عبد الوهاب المسيري

عبد الوهاب المسيري

الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، مفكر عربي إسلامي


عرفت الحداثة بأنها "تبني العلم والتكنولوجيا والعقل كآليات وحيدة للتعامل مع الواقع". وكما أبين دائما فإن هذا التعريف يهمل البعد المعرفي، الكلي والنهائي، والذي يتبدى في صورة الإنسان الكامنة في هذا التعريف.

ولذا لسد هذه الثغرة نقول إن "الحداثة هي تبني العلم والتكنولوجيا والعقل المنفصلين عن القيمة (value-free) كآليات وحيدة للتعامل مع الواقع". وقد هيمن نموذج الحداثة المنفصلة عن القيمة على كل مجالات الحياة المهم منها وغير المهم، المركزي منها والهامشي، وأحكم قبضته وأصبح هو أساس الخريطة الإدراكية للإنسان الغربي الحديث، وكثير من شعوب العالم الثالث، خاصة نخبها الحاكمة.

وصورة الإنسان الكامنة في الحداثة المنفصلة عن القيمة هو الفرد صاحب السيادة الكاملة، مرجعية ذاته، والهدف من الوجود بالنسبة له تحقيق النفع الشخصي وتعظيم المتعة وزيادة اللذة. فهو إما إنسان اقتصادي أو إنسان جسماني أو خليط منهما، وهو في جميع الأحوال إنسان طبيعي/مادي لا علاقة له بالخير أو بالشر أو بأي قيمة تقع خارج نطاق الحواس الخمس.

"
صورة الإنسان الكامنة في الحداثة المنفصلة عن القيمة هو الفرد صاحب السيادة الكاملة، مرجعية ذاته، والهدف من الوجود بالنسبة له تحقيق النفع الشخصي وتعظيم المتعة وزيادة اللذة. فهو إما إنسان اقتصادي أو إنسان جسماني أو خليط منهما
"
وقد عبرت الحداثة المنفصلة عن القيمة عن نفسها في عدة مجالات من أهمها مجال الأخلاق، فالأخلاق إن هي إلا ما يجرده العلم الطبيعي من تجاربنا الحسية أو المادية، والقول بوجود شيء يسمى الأخلاق خارج هذه التجارب هو من قبيل التخريف.

فالخير والشر ليسا وصفا لمقولات مطلقة أو شبه مطلقة متجاوزة للدوافع المادية للبشر، وإنما هما وصف لسلوك بعض الناس واستجابتهم الفردية الخاصة لتجارب مختلفة خاصة بهم. وما هو خير هو ما اتفقت الجماعة على تصنيفه كذلك، والشر لا يختلف عن الخير في هذا. فالأخلاق مسألة اتفاق شائع وعرف سائد. ويشيع الإيمان بأن كل القيم الأخلاقية نسبية، ولذا، فهي خاضعة تماما للتفاوض.

ولكن مع هذا تظهر المنظومة الداروينية باعتبارها المنظومة الأخلاقية الوحيدة الممكنة "الواقعية". ومن ثمَّ، يتراجع التراحم بين أعضاء الجماعة كقوة محركة للمجتمع الإنساني، ويحل محله التنافس والصراع بين الأفراد، فحرية المنافسة هي الوضع الطبيعي للإنسان الطبيعي، والمنافسة تؤدي إلى الكفاءة وتعظيم الإنتاج واستئصال من ليس كفؤا من خلال عملية (مادية) طبيعية.

ويصبح حب الذات الدافع الأكبر الذي يعبر عن نفسه في شكلين متناقضين: الأخلاقيات النيتشوية للأقوياء المنتصرين، حيث تصبح إرادة القوة (الداروينية–النيتشوية) القيمة الأخلاقية المطلقة، فهي تعبير عن أن الكائن أصبح مرجعية ذاته، وأن أخلاقياته كامنة فيه، نابعة منه، عائدة عليه (هو) بالمنفعة أو اللذة أو البقاء، فهو الذي يفرض الأمر الواقع الذي يخدم صالحه. (ولذا يمكن تسمية الحداثة المنفصلة عن القيمة بأنها الحداثة الداروينية).

أما بالنسبة للضعفاء المهزومين فأخلاقيات التكيف البرجماتية من نصيبهم، فهم أيضا يبحثون عن البقاء، ولا يمكنهم تحقيقه (بعد هزيمتهم) إلا من خلال التكيف البرجماتي والإذعان للأمر الواقع، فهذا الإذعان هو الذي يحقق صالحهم.

وإذا ما نظرنا للوظائف والحرف والمهن، سنلاحظ أنها تتمايز وتنفصل الواحدة عن الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى تزايد تخصص الوظيفة وعدم تشابكها مع نشاطات أخرى.

ثم تتحرك الوظائف حسب قوانينها الداخلية والذاتية الكامنة فيها، فتصبح مرجعية ذاتها منفصلة عن أية قيم متجاوزة. وتظهر شخصية البيروقراطي الذي يلتزم بأداء وظيفته بحياد شديد دون تساؤل عن المضمون الأخلاقي لفعله أو عن الهدف الإنساني منه. (أثناء محاكمة أيخمان في إسرائيل، كان هذا هو خط الدفاع، إذ قال إنه مجرد موظف تصدر له أوامر فيقوم بتنفيذها دون أن يخضعها لأي تقييم أخلاقي أو إنساني).

وبسبب تحييد مضمون الوظيفة الأخلاقي، وتقبُّل هذا الحياد، واستعداد أعداد أكبر من أعضاء المجتمع لأن يتحولوا إلى مادة وظيفية وعدم اعتراضهم على أن يوظفوا جسدهم وحياتهم بأسرها لتحقيق طموحاتهم، تصبح بعض الوظائف (التي كانت مشينة وهامشية في كثير من المجتمعات) مقبولة، بل مرغوبة ومركزية.

كما أن بعض الوظائف التي كانت توضع في قمة الهرم الوظيفي، بسبب مضمونها المثالي ومرجعيتها الأخلاقية، تفقد مكانتها وتُهمَّش بسبب انفصال الوظيفة عن القيمة.

فوظائف مثل عارضة الأزياء أو النجمة السينمائية أو المضيفة، كانت غير مقبولة في كثير من المجتمعات لأسباب مختلفة، فعارضة الأزياء تقوم بعرض مفاتنها وما ترتديه من أزياء لتشجيع النساء على شراء السلعة التي تبيعها.

والحياة الخاصة للنجمة السينمائية ملك للجميع، كما أنها قد تلعب أدواراً تتطلب منها استباحة جسدها للجمهور، وهو أمر لا يقبله كثير من البشر (حتى ولو على سبيل التمثيل).

"
بسبب تحييد مضمون الوظيفة الأخلاقي وتقبُّل هذا الحياد واستعداد أعداد أكبر من أعضاء المجتمع لأن يتحولوا إلى مادة وظيفية, تصبح بعض الوظائف (التي كانت مشينة وهامشية في كثير من المجتمعات) مقبولة، بل مرغوبة ومركزية
"
والمضيفة الجوية تسافر كثيرا، الأمر الذي يهدد حياتها الأسرية ووظيفتها كزوجة وكأم، كما أنها، شأنها شأن المضيفة الأرضية في المطاعم والحانات، تحتك بنماذج بشرية كثيرة بعضها غير مقبول بمعايير المجتمع الذي تنتمي إليه.

ولذا، كان يقوم بهذه الوظائف إما عناصر وافدة أو أبناء الطبقات الدنيا أو أعضاء الأقليات الهامشية. أما الآن، فإن هذه الوظائف أصبحت حلم كل فتيات الطبقة المتوسطة (في الشرق)، وأمرا عاديا تماما في الغرب.

وقد أصبحت هذه الوظائف حلما لارتباطها بقيم مادية منفصلة عن القيمة مثل الشهرة وبريق الأضواء والمتعة والثراء. ويلاحظ مؤخرا أن وظيفة العاهرة بدأت تحقق قبولا اجتماعيا في الغرب، وكذا وظيفة الراقصة في الشرق، بسبب غياب المرجعية الأخلاقية.

وبالمقابل، تفقد كثير من الوظائف التقليدية (مثل التدريس) مكانتها، فهي تدور في إطار القيم والمثاليات الأخلاقي، وليس في إطار الحداثة المنفصلة عن القيمة.

وكان الهدف من الرداء في الماضي هو تغطية الجسد، ولكنه انفصل هو الآخر عن القيمة، وأصبح هدفه جذب الأنظار إلى الجسد وتعميق الإحساس باللذة والتسخين الجنسي، ومن هنا ظهور الميني سكيرت التي تقترب من حالة الطبيعة، و"الميكروسكيرت" التي تعلن نهاية التاريخ والحضارة والملابس.

كما ظهرت مؤخرا أشكال أكثر عريا من الملابس النسائية في الغرب مثل ما يسمى "فوق البطن" (بالفرنسية: demi-ventre) التي أخذت تنتشر في بلاد العالم الثالث وأصبحت علامة على سعة الأفق والتفتح ومواكبة التطور.

ومفهوم التقاليع (الموضة) يُعَدُّ من أهم تبديات الحداثة المنفصلة عن القيمة، فالتقاليع تعني التغيير الدائم والتطلع الحاد نحو الاستهلاك، وهي تجسد رؤية العالم كمادة متحركة.

ويلاحظ أن كثيرا من مصممي الأزياء من الشواذ جنسيا (ومن أشهرهم فرساتشي الذي قتله صديقه عام 1997). ويقال إن حوالي خمسة منهم ماتوا بالإيدز في عام واحد، ولكن القائمين على صناعة الأزياء نجحوا في حجب الخبر حتى لا تُضار الصناعة وحتى لا تتأثر الأسعار. ودلالة كل هذا هو انفصال هذه الصناعة عن المعايير الأخلاقية والدينية والإنسانية.

تناول الطعام عملية فيزيقية، فهل يمكن القول إنه هو الآخر تم فصله عن القيمة؟ فلنحاول تطبيق نموذجنا التحليلي. الوجبة التي تعدها الأم بطريقة خاصة وفريدة يأكلها أفراد الأسرة في جو تراحمي يقوي أواصر الصلة بينهم ويزيد المجتمع تماسكا والفرد انتماء.

"
الهامبورغر هو قمة الانفصال عن القيمة بالنسبة للطعام، فهو يشبه الوقود الذي يضعه الإنسان في سيارته حتى يستمر في العدو، فالهامبورغر مادة استعمالية عامة، مناسب تماما لذلك الإنسان الطبيعي/المادي الذي يقذف به في جوفه
"
في مقابل ذلك يظهر ما يمكن تسميته "الطعام البراني" أو "التيك أواي" وهو طعام منفصل عن قيم التراحم والأسرة ويحكم عليه من منظور السرعة والسهولة والنمطية، وهو طعام يُعد بطريقة نمطية جمعية، ولا شخصية له، يشتريه الإنسان عادة من أنثى (البديل الحديث للأم) تبتسم له بطريقة نمطية بلاستيكية معقمة. وهو عادة ما يلتهم طعامه وهو يلهث من عمله إلى منزله (أو العكس)، بل قد يبتلعه وهو أمام التليفزيون.

ويمكن القول إن الهامبورغر (من هذا المنظور) هو قمة الانفصال عن القيمة بالنسبة للطعام، فهو يشبه الوقود الذي يضعه الإنسان في سيارته حتى يستمر في العدو، فالهامبورغر مادة استعمالية عامة، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، فهو ظاهر دون باطن، شيء عام لا خصوصية له، مناسب تماما لذلك الإنسان الطبيعي/المادي الذي يقذف به في جوفه.

وتظهر أشكال الطعام الفورية (بالإنجليزية: instant food)، مثل القهوة النسكافية (بالإنجليزية: instant coffee) وما يسمى عشاء التليفزيون (بالإنجليزية: T.V.dinner) وهو طعام له طعم البلاستيك، يُخزن في فريزر الثلاجة وتقذفه ربة الأسرة في فرن الميكرويف، فيتم إعداده في دقائق ثم يقذفه أعضاء الأسرة في أفواههم وهم متراصون جنبا إلى جنب أمام التليفزيون (لا ملتفين حول المائدة)، ولا ينظر الواحد منهم في عيون الآخرين. وهم لا يتحدثون سويا، ولا يأكلون من الأطباق نفسها، فكل عشاء وحدة مستقلة.

ولعل ما يسمى "الجنس العَرَضي" (بالإنجليزية: Casual sex) والذي أشير إليه أحيانا بأنه "الجنس الفوري" (بالإنجليزية instant sex) تعبير عن انفصال الجنس عن القيمة.

فالجنس العَرَضي (ابن اللحظة التي يتحقق فيها ولا يتجاوزها) يعبِّر عن رغبة الإنسان في أن يُشبع رغباته الجنسية في أي وقت ومع أي شخص، خارج إطار أية تركيبية إنسانية فردية أو أية عواطف أو إحساس بالطمأنينة، وخارج إطار القيم والمثاليات الأخلاقية والاجتماعية.

وهو يأخذ شكل علاقة جسدية مؤقتة تهدف إلى الإشباع (الجسدي المادي) المباشر دون إرجاء أو تأجيل. ولكن الجنس العَرَضي يعبر أيضا عن عدم الاكتراث بأية قيم داخلية إنسانية أو خصوصية فردية، (وهو في هذا يشبه الطعام التيك أواي) فاللقاء الجنسي يتم دون اهتمام بعواطف الآخر أو بأي هدف يتجاوز اللذة الجسدية المباشرة الطارئة.

ومصدر الشرعية (أو القيمة إن شئت) في هذا الضرب من الجنس مدى كفاءة الشخص في الأداء الجسماني ومدى نجاحه في تحقيق اللذة لنفسه وللآخر، أو للآخر بمقدار ما يحققه لنفسه. وفي إطار انفصال الجنس عن القيمة يعتبر البغاء على سبيل المثال مجرد نشاط اقتصادي، وتُسمى البغي "عاملة جنس" (sex worker)، فهي مجرد إنسان يقوم بكسب العيش لقاء جهد عضلي يبذله.

ولننظر إلى مجال أحرز شيوعا غير عادي في الآونة الأخيرة وهو الرياضة. ففي الماضي كان الهدف منها هو تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وعلى الصراع الرقيق وتسريب النزعات الصراعية في الإنسان من خلال قنوات شرعية حتى يتم إعلاؤها. (ومن هنا الحديث عن "الروح الرياضية" أي أن يقبل الإنسان الهزيمة بصدر رحب وطريقة متحضرة).

"
الجنس العَرَضي يعبر عن عدم الاكتراث بأية قيم داخلية إنسانية أو خصوصية فردية، "وهو في هذا يشبه الطعام التيك أواي"، فاللقاء الجنسي يتم دون اهتمام بعواطف الآخر أو بأي هدف يتجاوز اللذة الجسدية المباشرة الطارئة
"
ولكن تم فصل الرياضة عن القيمة وكل العناصر الاجتماعية والإنسانية. فأصبحت المعايير التي تستخدم للحكم على الرياضة رياضية، وأصبح الهدف الوحيد هو تحقيق الفوز والبطولات والأرقام القياسية (ومن هنا استخدام المخدرات والمنشطات لتحقيق الفوز دون اكتراث بأي قيم أو معايير لا تقع داخل نطاق الرياضة)، ويتطلب التدريب على أي رياضة التفرغ الكامل، أي الاحتراف (وهذا مما يتنافى والهدفَ منها باعتبارها تزجية لأوقات الفراغ).

وعملية التدريب نفسها تصبح من القسوة بحيث إنها تتناقض مع ما هو إنساني، إذ يصبح الرياضي جسدا محضا لا يستطيع هو نفسه التحكم فيه، إذ يتعين عليه الانصياع لأوامر مدربه وناديه الذي يستثمر في جسده.

وانتشار برامج المصارعة الحرة تعبير عن هذه "الإباحية الرياضية" (إن صح التعبير)، حيث تركز هذه الرياضة على القيمة العضلية للجسد وحسب، خارج أية أطر إنسانية أو أخلاقية، وحيث يصبح العالم مجرد غابة داروينية محايدة معقمة تماما من القيمة، وتصبح قمة اللذة ارتطام كتلة جسدية بشرية بكتلة جسدية أخرى، ثم تبدأ الكتلة الأولى في إلحاق الأذى بالكتلة الثانية وعلى العكس، مما يدخل البهجة على قلوب المشاهدين.

ثم يتم بعد ذلك "بيع" النوادي لتحقيق الشهرة والربح كما يتم "بيع" اللاعبين وشراؤهم في "سوق النخاسة الرياضية". ويتحول أبطال الرياضة إلى نجوم تستخدم في الإعلانات، كما يمكن المراهنة على اللاعبين وعلى نتائج المباريات، مما يعني أن اقتصاديات السوق قد اقتحمت عالم الرياضة التي أصبحت بالتالي منفصلة تماما عن أي قيمة إنسانية أو أخلاقية، خاضعة تماما لآليات السوق والعرض والطلب.
والله أعلم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك