بشير موسى نافع

بدأت الانتخابات البرلمانية المصرية مطلع نوفمبر/تشرين الأول 2005 بمفاجأة، وانتهت بعد خمسة أسابيع بدوي مفجع. بدأت بفوز ملموس وغير متوقع لمرشحي الإخوان المسلمين في المرحلة الأولى في ظل أجواء من الهدوء الملحوظ والحياد المدهش لأجهزة الدولة، وانتهت بعنف واسع النطاق في أغلب الدوائر التي شملتها جولة الإعادة من المرحلة الثالثة والأخيرة.. عنف أودى بحياة ثمانية أشخاص وإصابة العشرات، وتدخلات حكومية سافرة.

كلتا المناسبتين البداية المشجعة والنهاية المحبطة أطلقت جملة من التعليقات المبالغ فيها تفاؤلاً وتشاؤماً. الحقيقة كما هي دائماً ليست بسيطة، ولا يمكن قصر قراءتها على زاوية مشاعر التفاؤل والتشاؤم. هذه انتخابات بالغة الأهمية، ليس بالنسبة لتاريخ مصر الحديث فحسب، بل أيضاً من زاوية التطور السياسي في المنطقة العربية بأجمعها، وستترك آثاراً واسعة على الخارطة السياسية المصرية والبنية السياسية للمجتمعات العربية الإسلامية، لاسيما على المدى البعيد.

"
دور المعارضة سيقتصر على الضغط المستمر لتحسين البيئة القانونية للعمل السياسي، وإذا لم يستجب الحزب الحاكم ستلجأ المعارضة لكسب الشارع وإظهار الحزب الوطني في مظهر القوة المستبدة
"
انتهت الانتخابات المصرية بحصول الإخوان المسلمين على 88 مقعداً، وهو ما يقل قليلاً عن خمس عدد مقاعد مجلس الشعب (البرلمان المصري) البالغة 454 مقعداً، منهم عشرة نواب غير منتخبين بل يقوم الرئيس بتعيينهم. وحصلت قوى المعارضة الأخرى مجتمعة على 14 مقعداً. أما الحزب الوطني الحاكم فحافظ على الأغلبية المطلقة متجاوزاً حاجز الثلثين الحرج بحصوله على 325 مقعداً. وهناك 12 مقعداً لم تحسم بعد لأسباب مختلفة، كما أن رئيس الجمهورية لم يسم العشرة المعينين بعد.

في الأعراف الديمقراطية المعتادة ليس في هذه النتائج ما يثير، فحتى لو افترضنا أن القوى المعارضة ستجد أرضية واحدة للتعاون في المجلس، فإن عدد ممثليها معاً لا يصل إلى 25% من عدد نواب المجلس. وسيوفر الاحتفاظ بأكثرية تتجاوز الثلثين للحزب الوطني تحكماً تشريعياً مريحاً في مجمل عملية الإصلاح السياسي المقبلة التي يتوقع أن تشمل تعديلات دستورية وإصدار جملة من القوانين الجديدة.

على هذا المستوى سيقتصر دور المعارضة على الضغط المستمر لتحسين البيئة القانونية للعمل السياسي، وإذا لم يستجب الحزب الحاكم لهذه الضغوط ستلجأ المعارضة لكسب الشارع والرأي العام الشعبي وإظهار الحزب الوطني في مظهر القوة المستبدة الرافضة للاحتكام إلى رأي الشعب. وبرغم أن هذا الوضع لن يؤثر تأثيراً كبيراً وآنياً على توجهات الإصلاح السياسي القادمة، فلا ينبغي التقليل من أثره على المناخ السياسي المصري.

فرفض الحزب الوطني أخذ المعارضة في الاعتبار لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة الشعبية والاحتماء بالحكم، ما سيضع نهاية سريعة لمساعي التحول بالحزب إلى منظمة حزبية حقيقية، وهي المساعي التي تقودها عناصر الجيل الثاني من قيادات الحزب.

ولكن الهام في دلالات هذه الانتخابات يتجاوز قاعة مجلس الشعب والعلاقة بين كتلتي الحزب الحاكم والمعارضة.

منذ أكثر من نصف قرن والخطاب السياسي العربي يستعير مفردات السياسة الغربية كما هي تقريباً، فالقوى السياسية تعرف بأنها يسارية ويمينية أو وسط. وفي مصر على وجه الخصوص جرى في منتصف السبعينات إعادة توكيد هذا التصور للسياسة. كانت المناسبة هي إطلاق الرئيس السادات بداية مرحلة جديدة من التعددية السياسية التدريجية والمحكومة نسبياً من الدولة.

"
قدمت الانتخابات المصرية مؤشرات يصعب تجاهلها على انهيار الأحزاب اليسارية ذات الجذور الشيوعية والليبرالية التقليدية
"
عندها سمح السادات بتأسيس ثلاثة أحزاب: أحدها لليمين السياسي باسم حزب الأحرار، والثاني لليسار باسم حزب التجمع الوطني، والثالث للوسط باسم الحزب الوطني. وقد أصبح الحزب الوطني الذي ترأسه السادات ثم خلفه على رئاسته الرئيس مبارك هو الحزب الحاكم، بينما افترض أن يشكل الحزبان الآخران معارضة سياسية محدودة.

خلال السنوات القليلة التالية فتح الباب لتأسيس عدد جديد من الأحزاب، ولكن الخطاب السياسي حافظ على التصنيف التقليدي لليمين واليسار والوسط. فحزب الوفد مثلاً يحسب على اليمين الليبرالي، أما التيار الإسلامي وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين غير المصرح لها فتحسب على اليمين الديني.

لم يعد هذا التصنيف للخارطة السياسية كافياً للدلالة على الواقع السياسي العربي، ولا على حمل معاني دقيقة. فالذين يعرفون مصر أدركوا منذ زمن ان الإخوان باتوا يمثلون القوة السياسية الرئيسية في مواجهة الحزب الحاكم، ولكن هذه الانتخابات قدمت الدليل الرقمي المحسوس على هذه الفرضية. ومصر هي أكبر بلاد العرب ومركز ثقلهم السياسي والثقافي منذ سقوط بغداد أمام الغزو المغولي منتصف القرن الثالث عشر، وما تعيشه مصر سرعان ما سينعكس على المجال العربي كله.

إن كان هذا التوصيف للواقع السياسي العربي صحيحاً، فكيف إذن سنصنف التيار الإسلامي؟

يلتقي الإسلاميون مع القوى الليبرالية واليسارية المعارضة في الدعوة إلى إصلاح سياسي يؤسس على التعددية الحزبية والتداول السلمي على الحكم، وتعزيز سلطات المؤسسات التمثيلية المنتخبة. ومن ناحية أخرى يقبل الإسلاميون مجمل توجهات الأحزاب العربية الحاكمة، بما في ذلك الحزب الوطني، في مجال الحرية الاقتصادية النسبية، وتقوية القطاع الخاص، مع الحفاظ على مستوى معين من الأمن الاجتماعي المقصود به حماية الطبقات الفقيرة. ولكنهم يتفقون مع قوى اليسار القومي في الدعوة إلى تعزيز الترابط العربي ووضع حدود لاستيلاء الشركات متعددة الجنسيات على مصادر الثروة والإنتاج الوطني.

بكلمة أخرى يستعصي الإسلاميون -والإخوان خصوصا- على التصنيف التقليدي لليسار واليمين والوسط، وعندما يتحولون إلى قوة سياسية رئيسية في المجتمعات العربية، فلابد أن يعاد النظر في كل نظام التصنيف السياسي المتعارف عليه. وربما يمكن القول الآن إن هذا التصنيف كان غير كاف ابتداء، فما انطبق على توجهات الاجتماع السياسي الغربي لم يكن لينطبق بالضرورة على الاجتماع السياسي العربي الإسلامي.

"
الانتخابات الأخيرة لم تكن كسابقاتها من حيث إنها أتاحت فرصة غير مسبوقة للقوى السياسية المعارضة، ورغم ذلك فقد جاءت حصيلة حزب التجمع أسوأ من حصيلته في أي دورة انتخابية سابقة منذ تأسيسه
"
من ناحية أخرى قدمت الانتخابات المصرية مؤشرات يصعب تجاهلها على انهيار الأحزاب اليسارية (ذات الجذور الشيوعية) والليبرالية التقليدية. لقد أسس حزب التجمع الوطني من التقاء عدة مجموعات شيوعية وبعض الناصريين الاشتراكيين، وبينما الحزب دائماً في تأسيس موقع له في الواقع السياسي المصري، كان ممكناً دائماً الادعاء بأن فشل التجمع يعود إلى ضآلة هامش الحريات وسيطرة الدولة المطلقة على العملية الانتخابية.

الانتخابات الأخيرة ومهما كانت الانتقادات الموجهة لها لم تكن كسابقتها من حيث إنها أتاحت فرصة غير مسبوقة للقوى السياسية المعارضة. ورغم ذلك فقد جاءت حصيلة حزب التجمع أسوأ من حصيلته في أي دورة انتخابية سابقة منذ تأسيس الحزب.

ولم تكن النتائج التي حصل عليها حزب الوفد -الممثل المخضرم لليبرالية المصرية- أفضل بكثير، بل إن الحزب تلقى هزيمتين مزدوجتين في الشهور القليلة الماضية: تجلت الأولى في تواضع حصيلة رئيس الحزب في الانتخابات الرئاسية، والثانية في تراجعه الفادح في الانتخابات البرلمانية.

وربما جاء الوقت الذي يجدر فيه بالوفديين مواجهة الحقيقة التي لم يعد من الممكن تجاهلها، وهي أن المشروع الذي قاده فؤاد سراج الدين لإعادة تأسيس الوفد والتقدم به لحكم الجمهورية كما حكم مصر الملكية ومثل الوطنية المصرية طوال العهد الملكي، كان مجرد حلم قصير العمر.

أدى الوفد مهمته ودوره في تاريخ مصر خلال حقبة ما بين الحربين وبنهاية العهد الملكي في يوليو/تموز 1952، انتهي دور الوفد وانتهت مهمته.

نجاحات حزب الوفد الانتخابية المحدودة في عقد الثمانينات تعود إلى وجود فئة من المصريين لم تزل تذكر أمجاد الوفد القديمة، أو إلى آمال "رومنسية" لدى فئات أخرى في استعادة ذلك المجد. وبمرور الزمن لم يعد للوفد في الحقيقة قاعدة اجتماعية صلبة يستند إليها، لا في الأوساط الليبرالية الاقتصادية ولا في المعسكر الليبرالي السياسي.

"
حزب الوفد تلقى هزيمتين مزدوجتين خلال الأشهر القليلة الماضية، الأولى تواضع حصيلة رئيس الحزب في الانتخابات الرئاسية، والثانية تراجعه الفادح في الانتخابات البرلمانية
"
تجد القوى الليبرالية الاقتصادية موقعها الطبيعي في الحزب الحاكم حيث الامتيازات والتسهيلات المالية والتجارية الهائلة، القانوني منها وغير القانوني. أما الليبرالية السياسية فلم تعد حكراً على الوفد، في وقت بات فيه الخطاب الديمقراطي والإصلاحي السياسي هو السائد في كل الساحة السياسية المصرية والعربية، بكل أطيافها الحزبية. ولعل هذا ما يفسر الفارق الشاسع بين عدد نواب حزب الوفد في المجلس الجديد (4 نواب فقط) وعدد نواب الإخوان (88 نائباً).

لا يعني هذا بالضرورة أن التوجهات الاجتماعية السياسية، توجهات العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، والتوجهات الليبرالية، هي في طريقها إلى التلاشي.

الصحيح أن الساحة السياسية المصرية -والعربية ككل- ستظل تحتفظ بموقع ما للتيارين الاجتماعي والليبرالي، لا سيما في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية الكبرى التي يعيشها العالم وتعيشها المنطقة العربية. ولكن الواضح أن الأحزاب العربية اليسارية والليبرالية التقليدية لم تعد قادرة في بنيتها وخطابها الحالي على الحفاظ على هذا الموقع.

أحد أهم المشكلات التي تواجهها هذه الأحزاب عجزها عن تطوير موقف ملائم من حالة الإحياء الإسلامي الجارفة في المجتمعات العربية. فما شهدته مصر في الانتخابات الأخيرة من دلائل على الصعود السياسي للتيار الإسلامي لا يقتصر على مصر، وإن ما عرفته الجزائر والمغرب وتونس والأردن وغيرها من قبل سرعان ما ستعرفه فلسطين وأي دولة عربية أخرى تمر بتجربة التعددية السياسية.

مصر لم تعد كما كانت، وكذلك هو فهمنا للسياسة في بلادنا واعتبارنا لقواها التقليدية.
ــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة