة الشبكات العنفية الجديدة في جزيرة العرب سواء في السعودية أو الكويت هي بالأساس ظاهرة ثقافية حيث تمثل القضايا المتصلة بالرموز والمعاني والأفكار والقيم جوهر الاحتجاج والغضب.

 

وبعض الدراسات المهمة في تفسيرها لتفجر العنف في الجزائر تحدثت عن المسلك المتعجرف للوفود السياحية التي كانت تأتي إلى هناك والتي تعاملت مع الناس بازدراء فاق غطرسة الحملات الاستعمارية.

 

ومن ثم فالوجود المدني الأميركي الكثيف في تجمعات خاصة سواء في السعودية (40 ألفا) أو الكويت (12 ألفا) وممارسة العادات الغربية، وأيضاً الوجود الأميركي العسكري في منطقة أم الهيمان التي جرت فيها المواجهات بجنوب الكويت يمثل عاملاً للتوتر والشعور بالإهانة.

 

وكما وصف بعض المؤرخين دولاً مثل دول "التتار" بأنها ذات طابع انتحاري، فكذلك بعض الحركات يمكن وصفها هي الأخرى بأنها كذلك، فهي تعبر عن الرفض بالموت تعبيراً عن الغضب والاحتجاج بصرف النظر عن النتائج.

 

ومن ثم فهي تعبير عن الظاهرة العنفية كما عبرت عنها العلوم الاجتماعية التي اعتبرتها ظاهرة لم يقدر لها الاكتمال والنضج، كما أنها ظاهرة عاجزة عن التكيف مع التحولات والتغيرات التي تواجهها مجتمعاتها.

 

وغالب من ينخرطون في هذه الظاهرة العنفية هم من الشباب الذين لم يكتمل وعيهم ونضجهم بحدود الممكن والواقع وتعقيداتهما، فما يحركهم هو عاطفة دينية عميقة وغضبة لله كما يقولون.

 

وإذا كانت علوم الغرب الاجتماعية كما درسناها ولاحظناها تحاول أن تعي فعل الحركات الاجتماعية عبر اعتبارها فعلاً طبيعيا ينبه المجتمع لأخطائه والاستجابة لها واستيعابها وإدماجها وفق المنظومة التي تعبر عن التيار الرئيسي في المجتمع، وعبر طرح أدوات جديدة تدخل في حسابات هذه الحركات مثل تأمل الفرص السياسية والوعي بالسياقات الاجتماعية التي تتحرك فيها وبناء التحالفات وتعظيم الموارد فإننا نجد في العالم العربي صيحات الإدانة لهذه الشبكات من الشباب الغاضب دون بحث في الأسباب الحقيقية التي قادته لذلك، ودون محاولة إزالتها ومعالجتها من جانب النظم السياسية والنخب العلمانية والفكرية، وهو ما يقود لاستقطاب حاد يهدد استقرار المجتمع وأمنه.

 

وهنا الجدل الثالث للعنف الذي يمكن وصفه بأنه جدل الانتهازية وعدم المسؤولية، حيث نجد القوى المجتمعية والسياسية تنخرط في تبادل الاتهامات والإدانات لمحاولة الاستفادة مما جرى ويجري دون الارتفاع لمستوى المسؤولية التي تقدم مصالح الأمة على المصالح الذاتية.

 

ورغم إدانة الظاهرة العنفية فإنها في التحليل النهائي بنت مجتمعها، وهؤلاء الأبناء يبحثون كعنترة العبسي الذي أنكره أبوه عن شرعية وجودهم وانتمائهم وتلك مسؤولية مجتمعاتهم ونظمهم السياسية.

 

"
التعبيرات العنفية داخل الظاهرة الإسلامية هي تعبيرات على الهوامش والحواف بينما التيار الرئيسي للحالة الإسلامية هو تيار لا يلجأ للعنف ولا يمارسه
"
وفي هذا السياق فإنه من المهم توضيح أن التعبيرات العنفية داخل الظاهرة الإسلامية هي تعبيرات على الهوامش والحواف، بينما التيار الرئيسي للحالة الإسلامية هو تيار لا يلجأ للعنف ولا يمارسه.

 

وعلى سبيل المثال فإن في السعودية والكويت تيارا إسلاميا عريضا وقويا في غالبه تيار سلفي ولكنه على وعي بمتغيرات الواقع وهو يوازن بين الثابت والمتغير وبين الفكر والواقع والمجمع عليه والمختلف فيه وبين العقيدة والسياسة.

 

ومن ثم فلابد من الوعي بأن التيار الإسلامي داخله تنويعات عديدة ويعبر عن مرونة مذهلة حتى داخل التيار الواحد ومن ثم فالوعي بأهمية ما نطلق عليه "الفروق الاجتماعية" هو أمر في غاية الأهمية، فكما تحدث العلماء القدامى عن "الفروق اللغوية" والفروق الفقهية فكذلك من المهم التدقيق في "الفروق الاجتماعية والسياسية".

 

والملاحظ لحالة الإحياء الإسلامي سوف يجدها استجابة للتحدي الحضاري الغربي خاصة الذي مثل تهديدا حضاريا للعالم الإسلامي.

 

فحركات مقاومة الاحتلال الغربي لبلادنا كانت جميعها مستلهمة للإسلام، ومع هزيمة المشاريع العلمانية في العالم العربي صعد نجم المشروع الإسلامي الذي أصبح بديلاً وطنياً معترفاً به من جميع القوى والتيارات السياسية، ومن ثم فمحاولة تحجيمه أو حصاره أو ضربه كرد فعل علي اندفاعات التيارات العنفية هو تعميق للأزمة وتنشيط للجدليات المنتجة للعنف كما أوضحنا، خاصة أن التيارات العريضة في الكويت والسعودية من الإسلاميين أدانت الظاهرة وعزلتها إلي حد كبير.

 

وفي الكويت علي سبيل المثال يوجد 11 تكتلاً إسلاميا كلها فاعله في الحياة الاجتماعية والسياسية، ولا يعرف عنها ممارسة العنف أو تبني الأفكار التكفيرية أو الاستئصالية، وكما هو معلوم فإن للحركة الإسلامية في الكويت 13 نائبا في البرلمان من مجمل 50، والحركة السلفية العلمية تقدمت بطلب حزب سياسي اسمه حزب الأمة، وهي مبادرة تعكس الوعي بضرورة إصلاح النظام السياسي وتطويره باتجاه استيعاب فائض الطاقة لدى الشباب الإسلامي في الكويت.

 

والخطر هو في إنتاج جدليات العنف بالاندفاع ناحية مطالب التيارات الليبرالية الجديدة المرتبطة بالمشروع الأميركي والتي تطالب بمزيد من العلمنة والتحديث والتغريب في مجال التعليم والأسرة والمرأة والخطاب الديني وغيرها، وهو ما يعبر عن عنف ثقافي تمارسه هذه التيارات التي تبدو ملحقة وتابعة لمراكز الهيمنة الثقافية في العالم الإمبريالي، وهو ما ينتج تهديدا للثقافة الإسلامية الأصيلة للمجتمع والتي تشكل عظام جسده وجوهر وجوده وتاريخه وحاضره ومستقبله.

 

ولمحاصرة جدليات العنف في جزيرة العرب كما عبرنا عنها فإن واجب النظم السياسية هو أن تفتح آفاق الإصلاح والتعبير لقطاعات الشباب العريضة، ذلك الشباب الذي تداعبه آمال النهضة لأمته ومجتمعه.

 

"
الحداثة المفروضة بقوة البارود وبدهس كرامة الأوطان والإنسان لن تقود إلي إصلاح أو تطوير أو نهوض أو تعمير، وإنما ستنتج مقاومة وغضبا وتمرداً وربما شبكات للموت تؤيد تنظيم القاعدة وتستلهم أفكاره
"
وعلي النخب السياسية والفكرية والعلمانية أن تتحمل مسؤوليتها في مقاومة ميل النظم والنخب المتغربة للاستجابة للاستلاب الثقافي بمزيد من العلمنة والتغريب وأن تكون مغالبتها ومدافعتها في هذه المساحة حفاظاً على هوية الأمة لتقليل الانخراط في عمليات العنف من جانب الشباب المتحمس.

 

وعلى أميركا أن تدرك أن مزيدا من الضغط على العالم الإسلامي باتجاه إلحاقه بالقيم الغربية وفرض إعادة بناء هوية له وفق معايير الحضارة الغربية بجذورها المسيحية واليهودية سوف يقود إلى مزيد من العنف والمدافعة والمغالبة من جانب الأجيال الجديدة لحماية دينها وتراثها وحضارتها، وهي بذلك تعد أحد أهم مصادر التأسيس للعنف في العالم العربي والإسلامي.

 

فالحداثة المفروضة بقوة البارود وبدهس كرامة الأوطان والإنسان لن تقود إلي إصلاح أو تطوير أو نهوض أو تعمير، وإنما ستنتج مقاومة وغضبا وتمرداً وربما شبكات للموت تؤيد تنظيم القاعدة وتستلهم أفكاره.
________________
كاتب مصري

المصدر : غير معروف