علي نصار

اليسار العربي.. التباس في التعريف
برنامج اليسار.. قوة تغيير أم اعتراض؟
اليسار الديمقراطي والثورات الملونة

يتوالى بشكل لافت بروز "أحزاب يسارية ديمقراطية" على المسرح السياسي العربي, ومنذ أواسط العقد الأخير من القرن الماضي بدأت هذه الظاهرة تتوسع نتيجة انشقاق أحزاب شيوعية عريقة، أو توحد تنظيمات ماركسية، أو حتى تجميع أنصار في بوتقة علاقات عامة ترفع راية اليسار الديمقراطي. ومبرر الالتفات الآن نحو هذه الظاهرة، استعجال الولايات المتحدة تشكيل موازين قوى داخلية ترفع بيارق "الثورات الملونة" في الدول العربية، وتفتح الباب أمام مشروع الشرق الأوسط الكبير الأميركي.

اليسار العربي.. التباس في التعريف
عندما بدأنا في استعمال مفهوم "اليسار" في مطلع التسعينات، كانت دلالة المفهوم تضمر إحساسا بخطورة التغير التاريخي الذي أصاب النظام الرأسمالي الدولي، بعد انهيار الإتحاد السوفياتي السابق وزوال الحكومات الشيوعية في وسط أوروبا والبلقان.

وكذلك بعد نشوب حرب الخليج الثانية وانطلاق "مؤتمر مدريد", كان الإزدهار السياسي/الأيديولوجي لـ"اليسار" الذي ميز مرحلة الحرب الباردة، قد ولى مع سقوط "النموذج الإشتراكي"، وأمست نهاية تلك الحرب/المرحلة منعطفا فاصلا في تاريخ أحزاب وتنظيمات اليسار العربي.

لم يكن ثمة اهتمام حينذاك، بإعادة تعريف ماهية "اليسار" في الظروف الدولية والعربية الجديدة, كانت الأسئلة المطروحة تعبر عن الصدمة من هول التغير التاريخي، أكثر ما تشكل علامة وعي بطبيعة التغير ومعرفة بأسبابه وتحوطا لنتائجه.

"
عندما بدأنا في استعمال مفهوم "اليسار" في مطلع التسعينات، كانت دلالة المفهوم تضمر إحساسا بخطورة التغير التاريخي الذي أصاب النظام الرأسمالي الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق 
"
في تلك اللحظة الانتقالية، طوى مفهوم "اليسار" رغبة غامضة في تجاوز الخلافات الحزبية القديمة بين الأحزاب والتنظيمات الشيوعية: الماركسية و"المتمركسة"، ناهيك عن تجاوز الخلافات الأيديولوجية مع بعض القوى القومية وحتى الإسلامية أيضا. لكن أيا من تجمعات "اليساريين" السالفين لم يك بقادر على ادعاء تصور عن خطوط برنامج المستقبل.

إن قسطا من ذاك الغموض كان حميدا بالفعل, فقد نشب الجدل الفكري/السياسي في أوجه الرؤية "اليسارية" كافة، بما فيها المحظورات "الصنمية" المعروفة.

في هذا الجدل، كان ثمة من رأى أن الشيوعية، بخلاف الاشتراكية، هي مجرد نظرة خلاصية لا تمت بصلة إلى الفكر المادي التاريخي، ولا يمكن أن تشكل مشروعا تاريخيا يمكن بلوغه. بالمقابل، ثمة من تمسك بـ"التمذهب" المألوف، حتى عجز عن اتخاذ صفة ليطلقها على تنظيمه الحزبي، غير الصفة الشيوعية (نقلا عن منشورات حزب العمل الاشتراكي العربي والحزب الشيوعي اللبناني).

ما بين هذين الإتجاهين غرق الكثيرون في التفكير باجتراح "حلول نظرية" خامدة لأزمة سياسية لاهبة، وراحوا يبحثون عبثا، في أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي، واستكمال تأصيل الماركسية، بحثا دفع ببعضهم إلى مماهاة صورة ابن خلدون بصورة كارل ماركس. (نقلا عن منشورات "الحزب الشيوعي السوري").

في عتمة هذا الغموض، لمع قدر من الثبات الفكري/السياسي في رؤية عدد من القوى اليسارية العربية. هذا اللمعان تمثل في تأكيد هذه القوى على عجز النموذج الرأسمالي عن حل التناقضات الاجتماعية/الدولتية في الأقطار العربية.

وتعرض سياسة التبشير بالإلحاد إلى نقد عاجل، لم يعترف بالمكانة المركزية للإسلام الحنيف في الاجتماع السياسي العربي وحسب، بل صار يفتش عن القواسم المشتركة مع الإسلامية العربية. في تلك العتمة أيضا، نودي بأولوية الروابط القومية العربية ضد مشاريع الشرق أوسطية والمتوسطية، وظهر التزام واسع برفض التطبيع مع إسرائيل، ودعم الانتفاضة الفلسطينية.

كان الجدل "اليساري" حول هذه الثوابت حيويا وواعدا, فالسياسي أخذ يتقدم على الأيديولوجي، تقدما كان سيقود حتما إلى إعادة تعريف "اليسار" العربي على ضوء المهام التي تفرضها المرحلة الجديدة. بيد أن هذه القفزة النوعية لم تحدث.

برنامج اليسار.. قوة تغيير أم اعتراض؟

"
العلاقة بين "التحرر" و"التحديث" يمكن أن تفشي سر التحالفات المبكرة التي عقدت في الأربعينات بين الإسلاميين والشيوعيين في مصر وسوريا وغيرها
"
طيلة المرحلة السابقة على ولادة "النظام الدولي الجديد" في جحيم حرب تحرير الكويت عام 1991، كان "اليسار" العربي يستفيد من خاصتين وسمتا الاجتماع السياسي العربي، وعبرت عنهما الحركة القومية العربية، آنذاك، وهما: إرادة التحرر الوطني وإرادة التحديث الاجتماعي.

وهاتان الخاصتان هما اللتان جعلتا من أحزاب وتنظيمات "اليسار" قوة تحديث اجتماعي/دولتي على المستويين الوطني والقومي. وإنه لمن قبيل التبسيط الساذج تفسير الازدهار أو الانحسار السياسي/الأيديولوجي "اليساري" في تلك المرحلة، بالعلاقة أو "العمالة" التي جمعت "اليسار" العربي إلى الاتحاد السوفياتي السابق.

بهذا المعنى، كان "اليسار" العربي في تلك المرحلة وطنيا ديمقراطيا، إذ كانت مهام التحرر الوطني -ولا زالت- موثوقة إلى مهام التحديث الاجتماعي/الدولتي.

وفي هذه العلاقة الجدلية (الديالكتيكية) بين "التحرر" و"التحديث"، تحدد، دائما، جوهر البرنامج "اليساري" العربي، بغض النظر عن الأداء الهامشي لدى أحزاب وتنظيمات "اليسار" وارتباطها الدوني بالمرجعية السوفياتية السابقة.

وللإحاطة، فإن هذه العلاقة بين "التحرر" و"التحديث" يمكن أن تفشي سر التحالفات المبكرة التي عقدت في الأربعينات بين الإسلاميين والشيوعيين في مصر وسوريا وغيرها.

هذه الطبيعة الوطنية-الديمقراطية المركبة لدى "اليسار" العربي، لتوضح أن الجدل الفكري/السياسي الذي اندلع في أوساطه مع ختام الحرب الباردة، كان متحدرا من صميم برنامج المرحلة السابقة.

سوى أن عاملا جديدا كان قد بدأ يشق طريقه في وقت ما من أواسط التسعينات ببطء، ليحيل صدمة سقوط الشيوعية إلى زلزال فكري/سياسي/تنظيمي بعثر الصفوف "اليسارية" وشرذمها. هذا العامل تمثل في تحلل معظم النخب "اليسارية" القديمة من التزاماتها السياسية/الأيديولوجية السالفة.

ويوفر لبنان "مختبرا" جيدا لمعاينة هذا التحلل، الذي تلاقى مع ظروف دولية وعربية -ولبنانية طبعا- جديدة، حولت "اليسار" القديم إلى ضرب من الرميم السياسي/التنظيمي الهامد.

منذ بداية عقد التسعينات بدأ الاجتماع السياسي العربي يهتز بعنف أمام رياح العولمة العاتية: إدماج الاقتصادات العربية وتكييفها وفق شروط القوى الرأسمالية المهيمنة في السوق الدولية. تخلع الفضاء العربي أمام ضغوط الإعلام والمعلومات والاتصالية. فشل "عملية مدريد" في تهدئة نيران العولمة العسكرية التي تديرها إسرائيل في فلسطين ولبنان، ووقوع العراق تحت الحصار المميت.

زاد من شدة أخطار العولمة توجه الولايات المتحدة آنئذ للتفتيش عن "عدو بديل" يبرر الهيمنة الأميركية على النظام الدولي بعد تلاشي "إمبراطورية الشر" الشيوعية. كان الظلاميون الجدد الأميركان يروجون لنظريات هنتغتون وفوكوياما عن "صراع الحضارات" "ونهاية التاريخ"، ممهدين السبيل لاصطناع "العدو البديل" في الوطن العربي والعالم الإسلامي.

في هذه الظروف الجديدة بالفعل سارعت أكثرية النخب "اليسارية" إلى التخلي عن البرنامج الوطني ـ الديموقراطي برمته، ودفعة واحدة، قبل معاينة طبيعة المرحلة الجديدة، وما إذا كانت قد ألقت بهذا البرنامج وسط أنقاض التاريخ.

"
منذ بداية عقد التسعينات بدأ الاجتماع السياسي العربي يهتز بعنف أمام رياح العولمة العاتية, وزاد من خطورتها توجه الولايات المتحدة آنئذ للتفتيش عن "عدو بديل" يبرر الهيمنة الأميركية على النظام الدولي
"
ويبين "المختبر اللبناني"، أن هذا التخلي، الذي لم يأت دفعة واحدة، أظهر اندماج النخب "اليسارية" النشطة في ثنايا المنظمات غير الحكومية، الدولية أوالمحلية ذات البرنامج الدولي، وأن هذه النخب قد دخلت في سياق سياسي/أيدولوجي، مؤسسي، آخذ في تحويلها إلى عناصر اعتراض على النظام الدولي وتفرعاته الإقليمية، ينحصر "برنامجها" السياسي/الأيديولوجي في تخفيف آثار العولمة العسكرية والسياسية والاقتصادية، خصوصا برامج التكييف الهيكلي التي كانت تنفذها الحكومات اللبنانية في ذلك الحين، بالتوافق مع، أو بالإذعان لمؤسسات العولمة المالية الدولية.

ونتيجة هذا التحويل تكف تلك النخب "اليسارية" السابقة عن كونها عناصر تغيير لهذا النظام وتفرعاته، إذ إنها تنقطع عن دورها في إنجاز مهام التحرر الوطني ومهام التحديث الاجتماعي/الدولتي، وتصبح "شريكا نقديا" في المؤسسات المختلفة لقوى العولمة الرأسمالية.

(راجع مقال Yves DEZALAY et Bryan GARTH، عن تواطؤ النخب المعولمة في جريدة LE Monde Diplomatique، عدد يونيو/حزيران 2005).

اليسار الديمقراطي والثورات الملونة
وسط هذا السياق التكويني الجديد، الذي تضافرت لإطلاقه قوى دولية وقوى عابرة للدول جبارة وهائلة، ظهر البرنامج "اليساري الديمقراطي" العربي.

من ناحية الجوهر تم في هذا البرنامج استبدال "الإيمان" الشيوعي بـ"الإيمان" الديمقراطي، من دون تحييث القطيعة العبثية التي حدثت مع برنامج المرحلة السابقة.

كان "اليساريون الديمقراطيون" قد بادروا على الفور إلى التأكيد، أن أنشطتهم في مواجهة "آليات نظام السوق المنفلتة" لا يمكن أن "تنتهك ضرورات النمو الاقتصادي" الذي تتطلع إليه الرأسمالية النيوليبرالية ومؤسسات العولمة المالية (راجع "مشروع الوثيقة التأسيسية لحركة اليسار الديمقراطي" في لبنان).

وهذا التعهد السياسي/الأيديولوجي بالحرص على "النمو الإقتصادي"، تقاطع مع أيديولوجيا "الأمركة" المطالبة بتطبيق نموذج "دولة القانون والديمقراطية والسوق"، كقيمة أميركية تروج دوليا من بين قيم أميركية أخرى تخدم إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، كما كشف عن رفض "يساري ديمقراطي" واضح لمناهج وخطط التنمية الشاملة الدولتية/الشعبية.

هذا التقاطع لم يقتصر على المستوى الاقتصادي وحده، بل شمل الجانب السياسي أيضا. إذ قرن "اليسار الديمقراطي" دعوته لمواجهة "خطر النيوليبرالية" بالدعوة لمواجهة خطر "التيارات الماضوية" الدينية في البلدان العربية أيضا (راجع أيضا "مشروع الوثيقة التأسيسية لحركة اليسار الديمقراطي" في لبنان).

هذه الإزدواجية في تعريف الخصوم السياسيين كانت تلائم أيديولوجيا الأمركة بالفعل، لا سيما بعد 11 سبتمبر/أيلول. إذ إن قيام "يساريين ديمقراطيين" بتعبئة الرأي العام في مواجهة "الهجوم الأصولي الظلامي" (نقلا عن منشورات لـ"حزب الطليعة الاشتراكي الديمقراطي" في المغرب)، كان يعزز، بوعي أو من دون وعي، مطلبا ملحا للسياسة الأميركية الحالية.

وهذا المطلب يتمثل في رغبة إدارة جورج بوش الابن والظلاميين الأميركان في تهميش النزعة الإصلاحية في الإسلامية العربية، وفي الحركة القومية عموما، مقابل تضخيم قوة تيار التكفير في المجتمعات العربية، بشكل منافق، يجعل من دور هذا التيار إرهابا دوليا فظيعا، يبرر ظلامية المحافظين الجدد وطغيان النظام الإمبريالي الأميركي.

"
تواطؤ النخب المعولمة مع ديناميات الأمركة يشرح معنى "تصنيم" بعض "اليساريين الديمقراطيين" لـ"الديمقراطية السائدة في العالم الرأسمالي"، مقابل إدانة مجتمعاتنا لأنها "لم تلج" الديمقراطية الرأسمالية حتى اليوم
"
هذه التقاطعات بين "اليسار الديمقراطي" العربي وديناميات الأمركة، ليست عرضية، ولا تشكل تكرارا لأخطاء "اليسار" القديم وبقية أجنحة الحركة القومية التي كانت تقدم الخلاف الأيديولوجي على الانسجام السياسي، بل هي جزء من "تواطؤ النخب المعولمة" مع ديناميات الأمركة، رغم ما كان لبعض هاتيك النخب من ماض "يساري" ناصع ونظيف (راجع أيضا مقال DEZALAY et GARTH المشار إليه أعلاه).

إن قسطا كبيرا من هذا التواطؤ، يشرح معنى "تصنيم" بعض "اليساريين الديمقراطيين" لـ"الديمقراطية السائدة في العالم الرأسمالي"، مقابل إدانة مجتمعاتنا لأنها "لم تلج" الديمقراطية الرأسمالية حتى اليوم.

وهذا الحكم المزاجي، وغير العلمي، ينطوي على استصغار الذات القومية، إذ يحثّ على التوقف عن "الدفاع عن هوياتـ[نا] القومية الغارقة في ظلام التخلف، والدفاع عن وهم استقلال بلدانـ[نا]"(نقلا عن كريم مروة في جريدة النهار اللبنانية، يوم 23/5/2005).

وفي ظروف "الثورات الملونة" التي يدبرها الظلاميون الأميركان، يعبر "الإيمان الصنمي" بالديمقراطية الرأسمالية عن طبيعة برنامج "اليسار الديمقراطي".

فالجماعات التي تحمل هذا البرنامج تبدو ضيقة الصدر، متوترة، وتميل إلى نوع من التكفير الأيديولوجي أو الإرهاب الفكري، لكل من يخالف تعبيراتها الأيديولوجية أوالسياسية أوالإعلامية (راجع، مثلا، مقتطفات من بيان حركة الإنقاذ في الحزب الشيوعي اللبناني يوم 17/10).

وهذا الميل الذي يكشف عن قلة ثقة بالقدرة الذاتية، يحدث فرزا مستمرا ومتواصلا وسط القوى المناوئة للبرنامج النيوليبرالي المحلي والدولي، ويسد قنوات التواصل بينها، مثلما يعطل الحوار مع الأطراف التي تشكك في برنامج "اليسار الديمقراطي" أو تتردد في تأييده.
ـــــــــــــــ
كاتب لبناني 

المصدر : الجزيرة