عبد الوهاب المسيري

يتصور الكثيرون أن الحداثة رؤية ومجموعة من الأفكار تحققت في المجتمعات الغربية بنفس الطريقة وعلى نفس المنوال، وعادة ما تدور هذه الأفكار حول أفكار مثل العقلانية واستخدام العلم والتكنولوجيا في التعامل مع الواقع. وأننا كي نحقق معدلات التقدم التي حققوها علينا أن نتبنى رؤيتهم ونلحق بهم.

وهذا التصور يتجاهل حقيقة هامة وهي أن الحداثة ليست رؤية ثابتة وإنما متتالية تتحقق حلقاتها عبر الزمان والمكان، أي أن الحداثة لها تاريخ وتمر بمراحل، وأن ما تحقق في الحلقات أو المرحلة الأخيرة (بعد عام 1965) يختلف عما تحقق في الحلقات أو المرحلة الأولى.

ولذا يجب ألا نمر على تاريخ الحداثة مر الكرام، وإنما ندرسه بعمق، فمنظومة الحداثة قد أمسكت بتلابيبنا ودعاتها يتزايدون يومًا بعد يوم.

ولإنجاز هذا الهدف يجب أن نلاحظ أن المتتالية التحديثية المتحققة تتضمن مجموعة من الثنائيات الأساسية: الإنتاج مقابل الاستهلاك، المنفعة ”البرانية“ مقابل اللذة ”الجسدية“، التحكم والإرجاء مقابل الانفلات والإشباع المباشر، التراكم مقابل التبديد والإنفاق، الدولة مقابل السوق.

والطرف الأول من الثنائية (الإنتاج والمنفعة والتحكم والإرجاء والتراكم والدولة) يفترض وجود مركز للكون (إنساني أو طبيعي) ولذا فأذهب للقول إنه حينما يسود هذا الطرف من الثنائية فإننا ندخل عالم الحداثة الصلبة.

"
لكي ندرس الحداثة يجب أن نلاحظ أن المتتالية التحديثية المتحققة تتضمن مجموعة من الثنائيات الأساسية: الإنتاج مقابل الاستهلاك، المنفعة ”البرانية“ مقابل اللذة ”الجسدية“، التحكم والإرجاء مقابل الانفلات والإشباع المباشر، التراكم مقابل التبديد والإنفاق، الدولة مقابل السوق
"
أما الطرف الثاني من الثنائية (الاستهلاك واللذة والانفلات والإشباع المباشر والتبديد والسوق) فيفترض انعدام الحدود وغياب المركز. ومن ثم تتساوى كل الأشياء وتختفي الصلابة لتحل محلها سيولة شاملة، وهذا هو عالم ما بعد الحداثة السائلة.

وأنا أذهب إلى أن عام 1965 هو العام الفاصل بين عالم الحداثة الصلبة وما بعد الحداثة السائلة. وقد اخترت هذا التاريخ لا لأن شيئا محددا ملموساً حدث فيه، وإنما لأنه في منتصف الستينيات.

ولا يمكن تحديد تاريخ الظواهر الحضارية بالإشارة إلى يوم بعينه أو عام بعينه فهي تتطور بشكل يتجاوز مثل هذا التحديد الدقيق. ومع هذا يظل عام 1965 اختيارا مناسبا في تصورنا، فهو نقطة تركُّز تقع داخل مُتَصَل طويل.

هذا الانتقال من الحداثة الصلبة إلى ما بعد الحداثة السائلة يعبر عن نفسه في كل مجالات النشاط الإنساني، فإذا نظرنا، على سبيل المثال، إلى المجال الاقتصادي سنجد أن الهدف النهائي من الوجود في الكون في مرحلة الحداثة الصلبة (قبل عام 1965) هو الإنتاج والزيادة المطردة للإنتاج.

والإنسان في هذه المرحلة منتج أكثر من كونه مستهلكا، واجبه الإنتاج ومكافأته الاستهلاك في حدود المعقول، وما يُحرك الجميع هو مبدأ المنفعة المادية، فالمستهلك يبحث عن السلعة الضرورية التي تنفعه، والمنتج أيضا يبحث عما ينفع المستهلك لينتجه فيحقق أرباحا متزايدة.

ولذا فلابد من عملية قمع وتقشف، فلو حرَّكت اللذة البشر في هذه المرحلة لكانت كارثة، لأن المواطن سيستهلك أكثر مما ينتج، ولن يمكن ضبط إنتاج السلع وهذه هي مرحلة التقشف والتراكم الرأسمالي.

أما في مرحلة ما بعد الحداثة السائلة أي بعد عام 1965، فالهدف النهائي من الوجود في الكون هو الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك، وما يحرك المستهلك هو اللذة لأنه لو حرَّكته المنفعة لكانت كارثة لأنه لن يستهلك إلا ما يحتاج إليه، وبالتالي لن تتحرك آلات المصانع التي تنتج آلاف السلع غير الضرورية، ولن تزيد أرباح المنتجين ولن يتراكم رأس المال.

بل إن الاستهلاك بالنسبة للمستهلك واجب/حق. وبعد تحقيق التراكم الرأسمالي الإمبريالي بنسبة معقولة أصبح الاستهلاك (لا الإنتاج) واللذة (وليس المنفعة) هو هدف المجتمع، وأصبحت السعادة هي تحرر الاستهلاك من الحاجات المادية أو الأساسية التي يتطلب الوفاء بها السلع ذات القيمة الاستعمالية.

ولم يَعُد هدف المجتمع إشباع الحاجات وإنما تخليقها، ولم تَعُد الحاجة مصدر معاناة تحتاج إلى إشباع وإنما أصبحت على العكس من ذلك شيئاً يُحتَفى به. وهذه هي مرحلة الاستهلاك والتبديد.

ويتبدى الانتقال من مرحلة إلى أخرى في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فشهدت مرحلة الحداثة الصلبة ظهور القوميات العلمانية والدولة القومية المركزية المطلقة، ونشبت الثورة البورجوازية ضد الإقطاع، وانتصرت البورجوازية والطبقات المتوسطة وتبلور الصراع الطبقي، ثم نشبت الثورة البروليتارية ضد الرأسمالية.

ولكن مع تصاعد معدلات التدويل والاتصال الإلكتروني (بعد عام 1965) ضمرت الدولة القومية ومؤسساتها وظهرت مراكز قوى أخرى (نقابات -جماعات ضغط- وشركات ضخمة ومنظمات غير حكومية)، فالسلطة لم تَعُد مجموعة مؤسسات مركزية يمكن الاستيلاء عليها والتحكم فيها، فهي موزعة بين عدة مؤسسات متغلغلة في المجتمع.

"
بدأ التوجه الحاد نحو اللذة يقوض مركزية الدولة، إذ تصاعدت النزعات الفردية, ومن أهم التطورات تضخم (بل تغوُّل) قطاع صناعات اللذة، وهيمنته على الحياة الخاصة التي تم استيعابها في رقعة الحياة العامة
"
كما بدأ التوجه الحاد نحو اللذة يقوض مركزية الدولة، إذ تصاعدت النزعات الفردية. ومن أهم التطورات تضخم (بل تغوُّل) قطاع صناعات اللذة، وهيمنته على الحياة الخاصة التي تم استيعابها في رقعة الحياة العامة، وتزايد تأثير وسائل الإعلام ومنظومات المعلومات التي تحاصر الإنسان بالصور الجذابة المتغيرة، الخالية من المضمون والمعنى تقريبا، والتي تكاد تشير إلى ذاتها.

أما في مجال الفكر فقد شهدت مرحلة ما قبل عام 1965 بدايات المشروع التحديثي العقلاني المادي الذي يستند إلى الإيمان بأن العالم كيان متماسك، ورغم أنه كيان مادي فإنه يمكن أن نجرد منه رؤية كلية تتجاوز تشظي التفاصيل والمعطيات المادية، والعالم له هدف وغاية (التقدم المستمر وزيادة معدلات الاستهلاك) كل هذا يعني أن العالم له مركز يتسم بالثبات، ومن ثم تسود العقلانية في الإطار المادي.

وقد ظهرت من داخل هذه المنظومة ثنائية الإنسان والطبيعة حيث يشغل مركز الكون إما الإنسان المُتألَّه أو الطبيعة/المادة. ولكن ما حدث في واقع الأمر أن الإنسان الأبيض (وليس الإنسان ككل) ألَّه نفسه وأصبح مرجعية ذاته واحتل المركز، وقام بحوسلة الطبيعة وبقية البشر (أي تحويلها إلى وسيلة)، ومن ثم تحولت الرؤية المعرفية العلمانية إلى رؤية علمانية إمبريالية.

أما في مرحلة ما بعد عام 1965 فتهيمن قوانين التغير المادية، وتكتسب مركزية كاملة وحركية ذاتية مستقلة عن إرادة الإنسان بحيث تتجاوز أية نماذج عقلية وأية محاولات للتفسير والتنظير، فكل شيء يسقط في قبضة الصيرورة والتغير، وتختفي المنظومات الكلية، ومن ثم تزيد اللاعقلانية في الإطار المادي.

وقد انعكس هذا على المنظومات الأخلاقية ففي بداية مرحلة التحديث الصلبة، أي قبل عام 1965، تم توليد منظومات أخلاقية مادية (اشتراكية أو رأسمالية) يؤمن بها الإنسان الرأسمالي أو الاشتراكي إيمانا عميقا. ويشعر الإنسان من ثم بأنه قادر على التحكم في حياته ومصيره وعلى صياغة بيئته وذاته في ضوء المثل الأعلى الذي يؤمن به. ويتم ضبط الحياة من خلال التسامي على الرغبات (وكبتها أو قمعها) وإرجاء الإشباع واللذة.

ولكن بعد عام 1965 في مرحلة ما بعد الحداثة السائلة يلاحظ التزايد التدريجي للنسبية المعرفية والأخلاقية، فيصبح من المستحيل الإيمان بأية قيم، وهو ما يعني اختفاء النزعة النضالية وتلاشي النزعة الطوباوية وكل الأحلام المثالية (في المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي)، ويرفض الإنسان إرجاء إشباع اللذة الفردية.

ويتسارع تآكل الأسرة إلى أن تأخذ في الاختفاء تماما وتظهر أشكال بديلة من الأسرة. ونظرا لانفصال الجنس عن القيم الأخلاقية والاجتماعية، يصبح النشاط الجنسي مرجعية ذاته ويزداد السعار الجنسي.

"
في مرحلة ما بعد الحداثة السائلة (بعد عام 1965) تختفي الذات الإنسانية المستقلة الواعية وإن وُجدت فهي ذات منغلقة على نفسها وغير متماسكة وغير قادرة على التواصل مع الآخرين
"
وقد أصبحت اللذة إحدى الآليات التي يستخدمها المجتمع العلماني الحديث في استيعاب الجماهير في عمليات الضبط الاجتماعي بعد أن كان يبذل جهودا لمحاصرتها وإعلائها. وتتم عملية الاستيعاب والضبط لا من خلال القمع الصريح وإنما من خلال الإغواء، وهو شكل من أشكال القمع الخفي حيث تتم إشاعة الإحساس بأن حق الإنسان الأساسي (بل الوحيد) هو الاستهلاك، وبأن إشباع اللذة هو أقصى تعبير ممكن عن الحرية الفردية.

وهناك تبديات لهذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى في عالم الفن والمنظومات الجمالية، ففي مرحلة التحديث الصلبة (قبل عام 1965) يسود الإيمان بأن ثمة واقعا ثابتا مستقرا وذاتا متماسكة قادرة على التواصل مع الذوات الأخرى من خلال لغة عقلانية شفافة تعكس الواقع، ولها مضمون إنساني وأخلاقي وتهدف إلى تعميق إدراك الإنسان بواقعه وربما تغييره، وبأن وظيفة النقد الأدبي والفني هي اكتشاف القيم الأخلاقية والجمالية الإنسانية التي يمكن أن يهتدي بهديها المبدعون والجمهور. ويظهر الفن الواقعي والرومانسي والتجريب في إطار من القيم الجمالية.

أما في مرحلة ما بعد الحداثة السائلة (بعد عام 1965) تختفي الذات الإنسانية المستقلة الواعية وإن وُجدت فهي ذات منغلقة على نفسها وغير متماسكة وغير قادرة على التواصل مع الآخرين، فالواقع لا يوجد وإن وجد فلا يمكن الوصول إليه, فاللغة ليست موصلا جيدا كما يتصور دعاة التحديث. وتختفي المعيارية وإن وجدت فهي معايير متعددة تنفي فكرة المعيارية المركزية وهو ما يعني استحالة المحاكاة أو التفاعل أو التواصل.

ولذا يختفي الإيمان بما يسمى القصة الكبرى، أي الإنسانية المشتركة والإطار النظري الكُلي. وتظهر القصص الصغرى التي ليس لها شرعية خارج نطاقها أو حدودها، مما يعني أن لكل فرد رؤيته، يدور في نطاقها، ولا علاقة له برؤى الآخرين، وهم بدورهم لا علاقة لهم برؤيته.

ويصبح الفن (ما بعد الحداثي) مستقلا عن الواقع بل عن الإنسان، فهو بلا غاية إلا اللعب الذي لا غاية له، وهو يدخل في حالة من التجريب الدائم. وهو لا يحاكي الواقع (فلا يوجد واقع ثابت) ولا يعبر عن وعي المؤلف (فقد تم إعلان موته)، وتصبح مهمة النقد تفكيك النصوص ليبين التناقضات الكامنة فيها والتي لا يمكن حسمها.

والانتقال من مرحلة الحداثة الصلبة إلى ما بعد الحداثة السائلة يتبدى بشكل واضح في الصور المجازية والرموز. فقد ظهر عدد من الصور المجازية والرموز في مرحلة التحديث الصلبة تدل على التحكم في كل من الذات والموضوع، والمقدرة على التجاوز والصلابة. أما في مرحلة ما بعد الحداثة (أي بعد عام 1965) فقد ظهرت مجموعة من الصور والرموز التي تقف في معظمها على طرف النقيض من صور ورموز المرحلة السابق.

في مراحل الحداثة الصلبة (أي قبل عام 1965) يشار إلى الدولة باعتبارها إله يمشي على الأرض (كما قال هيغل) وهي تنين هوبز الذي يحقق الأمن للبشر ويقوم بترشيدهم. أما في مرحلة ما بعد الحداثة السائلة (أي بعد عام 1965) لم تعد الدولة مركز السلطة، فهي ليست سوى مؤسسة من بين مؤسسات أخرى عديدة.

"
أبطال مرحلة الحداثة الصلبة هم بروميثيوس وفاوستوس ونابليون وطرزان، أما في مرحلة الحداثة السائلة فهم مادونا وبريتني سبيرز ومايكل جاكسون والرئيس/ الممثل ريغان
"
والعالم في مرحلة الحداثة الصلبة مثل آلة يتحكم فيها الإنسان وتتحكم فيه، والعالم مثل نبات ينمو بشكل مستمر وبدون انقطاع أو بهدف محدد. أما في مرحلة ما بعد الحداثة فالعالم آلة، ولكن الآلة هي الفيديو والكمبيوتر، يتحكم فيها الإنسان، ولكنها تتحكم فيه وتبتلعه. والعالم مثل النبات، ولكن النبات هو الجذمور (ما يتبقى من الجذع بعد قطعه) الذي لا ينمو حسب نمط واضح وفي اتجاه مفهوم، والعالم كله لعبة.

وينظر للعقل في مرحلة الحداثة الصلبة باعتباره مرآة تعكس الواقع أو فانوس يلقي عليه الضوء أو نافورة تغمره مياهها. أما بعد 1965 فالعقل ليس مرآة ولا فانوسا ولا نافورة، وإنما هو كل شيء ولا شيء، مثل الكمبيوتر الذي يختزن كل شيء ولا يعي شيئا.

وأبطال مرحلة الحداثة الصلبة هم بروميثيوس وفاوستوس ونابليون وطرزان، ثم فرانكشتين ودراكيولا وسيزيف في أواخر المرحلة. أما في مرحلة الحداثة السائلة فهم مادونا وبريتني سبيرز ومايكل جاكسون والرئيس/الممثل ريغان وهي شخصيات تغير توجهاتها ومنظوماتها القيمية بعد إشعار قصير وحسب طلب مدير العلاقات العامة.

هذا لا يعني أن الصلابة انتهت تماما، وأن السيولة اكتسحت كل شيء. فالصلابة لا تزال لها وجود متمثل في غزو أفغانستان والعراق، وفي وقوف دول الاتحاد الأوروبي ضد المقاومة الفلسطينية، وفي سياسات البنك الدولي.

ومع هذا يظل نموذجنا التحليلي قادرا على تفسير تطور الحداثة الغربية، خاصة كثير من جوانبها التي ظهرت في أواخر الستينيات وتبلورت عبر العقود الماضية، والتي أثرت فينا، بل واخترقتنا، دون أن ندرك تضميناتها. والله أعلم.
ــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة