ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني




















في استعادة غير محمودة للاستغلال الفني لظاهرة "العنف الإسلامي" كما قدمته السينما المصرية خلال الثمانينات والتسعينات، إلى جانب "الحرب الفنية" على ظاهرة شركات توظيف الأموال التي طالت "الاعتدال الإسلامي" تالياً، يبدو أن ثمة استغلالا مماثلا هذه الأيام للظاهرة الجهادية في طبعتها "الأفغانية" وطبعتها "القاعدية"، نسبة إلى القاعدة. 

وليس هذا من قبل منتجي المسلسلات التلفزيونية فحسب، وإنما من قبل منتجي الوثائقيات أيضاً من العرب والأجانب، و"السوق عايزة كده وليس الجمهور" كما يقال، لأن استحقاقات اللعبة هنا تتعلق بالاستغلال التجاري في وقت تطلب فيه الأنظمة والولايات المتحدة ودول أخرى بضاعة تشوه فكرة الجهاد والمقاومة في الإسلام، فيما تستهدف ظاهرة العمل الاستشهادي على وجه الخصوص.

ولأن المطلوب في جوهره لا يتعلق باستهداف الشق العنيف "الأعمى" من ظاهرة العنف الإسلامي، أي ذلك الذي يستهدف الأبرياء غير المحاربين في أي مكان كانوا، بل يتعلق باستهداف ظاهرة المقاومة الإسلامية برمتها، وعلى رأسها الفعل الاستشهادي الذي يتميز بكسره لموازين القوى ووضع الطرف الآخر في حالة من الحيرة وعدم القدرة على المواجهة المقنعة.. لأن هذا هو جوهر المطلوب فإن الدراما أو الوثائقيات التي تعالج الظاهرة غالبا ما تنتمي إلى لغة الفجاجة والخطب الإنسانية الباهتة أكثر من انتمائها إلى المعالجة الفنية المقنعة.

في هذا السياق تابعنا خلال شهر رمضان مسلسلين يعالجان الظاهرة التي نحن بصددها، أحدهما هو "الحور العين" للمخرج السوري المعروف نجدة أنزور، والثاني هو "الطريق الوعر" لمخرج تونسي اسمه شوقي الماجري. وكان الأول من إنتاج شركة أنزور، ويبدو أنه قد أنتج بطلب من الفضائية التي تبثه حصرياً "أم.بي.سي". أما الثاني فقد أنتج لحساب تلفزيون أبو ظبي من قبل مؤسسة أردنية ومن خلال ممثلين أردنيين وسوريين وباللغة الفصحى.

"
الدراما أو الوثائقيات التي تعالج ظاهرة العنف غالبا ما تنتمي إلى لغة الفجاجة والخطب الإنسانية الباهتة أكثر من انتمائها إلى المعالجة الفنية المقنعة
"
من الواضح أن ما عرض على المخرج السوري المعروف نجدت أنزور كان مجزياً إلى حد لا يقاوم (قيل إن قيمة المسلسل أو كلفته بلغت 1.5 مليون دولار)، فكان أن وافق على إنتاج وإخراج عمل من هذا النوع لم يقدم لنا تبريرا لأهميته في حديث لأحد مراسلي الجزيرة، غير أنه وسواه من الناس باتوا يدفعون ثمن أخطاء تيار العنف باسم الإسلام، وأنه يبرز الجانب الإنساني لضحايا الإرهاب.

منذ البدء يوفر لنا اسم المسلسل والفضائية التي تعرضه حصريا، إلى جانب أجواء العمل بشكل عام ما يكفي من قناعة بطبيعة المعالجة، والمكتوب يقرأ من عنوانه كما يقال، وقد تكرر هذا بالنسبة إلينا في فيلم "الجنة الآن" للمخرج الفلسطيني (الإسرائيلي) هاني أسعد حول الاستشهاديين والذي وجدناه تابعا للرؤية الغربية التي تشوه المقاومة الإسلامية وتركز على أن الاستشهاديين ليسوا أصحاب قضية وإنما محض أناس يريدون الذهاب إلى الجنة بأي ثمن وبأية وسيلة. وها هو يتكرر أيضاً في مسلسل "الطريق الوعر" الذي لم يتورع منذ حلقته الأولى عن الربط المباشر بين استشهاديي حماس ومجموعات العنف الداخلي (ظهر موقع المركز الفلسطيني للإعلام التابع لحماس)، مع أن معالجة أنماط التفكير والفعل لدى هذه المجموعات بدت سطحية بل ومشوهة هي الأخرى.

من خلال معالجة إنسانية -بدت مملة إلى حد كبير بسبب جوهر موضوع المسلسل كما ينتظره المشاهد- لواقع مجموعة من الأسر العربية التي تعيش في مجمع سكني يستهدف من قبل إحدى مجموعات العنف، يتم التعرض لقضية العنف أو الإرهاب، فيما بشرنا اسم الشخص المشرف على الأبعاد الدينية في المسلسل بطبيعة المعالجة الخاطئة نظراً لمواقفه المسبقة التي تتبدى في العديد من مقالاته.

كلام طويل ولقاءات مملة لأسر تسكن مجمعاً تجارياً في الرياض (مجمع المحيا الذي استهدف من قبل مجموعة من الشبان السعوديين عام 2003)، وهي من الأردن وسوريا ولبنان ومصر والمغرب وحراس من السودان، فيما لا يبدو المشهد السعودي حاضرا إلا من خلال المسجد والدروس والشبان الذين سيقترفون العملية الإرهابية ممثلة في الهجوم على المجمع وتدمير حياة أسره السعيدة أو الشقية أو البين بين.

"
لم نكن نتمنى أن يتورط صاحب المسلسلات المهمة الكثيرة المبدع نجدة أنزور في إخراج مسلسل من هذا النوع السطحي، لكنها الأبعاد التجارية التي تورط الكثيرين في بضاعة لا يقتنعون بها بالضرورة
"
في معظم حلقات المسلسل ثمة إطلالة ما على مجتمع المغتربين في السعودية، وهي إطلالة كان يمكن أن تشكل دراما اجتماعية مقبولة على نحو ما، لولا أن ما ينتظره المشاهد هو دراما تعالج مشكلة الإرهاب، ولا حاجة تبعا لذلك إلى كل تلك الساعات الطويلة كي نتفاعل مع تلك الأسر ونتعاطف معها حين تقع ضحية ذلك الإرهاب، مع أنه إرهاب لم يكن يستهدفها من الأصل، حتى لو صح أنها أو أمثالها قد وقعت ضحيته من دون قصد.

لم نكن نتمنى أن يتورط صاحب المسلسلات المهمة الكثيرة المبدع نجدة أنزور، في إخراج مسلسل من هذا النوع السطحي، لكنها الأبعاد التجارية التي تورط الكثيرين في بضاعة لا يقتنعون بها بالضرورة، وهنا غالباً ما تكون الفكرة أو الرسالة جاهزة ثم يجري ترتيب الشخصيات والأحداث من أجل خدمتها لا أكثر ولا أقل.

في مسلسل "الطريق الوعر" ثمة فجاجة أكثر وضوحاً، فهنا وربما كردة فعل على وقف عرض مسلسل "الطريق إلى كابل"، يتم إنتاج مسلسل يعالج دور العائدين من أفغانستان في سياق العنف المحلي الذي يصعب تصديقه، فيما لا نعثر ها هنا على اسم مدينة ولا اسم تنظيم، إذ إن الدولة مفترضة يمكن أن تكون أي دولة عربية أو حتى إسلامية، وللمفارقة فقد جرى وضع العائدين من أفغانستان أيضاً في سياق تفجير المحيا في "الحور العين" ومعهم "أبو محمد المقدسي" الذي لم يقل يوماً إنه يشجع على العنف بهذه الطريقة أو أنه يدعو إلى قتل الأبرياء غير المحاربين، من دون أن يعني ذلك دفاعاً عن أفكاره المكفرة للأنظمة.

وكما أن أحدا لا يمكنه إقناع المشاهد بأن من استهدفوا المجمع السكني في الرياض كانوا يستهدفون الأسر التي يعرضها المسلسل، وإلا لذهبوا إلى أي مجمع عادي ليس عليه حراسة، وليس إلى مجمع محروس بعناية تبعا لوجود أجانب بداخله، فإن ذلك يتكرر أيضاً في الطريق الوعر، إذ لا يقنعنا المسلسل بأن أولئك "المجاهدين" المتجهمين القساة كانوا يستهدفون حافلة للأطفال أو صحفياً يكتب ضدهم أو زميلا لهم ترك خطهم أو اعترف عليهم، أو حتى مجمعاً تجارياً يرتاده أناس أبرياء!!

هكذا نجد أنفسنا في المسلسلين، ليس أمام موقف سلبي ومبالغ في التسطيح و"الشيطنة" لظاهرة العنف الأعمى وروادها فحسب، وإنما أمام موقف سلبي أيضا -وإن على نحو غير مباشر- من ظاهرة المقاومة والجهاد والاستشهاد برمتها، إذ ليس ثمة ما يشير إلى احترام للمقاومة في فلسطين أو العراق على سبيل المثال، اللهم إلا عبارات أو حوارات هنا وهناك لا تغير من روحية النص والعمل برمته، وقد أشرنا من قبل إلى ذلك الربط بين استشهاديي حماس في فلسطين ومجموعات العنف في "الطريق الوعر".

في الخلفية المتعلقة بمسلسل "الحور العين" على سبيل المثال، سنجد أن المجموعة الإعلامية التي تنتمي إليها الفضائية التي تعرضه هي من بالغ حد الإسفاف في استضافة أشخاص يحملون شارة العلم الشرعي من المملكة العربية السعودية وسواها (التيار العبيكاني)، من أولئك الذي يحرمون العمليات الاستشهادية بصرف النظر عن وجهتها، ويدعون إلى طاعة ولي الأمر الذي نصبه الأميركان في العراق، والنتيجة هي تحريم المقاومة في فلسطين والعراق، وليس العنف الموجه ضد الأبرياء غير المحاربين أو ضد الأنظمة الحاكمة أو المستأمنين في الدول العربية والإسلامية، وقد تكرر ذلك في بعض حلقات مسلسل "طاش ما طاش" الذي تعرضه ذات المحطة.

"
في سياق الحديث عن مسلسل "الحور العين" ومثله مسلسل "الطريق الوعر" نجد أننا إزاء معالجة خاطئة لظاهرة الجهاد برمتها، حيث يجري حشرها في الإطار الأخروي المجرد بعيدا عن الوسائل والأسباب والغايات والأهداف
"
نذكّر هاهنا بموقفنا الرافض لتجليات اللون الثاني من العنف، لكننا لن نتوقف بالمقابل عن مواصلة التأكيد على تأييدنا للمقاومة المشروعة في فلسطين والعراق وأفغانستان.

أما الأهم من ذلك في سياق الحديث عن مسلسل "الحور العين" ومثله مسلسل "الطريق الوعر"، فهو أننا إزاء معالجة خاطئة لظاهرة الجهاد برمتها، حيث يجري حشرها في الإطار الأخروي المجرد بعيدا عن الوسائل والأسباب والغايات والأهداف. لكأن هؤلاء الذين ساروا في هذا الاتجاه لم يكونوا سوى باحثين عن طريقة للوصول إلى الجنة بأية وسيلة، أو لكأن الحور العين لا تتوفر للمسلم في الجنة إلا إذا قتل في ميدان القتال أو فجر نفسه في الأعداء بحسب فهمه.

ربما يجهل كثير من أولئك القوم -أو يتجاهلون- أن الحور العين هي وعد من الله عز وجل للمؤمنين في الجنة بصرف النظر عما إذا كانوا شهداء أم صالحين فاعلين في خدمة دينهم وأمتهم، وما ورد في تمييز الشهداء هو في سياق ترغيب المؤمنين في الجهاد في سبيل الله، وإلا فما هو تفسير الاستشهاديات في فلسطين مثلاً، وأين الحور العين هنا، هل سيذهب أولئك الأشقياء نحو الفضاء المعاكس؟!

في وعي هؤلاء وأولئك وفي أقوالهم ونصوصهم ومعالجاتهم ليس ثمة فضاء سياسي ولا ظروف موضوعية تنتج العنف أو تسبب المقاومة، وكل ما هنالك أننا إزاء أشخاص مهووسين بالموت والركض خلف الحور العين، وهذا هو بالضبط خطاب المحافظين الجدد والصهاينة في الولايات المتحدة والدولة العبرية، فالإسلام أو النص الإسلامي هو أصل الكارثة، وليس الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان أو الاحتلال الصهيوني لفلسطين أو الإذلال الذي تتعرض له الأمة ودينها من قبل السياسات الاستعمارية الغربية (وردت إشارة مشكورة!! إلى الغضب مما يجري في فلسطين كمقدمة لاستقطاب الشاب السعودي نحو مجموعة العنف، إضافة إلى إشارات مشابهة تفرق بين العنف الأعمى والمقاومة المشروعة).

إنها رؤية أو معالجة تمنح صك البراءة للقتلة والظالمين والمستكبرين فيما توجه الإدانة كل الإدانة للإسلام كدين، ومع ذلك يراد لنا أن نصدق أننا إزاء معالجة موضوعية لظاهرة العنف.. ساء ما يحكمون.

"
إننا إزاء دراما وأفلام وثائقية لها مواقفها المسبقة من الظاهرة الإسلامية بشكل عام، كما أن لها رؤيتها الخاصة الجاهزة لملف العنف بتجلياته المختلفة، وهو يشبه جرجرة كاتب الرواية لشخوصه نحو نهايات جاهزة
"
نعود إلى القول إننا إزاء دراما وأفلام وثائقية لها مواقفها المسبقة من الظاهرة الإسلامية بشكل عام، كما أن لها رؤيتها الخاصة الجاهزة لملف العنف بتجلياته المختلفة، وهو يشبه جرجرة كاتب الرواية لشخوصه نحو نهايات جاهزة بعيدا عن التسلسل المنطقي المقنع للأحداث، الأمر الذي يسقط هذه الأعمال في فخ الدعائية البائسة، وهي هنا للمفارقة دعاية تنتمي إلى البضاعة الأميركية المكروهة في بلادنا.

لو كان منطق الترشيد لظاهرة العنف أو استهداف الجانب الأعمى منه هو المطلوب لكان بوسع أمثال نجدة أنزور أو أي أحد آخر من المبدعين، أن يقدم شيئا معقولا على هذا الصعيد، أما السقوط في مستنقع الفجاجة على النحو الذي تابعناه هنا وهناك فلن يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، وسيكون فشل هذه الأعمال مشابهاً لفشل أمثال الحرة وسوا في استقطاب الناس والتأثير فيهم، بل ربما أثارت بضاعتها ردود فعل أكثر سلبية.

ما ينبغي أن يقال على هذا الصعيد هو أن المشاهد العربي ليس بتلك السطحية التي يعتقدها البعض فهو مسيّس بطبعه، فضلاً عن أن الفضائيات قد وفرت له الكثير من المعرفة بالأشياء، وهؤلاء الذين يستهدفون بالنصوص والأفلام والهجاء لهم حضورهم أيضاً في الفضائيات وعلى شبكة الإنترنت، وبوسعهم أن يقدموا بضاعتهم ويدافعوا عنها، وهو وضع لم يتوفر بالمناسبة للقوى الإسلامية المصرية التي استهدفت بالأعمال الفنية خلال الثمانينات والتسعينات، الأمر الذي سهل لعبة تشويهها، في ذات الوقت الذي لم يكن فيه مسارها السياسي مقنعاً إلى حد كبير.

"الحور العين" و"الطريق الوعر" لم يكونا أفضل من "الطريق إلى كابل"، مع مفارقة أن الأردني جمال أبو حمدان الذي كتب "الطريق الوعر" هو ذاته كاتب "الطريق إلى كابل، وكان حريا به أن يكتب نصا أكثر توازنا، لكن ما يبدو هو أن معادلة كتابة السيناريو ما زالت تنتمي إلى معادلة "من يدفع للزمار يطلب اللحن الذي يريد"، بدليل أن ذات الكاتب قد قدم نصا راقيا في مسلسل "المرابطون" الذي عرض أيضاً خلال شهر رمضان!!
ــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك