رفيق عبد السلام

غالبا ما يقدم الفرنسيون نظامهم الجمهوري اللائكي (أي العلماني) باعتباره النموذج الأمثل في مجال الاجتماع السياسي، ليس فقط بالنسبة للفرنسيين أو الأوروبيين، بل لعموم البشرية في مختلف قارات العالم، لما يقوم عليه هذا النظام من أسس حداثية وتنويرية غير مسبوقة على حد زعمهم.

وفعلا مثلت التجربة الفرنسية وما زالت بالنسبة للكثير من النخب الفكرية والسياسية سواء في العالم العربي أو في غيره من مواقع العالم الأخرى، نموذجا ملهما ومثالا يحتذى.

ورغم ما يطفو اليوم على النموذج الجمهوري اللائكي الفرنسي من أزمات عميقة وأعطاب واسعة على نحو ما أفصحت عنه اضطرابات الضواحي الباريسية التي ألهب وقودها أبناء المهاجرين من أصول عربية وأفريقية، فضلا عما يطبعه من مظاهر تهميش وتمييز خفي ومعلن، فإن الفرنسيين لا يكفون عن التعلق بادعاءاتهم الوثوقية والتبشيرية بالحل الجمهوري اللائكي.

وما يتم تجاهله غالبا في ثنايا الخطاب التبشيري اللائكي بشقيه الفرنسي والعربي ما تحمله التجربة الفرنسية من أبعاد تسلطية مخيفة ومتوارية خلف ادعاءات الحرية والمساواة والتحرر.

"
ما يتم تجاهله غالبا في ثنايا الخطاب التبشيري اللائكي بشقيه الفرنسي والعربي هو ما تحمله التجربة الفرنسية من أبعاد تسلطية مخيفة ومتوارية خلف ادعاءات الحرية والمساواة والتحرر
"
وحسبنا أن نشير هنا إلى بعض هذه الملامح التسلطية الملازمة للنموذج الجمهوري اللائكي الفرنسي.

تتأسس اللائكية الفرنسية على نزعة تدخلية صارمة وثقيلة الوطأة للدولة، وتقوم هذه النزعة التدخلية بدورها على دعامة نظرية مفادها اعتبار الدولة اللائكية ضامنة الوحدة الاجتماعية والسياسية وحارسة الهوية العامة، وذلك بحكم قدرتها "الخارقة" على تجاوز الانقسامات الاجتماعية والقيمية التي تنخر الجسم السياسي، ومن ثم قدرتها الفائقة على التعبير عن المصلحة العامة المتجاوزة للمصالح الجزئية والعينية للأفراد والمجموعات.

وتتأسس هذه الفكرة بدورها على تقليد أنواري مبكر يشدد على شفافية السياسي وقدرته على بلورة الإرادة الكلية والعامة، أي قدرته على التعبير الوفي عن المصالح الكلية والجامعة التي تشمل مجموع الأفراد والجماعات، ومن ثم التعالي عن ظاهرة الانقسام الديني والطائفي والعرقي والطبقي التي تشق الجسم السياسي والاجتماعي.

وتعود جذور هذه الفكرة إلى القرن الثامن عشر وتحديدا إلى الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي عدّ الدولة بمثابة الإطار المعبر والمجسد للإرادة الكلية للمواطنين، وهي إلى جانب ذلك قوة ناظمة ومتعالية عن مجموع المصالح الفردية والجزئية.

ومن المعلوم هنا أن التعلق الشديد بالدولة عند الفرنسيين لم يكن مبنيا على اعتبارات فكرية أو نظرية محضة بقدر ما كان محكوما بمشكلات عملية فرضتها سياقات التجربة الفرنسية نفسها.

فقد تميزت الحالة الفرنسية بصفة عامة، بما في ذلك زمن الملكية بوجود دولة تدخلية ومركزية، متساندة مع سلطة كنسية شديدة الضبط وبالغة القهر.

ومع تراجع دور الكنيسة على ضوء مجمل الصدمات التي تلقتها بعد الثورة، امتصت الدولة الجمهورية اللائكية جل الخصائص الهيكلية والبنيوية للمؤسسة الكنسية الكاثوليكية وافتكت جل الوظائف التي كانت موكولة إليها، بما في ذلك وظيفة فرض الوحدة الاجتماعية والسياسية على مجتمع منقسم على نفسه طائفيا وعرقيا، وإحلال التجانس الثقافي واللغوي.

الدولة عند اللائكيين الفرنسيين ليست مجرد أداة لتنظيم الشأن العام، ولا هي مجرد مؤسسة وظيفية لإدارة حياة الناس وتصريف أحوالهم ومعاشهم، بل هي "صوت الأمة" و"روح" الشعب.

وهي إلى جانب ذلك موضع حلول العدالة الكاملة والخير الأعظم، وهذا ما يعطيها مشروعية التدخل على النحو الذي تريد وفي الوقت والموضع الذي تريد لفرض قيمها وتصوراتها الخاصة على الأفراد والجماعات، مفترضا فيها ان تكون القيم العامة والكلية للمجتمع نفسه، بحيث تتطابق مصالح المجتمع مع مصالح الدولة، وتنصهر الإرادات العينية والجزئية للمواطنين في الإرادة العامة والكلية التي تعبر عنها الدولة اللائكية.

من الواضح هنا أن الفكر السياسي الفرنسي يقوم على خيرية الدولة وشفافيتها بما يجعلها جديرة بتجسيد وحماية القيم السياسية النبيلة، وفي مقدمة ذلك قيمتا الحرية والمساواة.

"
الدولة عند اللائكيين الفرنسيين ليست مجرد أداة لتنظيم الشأن العام، ولا مجرد مؤسسة وظيفية لإدارة حياة الناس وتصريف أحوالهم ومعاشهم، وإنما هي صوت الأمة وروح الشعب
"
وهنا يتساوق الدور التدخلي والإكراهي للدولة الفرنسية على نحو ما تجسد ذلك في تجربتها التاريخية الحية، مع نظرية سياسية متمركزة حول الدولة.

تشتغل اللائكية الفرنسية عبر ذراعين متكاملتين ومتعاضدتين: أولا عبر آلية الرقابة والضبط العقابي للدولة الجمهورية اللائكية التي تقوم على "حراسة" القيم الجمهورية اللائكية وضبط حدود المباح والممنوع من منظار هذه الدولة.

وثانيا عبر أدوات التوجيه الثقافي والأيدولوجي التي تتم بمقتضاها صياغة الشخصية الفردية، وشحن الفضاء العام بالقيم الدهرية المعلمنة وعلى رأس ذلك مؤسسة المدرسة والترشيد التربوي.

ولعل هذا ما يفسر كثرة الضجيج والسجال الذي يثيره الفرنسيون حول دور المدرسة والتعليم بما لا نظير له لدى أمم أخرى في العالم.

فاللائكية الفرنسية لا تكتفي بتحرير السياسي من سيطرة الكنيسة وإنما تراهن على مقارعة الدين عامة وطرده من الفضاء العام لتحل محله "القيم اللائكية الصلبة"، وهنا تحل المدرسة محل الكنيسة في إعادة صياغة الوعي الفردي والجماعي.

كتب فردينان بويسون زمن الجمهورية الثالثة عام 1912 في معرض دفاعه عن مشروعية المدرسة اللائكية "إن للكنيسة معقوليتها الخاصة ومن ثم ليس أمام المرء إلا أن يكون معها أو ضدها، كما أن المدرسة اللائكية هي الأخرى لها اسمهما وهويتها الخاصة والمحددة. ومن ثم على المرء أن يختار بين المدرسة العقلانية والمدرسة الإكليروسية لأنه لا توجد منطقة وسطى بينهما".

فتحت الثورة الفرنسية الباب على مصراعيه أمام ظهور أنماط استبدادية جديدة وغير مسبوقة، استبدادية تعتمد على الأنياب الحادة لدولة مركزية وتدخلية وذات ادعاءات تنويرية. فقد كانت الثورة الفرنسية حاملة لبذور الاستبداد "الحديث" على نحو ما سيبرز لاحقا في الأنظمة الفاشية والنازية والشيوعية وغيرها.

وما يجمع هذه الأنماط التسلطية على اختلاف أنواعها وأسمائها تعلقها المفرط بالدولة والعمل على تغيير شروط الوجود البشري بصورة مثالية وحالمة عن طريق تدخل الفعل السياسي المبرمج والمخطط لذي تحتل فيه الدولة موقع الصدارة والتوجيه.

ونخلص من ذلك إلى القول بأن اللائكية الفرنسية ليست مجرد آلية سياسية لمعالجة قضية الانقسام الديني أو الطائفي، بل هي أشبه ما يكون بالعقيدة الشمولية والصارمة التي تراهن على الحلول محل الأديان والعقائد بعد امتصاص الكثير من مظاهرها وتعبيراتها في قالب دهري معلمن.

ودليل ذلك ما تحاط به اللائكية الفرنسية من تقديس ومحرمات، ما يجعل المرء عرضة للتجريح والإدانة بمجرد الاعتراض على بعض التصورات أو المسلكيات اللائكية، أو مجرد الحديث عن محدودية الحل العلماني.

وفي الجملة يمكن القول إن الثقافة السياسية الفرنسية على نحو ما تشكلت في مبدأ اللائكية ومرادفها الجمهورية قامت على نزوعات جذرية مدمرة لا تعرف معاني التوسط والوفاق.

ويبرز ذلك جليا من خلال صعود اليعاقبة وتحويلهم الساحة السياسية والثقافية الفرنسية إلى ساحة حرب مفتوحة في إطار ما سمي وقتها بسنوات الرعب أو ما أسماه روبسبيير بإرهاب الحرية.

"
الثقافة السياسية الفرنسية على نحو ما تشكلت في بداية اللائكية ومرادفها الجمهورية، قامت على نزوعات جذرية مدمرة لا تعرف معاني التوسط والوفاق
"
وحالة الرعب هنا لا تعني مجرد حقبة من حقب الثورة الفرنسية -تلك التي تمتد بين مجازر سبتمبر/أيلول 1792 إلى غاية سقوط روبسبيير في يوليو/تموز 1794- بقدر ما هي نمط كامل في إدارة الحكم وفي تصور السياسي، لازم الثورةَ منذ ولادتها واستمر معها لعقود متتالية من الزمن وما زال يحكمها إلى يوم الناس هذا.

والمقصد هنا ذلك النمط من الحكم الذي يستدعي القوة والحسم الجذري في التعاطي مع السياسة وقضايا الاجتماع باسم ادعاءات حداثية وتنويرية، وهو إرهاب يتراوح بين الاستخدام الفج والصريح للعنف المنظم من طرف مؤسسات الدولة وأجهزتها، وبين العنف "الصامت" الذي يقوم على سن تشريعات قانونية تعسفية وحامية لإرهاب الدولة المنظم.

وفعلا كانت مخاوف الفيلسوف الإنجليزي المحافظ إدموند بيرك في محلها حينما كتب منذ وقت مبكر وقبل أن يستوي مشهد الثورة على صورته الجلية (عام 1790) يقول إنه يتوقع للفرنسيين "رحلة طويلة وشاقة في عالم الفوضى وعتامة الظلمة".

وذلك بحكم ما يطبع الثورة الفرنسية من وحهة نظر بيرك من تعلق بالمجردات والمثل بدل الاستناد إلى الخبرة السياسية الحية، رادا ذلك إلى قلة دراية وخبرة منظري الثورة بأحوال السياسة وأوضاع الاجتماع السياسي المعقدة.

ومن مظاهر ذلك التعلق بتصورات مثالية للزمن والتاريخ، العمل على صنع تاريخ ونمط من الاجتماع السياسي مطلق الجدة وفي قطيعة مطلقة مع الماضي، فضلا عن السعي إلى صنع مفهوم مجرد ومتعال للمواطنة لا علاقة له بالواقع وممكناته الفعلية.

وذلك بالإضافة إلى ميل أهل تلك الثورة إلى الحلول الجذرية والقصوى بدل البحث عن الحلول الوفاقية الوسطى.

وبغض النظر عن الدوافع المحافظة، بل العنصرية في الكثير من الحالات التي حكمت المفكر الإنجليزي، فإن أهمية مقاربته للثورة الفرنسية تكمن فيما قدمه من تشخيص وتساؤلات لا في نوعية الإجابات التي ركن إليها، ولعل هذا ما يعطي أهمية لتأملاته الثاقبة حول الثورة الفرنسية.

من المعلوم هنا أنه قل وندر أن تركزت الأنظار والكتابات حول إرهاب الثورة الفرنسية، وربما يعود ذلك إلى ما رشح عن هذه الثورة من شعارات تحريرية ومدونات حقوقية طلائعية غطت وجوهها المخيفة والمرعبة.

كما أن ظهور الثورات الشيوعية القريبة إلينا زمنا وانكشاف توجهاتها العنفية التسلطية قد ألقى بشناعات الثورة الفرنسية في طي النسيان، خاصة أن النخبة السياسية والفكرية الفرنسية تعودت على إحاطة حدث الثورة بهالة احتفالية صاخبة.

"
اللائكية الفرنسية الأصلية مصابة بالكثير من الاختلال، وليس مصادفة أن تكون أكثر أنظمة الحكم العربي تخلفا وغلظة في التعامل مع شعوبها تلك التي ورثت التقاليد الجمهورية الفرنسية
"
هكذا توارت بشاعات الثورة الفرنسية خلف المجازر الستالينية والحروب الهتلرية وحلت مشاهد دكتاتورية البروليتاريا محل العنف العبثي لجماعة اللامتسرولين وأقرتهم اليعاقبة في مجال الدراسات التاريخية والسياسية.

وفعلا فإن القراءة الثاقبة للتجربة الفرنسية سواء في موطنها الأصلي أو في مختلف البلاد التي امتد إليها نفوذها الاستعماري، تكشف لنا عما رافقها من أبعاد تسلطية ثقيلة الوطأة ومن مظاهر التشديد على الدور الطلائعي للدولة في إحداث التحولات السياسية والاجتماعية وفي هندسة البنية الاجتماعية السياسية بصورة فوقية ومتعالية عن مشاغل الناس وحاجياتهم.

ومما يزيد من مخاطر النموذج الفرنسي ويقوي أنيابه الحادة أكثر أن يتم الاستحواذ على هذه الدولة من طرف نخبة لائكية صلبة ومعزولة عن محيطها الاجتماعي، ومقطوعة الصلة بثقافة الناس ومصالحهم، كما هو واقع الحال في الكثير من البلاد العربية التي خضعت لتجربة الاحتلال الفرنسي القاسية، خاصة في بلاد المغرب العربي حيث استحال أمر هذه الدولة إلى ما يشبه آلة حرب دائمة ومفتوحة في مواجهة مجتمع موصوف بالجمود والتخلف.

وفعلا إذا كانت اللائكية الفرنسية "الأصلية" مصابة بالكثير من الأعطاب والاختلال التي ما زال الجسم الفرنسي يشكو من تداعياتها إلى اليوم، فإن أخواتها من اللائكيات المستنسخة تبدو عللها أشد وأسقامها أعمق بحكم شدة غربتها عن الناس بما لا يقارن بلائكية النموذج أو الأصل.

ولذا لم يكن محض مصادفة أن تكون أكثر أنظمة الحكم العربي تخلفا وغلظة في التعامل مع شعوبها تلك التي ورثت التقاليد "الجمهورية الفرنسية".
_________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة