سعد محيو

- أولا: النفط
- ثانياً: الإستراتيجيات العليا

- ثالثا: العولمة
- طائف عراقي

سؤالان بارزان قفزا إلى الواجهة فور انتهاء الانتخابات العراقية، تمحور كلاها حول التوجهات الأميركية المقبلة في بلاد ما بين النهرين، أولهما كيف يمكن أن تؤّثر هذه الانتخابات على الجدل الداخلي الأميركي حول "إستراتيجية الخروج" من المستنقع العراقي؟

أما الثاني، وهو الأهم، فما الاعتبارات الإستراتيجية الحقيقة التي ستملي على البيت الأبيض، سواء أكان جمهورياً أو ديمقراطيا، توجهاته على المديين القريب والمتوسط في بلاد العباسيين؟

"
ثمة اعتبارات أخرى تتجاوز الانقسامات الحزبية الأميركية وتدفع النخبة الحاكمة إلى رفض القيام بانسحاب من العراق على النمط الفيتنامي الذي حدث العام 1975هذه الاعتبارات هي النفط والإستراتيجيات العليا والعولمة
"
بالنسبة للسؤال الأول، دلّ الاستطلاع الذي أجرته واشنطن بوست وشبكة آي بي. سي بعد الانتخابات -وأيضاً بعد الخطب الخمس التي أدلى بها بوش للدفاع عن حربه العراقية- على تحسّن مواقع هذا الأخير.

فقد ارتفعت نسبة تأييده من الحضيض الذي وصلته مؤخراً 39% إلى 47% دفعة واحدة، وأعرب المواطنون الأميركيون عن اعتقادهم بأن النسبة العالية لمشاركة العراقيين في الانتخابات، أعادت إليهم الثقة بصحة معالجة بوش لمسألة الأمن القومي.

هذا التطور عزز إلى حد كبير الفوضى العارمة التي يعيشها الحزب الديمقراطي الأميركي حيال أزمة العراق، والتي تمنعه من ممارسة "لعبة الحصيلة صفر" مع الجمهوريين، حيث الخسائر الصافية لهؤلاء الأخيرين كان يجب أن تكون أرباحاً صافية له.

الأسباب المعلنة لهذه الفوضى معروفة، منها عدم رغبة الديمقراطيين في تعزيز الاتهامات الجمهورية لهم التي يصّدقها الرأي العام بأنهم ضعفاء مترددون ويميلون إلى الهرب أمام تحديات الأمن القومي.

النموذج الفاقع لهذا المأزق الديمقراطي كان هيلاري كلينتون، المرشحة الأبرز حتى الآن لخوض معركة الرئاسة، فهي حرصت على أن تضع نفسها في منزلة بين المنزلتين بين الليبراليين المطالبين بانسحاب فوري وبين الواقعيين الذين يؤيدون توجهات بوش.

ويفسّر الكاتب الأميركي دان بالز موقف هيلاري هذا بالقول "إنها تراهن على أن موقفها الوسطي، سيعزز مواقعها في الانتخابات العامة المقبلة، وسيحميها من انتقادات الحزب الجمهوري لحزبها بأنه لينّ حيال الدفاع".

قبل هيلاري، كان زعيم بارز ديمقراطي آخر هو جوزف بيدن جونيور، العضو في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، يعلن أن المصالح الأمنية الأميركية ستتضرر إذا ما أدت الانسحابات الأميركية إلى فوضى في العراق، وقد تبنى عملياً معظم بنود إستراتيجية بوش العراقية.

وقبل هيلاري وبيدن معاً، كان مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في لندن ينشر تقييماً إستراتيجياً، يستنتج فيه أن أية إدارة أميركية جديدة تخلف بوش -بما في ذلك إدارة ديمقراطية- ستكون مضطرة للاحتفاظ بنسبة كبيرة من القوات الأميركية في العراق.

ماذا تعني هذه المعطيات؟ إنها تعني -ببساطة- أن ثمة اعتبارات أخرى تتجاوز الانقسامات الحزبية الأميركية، وتدفع النخبة الحاكمة إلى رفض القيام بانسحاب من العراق على النمط الفيتنامي الذي حدث العام 1975.

هذه الاعتبارات تتلخّص في ثلاث: النفط والإستراتيجيات العليا والعولمة.

"
الطلب على النفط يتزايد بوتيرة كبرى خاصة من جانب الصين والهند الصاعدتين، فيما يتقلص الاحتياطي والقدرات الإنتاجية
"
أولا: النفط
خلال الشهور الستة الأخيرة، صدرت ثلاثة كتب تتقاطع كلها عند نقطة واحدة هي أن الوفرة النفطية العالمية انتهت أو تكاد، وأن الندرة النفطية العالمية بدأت أو تكاد. وعما قريب ستندلع حروب موارد جديدة قد لا يكون لها سابق في التاريخ.

الكتاب الأول لديفيد غودشتاين، البروفسور في مؤسسة كاليفورنيا للتكنولوجيا وهو بعنوان "نفاد الغاز" وهو علمي-تقني، يسند افتراضاته إلى نظرية الجيولوجي الأميركي الشهير م. كينغ هابرت الذي تنبأ العام 1965 بأن معدلات استخراج النفط من الولايات الأميركية الـ 48 ستصل إلى ذروتها العام 1970 ثم تبدأ انحدارها السريع.

وقد عرّف هذه الذروة بأنها تعني الوصول إلى استهلاك نصف احتياطي النفط، ونبوءة هابرت هذه صدقت.

فاستخراج النفط الأميركي وصل إلى ذروة بلغت تسعة ملايين برميل يومياً العام 1970، وهو يهبط منذ ذلك الحين حيث بلغ اليوم أقل من ستة ملايين برميل.

وقد طبق غودشتاين معادلات هابرت وحساباته على النفط العالمي، فاستنتج أنه من أصل تريليونين برميل المخزونة في جوف الأرض، وصل استهلاك البشر الآن إلى النصف، وبالتالي باتت معادلة هابرت حول الذروة-الانحدار على قاب قوسين أو أدنى.

الكتاب الثاني لبول روبرتس وهو بعنوان "نهاية النفط" يركّز على الجوانب الإستراتيجية والدولية لأزمة الطاقة، ويرى أن الطلب على النفط يتزايد بوتيرة كبرى، خاصة من جانب الصين والهند الصاعدتين، فيما يتقلص الاحتياطي والقدرات الإنتاجية.

هذا التطور يعطينا، برأيه، فكرة واضحة عن أسباب حرب العراق، فقبل الغزو كان العراق ينتج 3،5 ملايين برميل يومياً، وبوش اعتقد أن هذا الرقم سيتضاعف قبل نهاية 2010.

وإذا ما كان بالإمكان إقناع العراق الجديد بتجاهل كوتا أوبك وإنتاج أقصى طاقته، فإن دفق النفط الإضافي يمكن أن ينهي سيطرة أوبك على التسعير.

ثم إنه إذا ما نجحت أميركا في تفكيك أوبك، وبسبب كونها متقدمة لمدة عقد عن كل العالم في مجال التكنولوجيا العسكرية، فهذا سيضمن لها التفوق العالمي لمدة قرن أو أكثر.

الكتاب الأخير لمايكل كلير ويحمل عنوان "الحروب على الموارد" وفيه تركيز على أن حروب الطاقة مندلعة بالفعل منذ نهاية الحرب الباردة عام 1989 بسبب الزيادة الكبيرة في طلب النفط.

وتشارك في هذه الحروب -إلى جانب أميركا- الصين واليابان والهند وأوروبا وروسيا، هذا في وقت تشير فيه آخر الدراسات إلى أن الأرض خسرت نحو ثلث ثرواتها الطبيعة المتاحة (خاصة الماء والنفط) في فترة قصيرة للغاية من 1970 إلى 1995، أي أكثر ما خسرته في أية فترة أخرى في التاريخ.

ثانياً: الإستراتيجيات العليا
حروب الموارد هذه تعني شيئاً واحداً: من يسيطر على النفط، يركّز السلطة والقوة الاقتصادية بيده. وبالنسبة لأميركا، هذه السيطرة جزء أيضاً من رؤية جيو–إستراتيجية أوسع هدفها التحكم بقارة أوراسيا قلب العالم.

أبرز المحللين الذين تطرقوا إلى هذه النقطة كان سمير أمين، في إطار نظريته "الإمبريالية الجماعية"، فهو يرى أن مشروع بوش لإحكام السيطرة على أوراسيا، من خلال السيطرة على نفط الشرق الأوسط، "لم ينبثق من بنات أفكاره لتطبقه عصبة من المحافظين الجدد المتطرفين، بل هو مشروع الطبقة الحاكمة الأميركية منذ عام 1945".

ويضيف "لقد فهمت المؤسسة الأميركية جيداً أن سعيها للهيمنة يستند إلى ثلاثة عناصر تفوّق على منافسيها الأوروبيين واليابانيين، في طليعتها السيطرة على الموارد الطبيعية للكوكب، والاحتكار العسكري، وهيمنة الثقافة الأميركية".

"
إذا فشلت دولة ما في الانضمام إلى العولمة أو رفضت الكثير من تدفقاتها الثقافية، فإنها ستجد القوات الأميركية في النهاية على أراضيها
"
ثالثا: العولمة
العامل الأخير الذي يدفع النخب الأميركية إلى التوحد حيال العراق هو ظاهرة العولمة.

ورغم أن هذا العامل لم يستوف بعد حقه من الدراسات المستفيضة، بصفته أحد المحركات الرئيسة للسياسة الخارجية الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، فإنه بدأ يطل برأسه بشكل متزايد مع انغماس أصحاب القرار الأميركيين في بحث كيفية التعاطي مع "الدول الفاشلة" في العالم، والتي يعرفونها بأنها تلك التي تعجز عن تحقيق الأمن لشعوبها فتشكّل، بالتالي، مرتعاً للإرهاب.

بيد أن الباحث الأميركي توماس بارنيت، أبرز محلل إستراتيجي في البنتاغون، نشر مؤخراً دراسة بعنوان "خريطة البنتاغون الجديدة: الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين"، أوضح فيها مدى الارتباط الكبير بين مفهوم "الدولة الفاشلة" ومفهوم العولمة، عبر تمييزه بين نوعين من الدول: الفاعلة وغير الفاعلة.

فأي دولة أو منطقة تكون فاعلة، برأيه، حين تدمج ما هو قومي بما هو اقتصاد عالمي (الأفكار والمال والإعلام)، وحين تسعى إلى تنسيق "قواعد حكمها الداخلي" مع الحكم العالمي الصاعد مثلا عبر الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

ومن خلال مسحه لنحو 140 عملية عسكرية أميركية في فترة التسعينات، أكتشف بارنيت أن القوات الأميركية ذهبت بالتحديد إلى الدول الواقعة خارج مركز العولمة التي يسميها "الفجوة غير المندمجة"، وهي: حوض الكاريبي وأفريقيا والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا والكثير من جنوب شرق آسيا.

ويرى المؤلف أن 11 سبتمبر/أيلول كان هبة من السماء رغم قسوته، إذ كان دعوة من التاريخ لأميركا كي تبدأ في فرض قواعد جديدة للعالم. العدو في العالم الجديد ليس الإسلام ولا الجغرافيا أو التاريخ، بل عدم الارتباط بالعولمة الذي يعني العزلة والحرمان والقمع، وهذه كلها علامات خطر.

وبالتالي، إذا فشلت دولة ما في الانضمام إلى العولمة، أو رفضت الكثير من تدفقاتها الثقافية، فإنها ستجد  القوات الأميركية في النهاية على أراضيها.

"
هناك إجماع أميركي على استحالة التخلي عن ثاني احتياطي في العالم، كما أن ثمة إجماعا آخر على بلورة إستراتيجية خروج توفّر إمكانية استمرارية السيطرة الأميركية على هذا الاحتياطي
"
طائف عراقي
النفط والإستراتيجيات العليا والعولمة، كل هذه إذاً عوامل تلعب أدوارا بارزة في تكييف إطلالة النخب الأميركية على أزمة العراق، طبعاً في اتجاه رفض "القطع والهرب"، بيد أن رفض الهرب لن يعني بالضرورة الإبقاء على الوضع الراهن.

فكما أن هناك إجماعاً أميركياً على استحالة التخلي عن ثاني احتياطي في العالم، ثمة إجماع آخر على بلورة إستراتيجية خروج توفّر إمكانية استمرارية السيطرة الأميركية على هذا الاحتياطي.

كتب هنري كيسينجر في واشنطن بوست بتاريخ 18 ديسمبر/كانون الأول يقول "على الأميركيين أن يقبلوا الحقيقة بأنهم لن يستطيعوا أبداً تحقيق انسحاب سياسي كامل من العراق، رغم أن حجم وأمكنة الوجود العسكري الأميركي فيه ستتباين. كما يجب منح الأطراف الدولية والإقليمية حصة في الترتيبات الجديدة، لا حباً بالتعددية الدولية، بل لأنه ليس في وسع أميركا العمل بمفردها كشرطي دائم".

لكن، هل ستقبل إدارة بوش المحافظة والمغامرة بمثل هذه الترتيبات؟ الأرجح أنها لن تقبل عن طيب خاطر، خاصة بعد الارتفاع المفاجئ في شعبية بوش على إثر الانتخابات العراقية.

وهي بالتالي، ستبذل خلال الأشهر المقبلة جهوداً مكثفة لمحاولة إنجاح مشروعها الراهن، عبر محاولة شق المقاومة العراقية، وإحداث تغييرات إقليمية، خاصة في سوريا، لسد خطوط تموين المقاومين، وزيادة وتائر تدريب القوات العراقية.

بيد أن كل هذه الجهود لن تنجح، كما أكدت نيويورك تايمز نقلاً عن كبار العسكريين الأميركيين الذين توقعوا مسيرة عنف وعدم استقرار طويلة في العراق.

وحينها، ستكون واشنطن مجبرة على فتح أبواب اتفاق دولي-إقليمي جديد للعراق شبيه باتفاق الطائف اللبناني عام 1989، بشرط أن لا يؤثر ذلك على جوهر إستراتيجياتها العالمية. فمتى سيحدث ذلك؟ ليس قريباً. وحتماً ليس خلال العام الجديد 2006.
__________________
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة