علي حسين باكير

حقيقة الانسحاب الأميركي من العراق
دوافع الانسحاب
انعكاسه على الخيارات الأميركية في المنطقة

لا شك في أن انسحاب قوات الاحتلال الأميركي من العراق مطلب غالبية الشعب العراقي إن لم نقل كله, وهي رغبة جميع الشعوب الحرة في الشرق والغرب. لكن وللأسف بعض الأمور لا تكون بهذه البساطة ولا بهذه الشفافية, فالانسحاب التدريجي الذي تكلم عنه البيت الأبيض لا يعدو كونه خطوة تكتيكية نرجو أن نكون مخطئين بشأنها.

"
إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مبدأ الإدارة الأميركية كان على الدوام معارضة أي انسحاب حتى استكمال مهمة بناء جيش عراقي وحكومة عراقية شرعية, فإن هذه المهمة لم يتم تنفيذها بعد ولا ينتظر تنفيذها في القريب العاجل
"
حقيقة الانسحاب الأميركي من العراق
الولايات المتحدة ما دخلت واحتلت بلدا بعد الحرب العالمية الثانية ثم خرجت منه باستثناء فيتنام وكوريا الشمالية لأنها لم تحتلهما عمليا ولم تبق فيهما بالتالي. وحسب نشرة وزارة الدفاع الأميركية يوجد للولايات المتحدة قوات في 135 دولة في العالم, ويعني هذا أن لديها قوات في أكثر من 70% من دول العالم، بالإضافة إلى مناطق وجزر لا تعتبر دولا وهي غير مستقّلة وتتواجد فيها القوات الأميركية. ولا يستطيع المواطن الأميركي العادي على الأرجح تحديد موقع أغلب هذه الـ135 دولة على الخريطة, فضلا عن بعضها.

ومن هذا المنطلق فنحن لا نرى العراق استثناء والدليل ما تم الكشف عنه مرارا وتكرارا منذ اجتياحه وحتى اليوم عن إقامة أميركا قواعد عسكرية دائمة في العراق ومدها بكافة التجهيزات اللازمة, علما بأن أول من كشف النقاب عن هذا الموضوع كانت صحيفة "جمهوريت" التركية في يناير/كانون الثاني 2004 والتي قالت ببناء القوات الأميركية سبع قواعد عسكرية دائمة على الأقل.

ثم نقلت صحيفة "نيويورك صن" يوم 14/1/2004 أن البنتاغون يبني نظام اتصالات عسكرية مستديما في العراق وهو أساس ضروري لأي وجود عسكري دائم. هذه الشبكة تسمى "نظام ميكروويف العراق المركزي-CIMS" ونفذتها شركة "غالاكسي ساينتفك كوربوريشن" بكلفة 10 ملايين دولار.

وهذه الشبكة الدائمة تعني أنه حتى لو انسحبت القوات الأميركية فإن أعدادا كبيرة منها ستبقى في قواعدها التي أحصاها موقع "غلوبل سيكيوريتي" العسكري الأمني بـ12 قاعدة دائمة في كافة أنحاء العراق, وقد خصص الكونغرس الأميركي مبلغ 236 مليون دولار لبناء قاعدة عسكرية دائمة جديدة وذلك في العام المالي 2005.

وما يدفعنا للاعتقاد بأن هذه الخطوة تكتيكية لا أكثر, هو أن الجيش العراقي -لا صحة لهذه التسمية حاليا- غير مجهز للحلول مكان القوات الأميركية, لا من حيث العدد ولا العديد ولا التدريب والتمويل ولا من أي ناحية أخرى, ففي سبتمبر/أيلول الماضي ألمح الجنرال ''جورج دبليو كيسي'' إلى أن "هناك كتيبة عراقية واحدة -أقل من 1000 جندي- هي التي تستطيع القتال دون مساعدة من الولايات المتحدة, علما بأننا بحاجة إلى 40 كتيبة إضافية على الأقل كي تستطيع قيادة عمليات مكافحة التمرد بمساعدتنا"!!.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن مبدأ الإدارة الأميركية كان على الدوام معارضة أي انسحاب حتى استكمال مهمة بناء جيش عراقي وحكومة عراقية شرعية, فإن هذه المهمة لم يتم تنفيذها بعد ولا ينتظر تنفيذها في القريب العاجل.

"
إذا ما وزعنا تكلفة الحرب على الأشخاص في الولايات المتحدة فإن الدين على الفرد سيصبح 727 دولارا، ما يجعل حرب العراق العمل العسكري الأكثر كلفة في السنوات الستين الأخيرة
"
دوافع الانسحاب
خطة الانسحاب التدريجي التي أعلنت الإدارة الأميركية والمحافظون الجدد وجودها والتي تبدأ بسحب 50 ألف جندي نهاية العام 2006 يليها تخفيض كبير عام 2007, تبدو قريبة جدا من الخطة التي نشرها "مشروع البدائل الدفاعية" يوم 19/7/2005 بعنوان "إستراتيجية للخروج من المأزق العراقي: 400 يوم ومن ثم الخروج", مع فارق أن الهدف الرئيسي ليس الانسحاب الكامل بقدر ما نعتقد بأنه انسحاب جزئي يليه عملية إعادة انتشار واسعة داخل العراق.

وبغض النظر عما إذا كان الحديث عن الانسحاب التدريجي خطوة تكتيكية أم حقيقة واقعة, فلا بد من وجود عدة عوامل دفعت الإدارة الأميركية للحديث عن انسحاب، ومنها:

أولا- دور المقاومة العراقية التاريخي في إلحاق خسائر جسيمة بالمحتل الأميركي وجيشه والتي أصبحت تبدو للاحتلال الأميركي غير قابلة للتطويق عبر الوسائل التقليدية التي يتم اللجوء إليها في الحروب, وبقاء أعداد قوات المقاومة العراقية بين 16 و40 ألفا رغم قيام قوات التحالف الأميركي بقتل وأسر 1700 عنصر من المقاومة كل شهر.

ثانيا- ارتفاع التكلفة المادية والبشرية للوجود الأميركي في العراق دون ظهور أي معالم واضحة لنهاية لها، فقد ذكر تقرير بعنوان "المستنقع العراقي.. التكاليف المتزايدة للحرب ومسألة إعادة القوات إلى الوطن" يقع في 84 صفحة ونشر يوم 31/08/2005, أن تكاليف الحرب على العراق باتت قريبة من 700 مليار دولار, بينما كلفت الحرب على فيتنام دافع الضرائب الأميركي 600 مليار دولار بأسعار اليوم.

وذكر التقرير أن تكاليف العمليات في العراق اليوم في عام 2005 تقدّر بـ5.6 مليارات دولار في الشهر. وبالمقارنة فإن معدل تكلفة العمليات العسكرية في فيتنام خلال 8 سنوات من الحرب كان 5.1 مليارات شهربا". وبالنسبة إلى الخسائر البشرية فقد قتل بين بداية الحرب يوم 19 مارس/آذار 2003 و22 أغسطس/آب 2005 ما عدده 2060 جنديا من قوات الاحتلال بينهم 1866 جنديا أميركيا. هذا وجرح أكثر من 14065 من أفراد القوات الأميركية بينهم 13523 (96%) منذ مايو/أيار 2003, ومات 255 متعاقدا مدنيا في العراق منذ الإعلان عن "انتهاء العمليات العسكرية الأساسية" يوم 1 مايو/أيار 2003 من ضمنهم 91 تمّ تعريفهم على أنهم أميركيون.

ثالثا- ضغط تكاليف الحرب على الاقتصاد الأميركي، ففي أغسطس/آب 2005 توقع مكتب ميزانية الكونغرس أن من شأن تكلفة الحرب المستمرة في العراق وأفغانستان بالمستويات الحالية أن تضاعف تقريبا العجز المتوقع للميزانية الاتحادية في السنوات العشر القادمة.

وقد صدق الكونغرس حتى الآن على أربعة فواتير مخصصة للإنفاق في العراق بتمويل مالي قدره 204.4 مليارات دولار, وفي طريقه للموافقة على صرف 45.3 مليارا لتغطية العمليات الحالية بانتظار مرور رزمة إنفاق إضافية يتوقع لها أن تصرف في ربيع عام 2006.

وإذا ما وزعنا هذه التكلفة على الأشخاص في الولايات المتحدة فإن الدين على الشخص الواحد يصبح بكلفة 727 دولارا على الفرد، ما يجعل حرب العراق العمل العسكري الأكثر كلفة في السنوات الـ60 الأخيرة.

رابعا- استنزاف الجيش الأميركي والاحتياط بالكامل، فمنذ العام 2001 نشر الجيش الأميركي أكثر من مليون جندي لحربي العراق وأفغانستان مع نحو 341 ألفا أو الثلث يخدمون نوبتي عمل أو أكثر. ويخدم في العراق حاليا نحو 48 ألفا من أعضاء الحرس الوطني والاحتياطي, وهم يشكلون نحو 35% من حجم القوات الأميركية الكلية في العراق, ما يعني أن العمق الأميركي بات يعاني مشاكل استنزاف أمنية عالية بالإضافة إلى أن جميع الوحدات قد أنهكت قواها ولم تعد قادرة على العمل في هذه الظروف وبحاجة إلى إعادة تهيئة وتأهيل بعد راحة طويلة.

"
تزايد الاعتقاد بأن الوجود الأميركي في العراق بدأ يحد من قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات مهمة في مواضيع عديدة إقليمية ودولية هامة, وأن انسحابا جزئيا سيساعد على تحسين الأجواء في داخل العراق وداخل أميركا
"
خامسا- تزايد الشكوك بين الأميركيين من أن نشاط القوات المسلحة الأميركية في العراق أصبح غير مجدٍ على الإطلاق بهذا الحجم, خاصة أن وزارة الخارجية الأميركية وجدت أن عدد الهجمات التي تصنف "إرهابية" في العراق ارتفعت 9 أضعاف من 22 عملية في العام 2003 إلى 198 في العام 2004 وأكثر في العام 2005, وارتفاع معدل الهجمات "الانتحارية" إلى 50 في الشهر الواحد في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2005, بينما كانت 20 عملية في العام 2003 و48 في العام 2004.

سادسا- تزايد الاعتقاد بأن الوجود الأميركي في العراق بهذا الحجم بدأ يحد من قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات مهمة في مواضيع عديدة إقليمية ودولية هامة, وأن انسحابا جزئيا سيساعد على تحسين الأجواء داخل العراق وداخل أميركا، خاصة في وقت أصبحت فيه شعبية بوش في الحضيض, وفي وقت تحتاج فيه الخطة الأميركية الجديدة التي تقتضي إشراك جزء مهم من السنة العرب وتحقيق مصالحة عبر وساطة الجامعة العربية، إلى مثل هذا التحرك.

سابعا- ضغط الديمقراطيين المتزايد في الكونغرس الأميركي باتجاه سحب الجيش الأميركي أو تخفيض عدد أفراده, وتجلى ذلك في شهادة جون مارثا شيخ النواب الديمقراطيين في الكونغرس وخبير شؤون الأمن القومي والمحارب القديم في فيتنام والذي شن حملة نارية على الحزب الجمهوري الأميركي وعلى إدارة بوش.

وجاء في كلمته أمام الكونغرس "لقد أصبحت قواتنا الهدف الرئيسي للتمرد.. إنهم متحدون ضد القوات الأميركية وقد أصبحنا دافعا لتوليد العنف.. إن القوات الأميركية هي العدو المشترك للسنة والصداميين والمجاهدين الأجانب", "جيشنا يعاني, مستقبل بلادنا في خطر, إننا لا نستطيع أن نستمر في المسار الراهن, ومن الواضح أن الأعمال العسكرية المستمرة في العراق ليست في صالح الولايات المتحدة أو الشعب العراقي أو منطقة الخليج.. إن مستقبل جيشنا في خطر. إن جنودنا وعائلاتهم يعملون فوق طاقتهم، والكثير يقولون إن جيشنا قد هزم.. لقد سببت حرب العراق نقصا هائلا في قواعدنا بالولايات المتحدة". وقد أنهى خطابه بطلب رسمي بانسحاب القوات الأميركية من العراق.

انعكاس الانسحاب على الخيارات الأميركية في المنطقة

"
الانسحاب الجزئي سيتيح للإدارة الأميركية هامشا أكبر من المناورة فيما يتعلق بسوريا وكوريا الشمالية على الصعيد الدولي, كما سيظهر الجمهوريين وكأنهم يحرصون على جمع الصفوف وتوحيد الكلمة
"
لا شك أن فئة ضئيلة من العراقيين (وهم الطبقة التي أتت إلى الحكم مع الجيش الأميركي والمستفيدة من وجوده) لا تريد أن يغادر هذا الجيش قبل أن تضمن استقرارها في مراكزها ومواقعها السياسية والاقتصادية. ومن ناحية أخرى لا يمكن منطقيا للولايات المتحدة سحب قواتها قبل ضمان أمن مصالحها الإستراتيجية ومصالح حلفائها من الدول المجاورة للعراق والتي ستتعرض لهزات كبيرة إذا خرج الجيش الأميركي مكسور الرأس من قبل المقاومة العراقية -المعزولة إقليميا ودوليا- وهذا ما لا تريده واشنطن.

ولذلك فإن الولايات المتحدة تبحث عن طرف يستطيع أن يساعد هذه الطبقة العراقية وبالتالي يساعد أميركا في الحفاظ على مصالحها وذلك بأقل تكاليف عسكرية واقتصادية وبشرية. ولا بد أن يكون لهذا الطرف قوة على أرض العراق بشرية واقتصادية ومرجعية ذات تأثير. وليس من باب المصادفة أن يكون هذا الطرف هو نفسه الذي ساعد الأميركيين في محطات عديدة ومآزق مماثلة, هذا الطرف هو إيران.

ولذلك فنحن لم نستغرب عندما كان الحديث عن الانسحاب مصاحبا لطلب أميركي بمباحثات مع إيران حول الوضع في العراق، وذلك عبر تفويض الرئيس الأميركي لسفيره في العراق زلماي خليل زاده التعامل مع الإيرانيين كما تعامل معهم في أفغانستان بشكل مباشر، وذلك من أجل الحصول على مساعدتهم في تأمين العراق إذا بدأت وزارة الدفاع الأميركية سحب قواتها من هناك!! هذا التعامل الذي لم يتوقف منذ تفويض الرئيس رونالد ريغان لمستشاره في الأمن القومي روبرت ماكفرلين –فضيحة إيران غيت- مرورا باجتماعات سويسرا وباريس وألمانيا، وصولا إلى طهران اليوم.

وكخلاصة نستطيع القول إن هذا الانسحاب الجزئي للقوات الأميركية الذي سيبدأ نهاية العام 2006 سيتيح للإدارة الأميركية هامشا أكبر من المناورة فيما يتعلق بسوريا وكوريا الشمالية على الصعيد الدولي, كما من شأنه أن يظهر الجمهوريين وكأنهم يحرصون على جمع الصفوف وتوحيد الكلمة في الداخل الأميركي.

لكن هذا الانسحاب أيضا سيضع أمورا عديدة على المحك ومنها مصداقية المقاومة العراقية وهدفها النهائي وموقفها من القوات العراقية التي ستكون في المواجهة بدلا من الجيش الأميركي في المرحلة المقبلة, بالإضافة إلى مسألة النفوذ الإيراني في العراق وعما إذا كانت النظرية التي تقول إن كل الخطوات الأميركية منذ غزو أفغانستان وحتى يومنا هذا جعلت من إيران وستجعلها قوة إقليمية لا ند لها على الإطلاق, صحيحة أم خاطئة.
________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة