بشير نافع

تشهد مصر الآن انتخابات طويلة لمجلس الشعب (البرلمان المصري), ولأن الانتخابات تجرى على عدة مراحل فلن تعرف التركيبة الجديدة للمجلس قبل مرور عدة أسابيع. وتعقد هذه الانتخابات بعد استفتاء شعبي على تعديل البند الخاص بانتخاب رئيس الجمهورية، وبعد انتخابات الرئاسة التي أعادت الرئيس مبارك إلى موقعه.

وبالرغم من أن التعديل الدستوري وانتخابات الرئاسة أثارت الكثير من الاهتمام داخل مصر وخارجها، فإن الانتخابات البرلمانية الحالية هي أكثر أهمية بلا شك. وهي أكثر أهمية لسببين: الأول، يعود إلى دلالاتها المصرية الداخلية، بينما يعود الثاني إلى ما تعنيه بالنسبة للمنطقة العربية ككل.

"
تتقاسم الساحة في مصر قوتان رئيستان هما الحزب الوطني والإخوان المسلمون, وبينما يستمد الحزب الوطني قوته من ارتباطه بالدولة والحكم، يستند الإخوان إلى وزن الجماعة التاريخي وحالة الإحياء الإسلامي في مصر
"
بالرغم من أهمية الاستفتاء على التعديل الدستوري والانتخابات التعددية المباشرة الأولى للرئاسة، فقد شاب هذين الحدثين التحوليين الكثير من الشوائب. كان المؤمل من التعديل الدستوري أن يفتح الباب فعلا لانتخابات رئاسية تعددية، ولكنه جاء ليضع قيوداً بالغة على مبدأ الترشيح للرئاسة. وهو ما جعل إمكانية الترشح أصلاً مقصورة على دائرة صغيرة من النخبة السياسية الحاكمة.

وقد أثار الاستفتاء على التعديل حماسا قليلا في أوساط المصريين، مؤشرا إلى خيبة أمل جماعية في النص الدستوري الجديد. ثم جاءت انتخابات الرئاسة لتعكس حدود التعديل الدستوري وخيبة الأمل الشعبية على السواء.

تنافس الرئيس مبارك مع تسعة مرشحين آخرين، ولكن أيا منهم لم يكن من صنف المنافس الحقيقي، لا من ناحية الخبرة والكفاءة ولا من ناحية الوزن الشعبي. وبينما أصبح الامتحان الكبير لانتخابات الرئاسة هو امتحان الإقبال الشعبي على التصويت، ساد اعتقاد بأن فوز الرئيس مبارك هو أمر مؤكد.

فاز الرئيس مبارك بالفعل، ولكن حجم الإقبال على صناديق الاقتراع كان ضئيلا بكل المقاييس. وما أثار الانتباه هذه المرة كان غياب التدخل الحكومي الكثيف والسافر في الانتخابات، وهو ما أوحى بأن الانتخابات البرلمانية ستجرى في ظل أجواء مشابهة من عدم التدخل.

وهذا بالتأكيد هو الامتحان الأول للانتخابات الحالية: هل ستمثل هذه الانتخابات انعطافة حقيقية في العملية الانتخابية في مصر المعاصرة، أم أن اختلاف طبيعة الانتخابات البرلمانية سيدفع الدولة إلى العودة لتقاليد التدخل؟ إجراء انتخابات برلمانية عادلة لن يهدد سيطرة الحزب الوطني على مجلس الشعب، وبالتالي على مقاليد الحكم.

الحقيقة التي يدركها عدد كبير من المراقبين للساحة السياسية المصرية أن هذه الساحة تتقاسمها قوتان رئيستان، الحزب الوطني والإخوان المسلمون. يستمد الحزب الوطني قوته من ارتباطه بالدولة والحكم، فهو الحزب الحاكم منذ عقود في جمهورية لم تعرف التعددية الحزبية إلا مؤخرا، ولم تشهد أي تداول على السلطة على الإطلاق منذ ثورة يوليو/تموز 1952.

"
لابد أن تجرى انتخابات حرة وعادلة في مصر تؤمن وجود معارضة قوية وفعالة في مجلس الشعب الحالي, أما العودة إلى أساليب التدخل والتزييف المعهودة فسيدفع عملية التحول السياسي سنوات عدة إلى الخلف
"
ولذا -وبغض النظر عن سؤال الحق والشرعية- لا يجب بأي حال من الأحوال رؤية قوة الحزب الوطني باعتبارها قوة وهمية. فقوة هذا الحزب هي من قوة دولة حديثة تسيطر على قطاعات واسعة من التعليم والاقتصاد والبيروقراطية، ومن الإعلام والثقافة والإنتاج وتوزيع الثروة.

كما يستمد الحزب الوطني قوته من قواعد الاجتماع التقليدية المرتبطة به منذ عقود، مثل العائلة الممتدة، والعشيرة، ووجهاء المدن والأرياف، والشخصيات ذات النفوذ الاجتماعي المستمد من الثقل التجاري والمالي.

ومن جهة أخرى، تستند قوة الإخوان المسلمين إلى وزن الجماعة التاريخي، وإلى حالة الإحياء الإسلامي، التي تشهدها معظم دوائر الحياة المصرية، من المدارس العليا والجامعات، إلى دوائر المهن المتخصصة والطبقة العاملة. ويمثل الإخوان المسلمون -فوق ذلك- أملا كبيرا للمصريين الذين يرون كيف يحبط انتشار الفساد وتزاوج السلطة والثروة واللامبالة الجماعية إمكانات النهوض والإصلاح.

أغلب القوى السياسية المصرية الأخرى هي قوى هامشية، بالرغم من أن لبعضها جذورا تاريخية عميقة، مثل الوفد. وفي حين اختار الإخوان المسلمون عدم استفزاز الحكم والحزب الحاكم، بإدراجهم لعدد محدود من المرشحين، فإن الأحزاب الأخرى لا تشكل تحديا جادا للحزب الوطني.

خارطة القوى هذه هي ما يجعل الانتخابات الحالية امتحانا كبيرا لصدقية التحول الديمقراطي في مصر، حتى إن قبلنا ضرورة أن يكون التقدم على هذا الطريق تقدما تدريجيا. إن لم يكن هناك خوف فعلي من فقدان الحزب الوطني للسلطة، فلابد أن تجرى انتخابات حرة وعادلة، انتخابات تؤمن وجود معارضة قوية وفعالة في مجلس الشعب الحالي. أما العودة إلى أساليب التدخل والتزييف المعهودة فسيدفع عملية التحول السياسي سنوات عدة إلى الخلف، وينشر حالة من الإحباط السياسي في صفوف الشعب المصري.

الامتحان الثاني لانتخابات مجلس الشعب هو امتحان الإقبال الشعبي على صناديق الاقتراع. الأمر المؤكد من الأرقام الرسمية لعدد المسجلين في جداول المنتخبين أنها تقل بكثير عمن يحق لهم التصويت.

فإن اعتبرنا أن تعداد السكان في مصر يتجاوز السبعين ميلونا، فمن المتوقع أن يصل عدد من يتمتعون بحق الانتخاب إلى ما يزيد عن الخمسين مليونا. ولكن الأرقام الرسمية لا تشير إلا إلى أكثر من ثلاثين مليونا بقليل. ربع هؤلاء فقط هو من شارك في الانتخابات الرئاسية.

ولكن الكثير من المصريين -بما في ذلك قادة وكوادر أحزاب المعارضة- يرى أن الانتخابات البرلمانية هي أمر مختلف تماما. أولا لأن فوز مبارك في انتخابات الرئاسة كان متوقعا ومؤكدا، مما دفع الأغلبية إلى عدم تجشم عناء التصويت.

"
إن كانت انتخابات مجلس الشعب الجارية الآن هي مؤشر على تحول جديد في الحياة السياسية، فلابد أن تأتي الخطوة التالية في مجال توسيع نطاق حرية تشكيل الأحزاب، وإيجاد حل توافقي وحقيقي لوضع الإخوان المسلمين كقوة سياسية
"
ثانيا، لأن الدعوات المعارضة لمقاطعة انتخابات الرئاسة تردد صداها في كل أنحاء البلاد. ثالثا، لأن الانتخابات البرلمانية تجرى في دوائر محلية صغيرة، حيث توجد درجة فائقة من الحشد والتشجيع على التصويت، سواء من الحزب الحاكم أو من القوى المعارضة. ورابعاً، لأن هناك اعتقادا متزايدا في أن هذه الدورة من الانتخابات ستشهد تدخلا أقل من أجهزة الدولة، وستكون بالتالي أكثر عدالة وشفافية.

يشير هذا كله إلى توقع ارتفاع ملموس في الإقبال على التصويت، وهو ما يضع مصر كلها أمام امتحان بالغ الأهمية: هل نجحت القوى السياسية المصرية في وضع نهاية لحالة عدم الاكتراث واللامبالة الجمعية بالشأن السياسي؟ إن كانت الإجابة بنعم، فنحن أمام تحول كبير في المزاج السياسي المصري، سينعكس بالتأكيد على الكيفية التي تواجه بها تحديات ما بعد الانتخابات، وتحديات الإصلاح الكبرى في البلاد.

تتعلق المسألة الثالثة بالخارطة السياسية المصرية في الفترة المقبلة، لاسيما حق تشكيل الأحزاب وشرعية الإخوان المسلمين. فحق تشكيل الأحزاب لم يزل مقيدا، تتحكم فيه لجنة تتبع مجلس الشورى الذي تسيطر عليه الحكومة والحزب الوطني. وهناك ثلاث قوى جادة تنتظر منذ سنوات ترخيص نشاطها السياسي: حزب الكرامة الناصري، وحزب الوسط ذي الصبغة الإسلامية، والأخوان المسلمون.

وتعتبر حالة الإخوان المسلمين بالذات الامتحان الأكبر لعملية الإصلاح الساسي في مصر. فالأخوان هم قوة المعارضة الرئيسية، وتلعب كوادر إخوانية دورا واسعا في قيادة عدد كبير من النقابات المهنية والاتحادات الطلابية. كما يخوض الإخوان الانتخابات الحالية بـ 150 مرشحا، مما يجعلهم القوة السياسية الثانية بعد الحزب الوطني من ناحية عدد وفعالية المرشحين. ولكن الدولة ما تزال تعتبر الإخوان قوة غير شرعية "ومحظورة"، وهو ما يضفي على السياسة المصرية طابعا سرياليا.

إن كانت انتخابات مجلس الشعب الجارية الآن هي مؤشر على تحول جديد في الحياة السياسية، وإن جاءت هذه الانتخابات بمجلس شعب فعال ومتزن، فلابد أن تأتي الخطوة التالية في مجال توسيع نطاق حرية تشكيل الأحزاب، وإيجاد حل توافقي وحقيقي لوضع الإخوان المسلمين كقوة سياسية.

مثل هذه الخطوة ليست ضرورية لإعطاء التيار الإسلامي المصري حقه المشروع في العمل السياسي فحسب، بل أيضا لتوفير فرصة كافية ودائمة للشعب المصري لمحاسبة هذا التيار الذي يلعب دورا كبيرا في الحياة السياسية المصرية.

"
وولادة مجلس شعب يتسم بالحيوية، مجلس يعيد الاعتبار إلى العقل السياسي المصري وطاقاته الهائلة، يمكن أن يعيد للمثال المصري الكثير من تأثيره, بما يعني أن نهضة سياسية مصرية يمكن أن تصبح فاتحة لنهوض سياسي عربي
"
أما المسألة الثالثة التي تضفي على هذه الانتخابات أهمية استثنائية فهي تلك المتعلقة بالتوجهات الكبرى للجمهورية. ثمة قضايا عديدة تثقل أجندة الرأي العام المصري، من انتشار الفساد والبطالة، والتنمية الاقتصادية والمنافسة في السوق العالمي، إلى التعليم والثقافة.

ولكن القضية التي لا يتردد صداها كثيرا في الجدل الدائر في مصر السياسية هي قضية تراجع الدور المصري، إقليميا وعربيا وعالميا. صحيح أن سلطة مجلس الشعب في مجال السياسة الخارجية هي سلطة محدودة، ولكن من الضروري أن يتحول المجلس إلى ساحة نقاش بشأن هوية مصر، والتزاماتها، ودورها التاريخي، ومسؤولياتها، ورسالتها.

ليس ثمة أمة تنهض بالرغبة في تحقيق الرفاه والوفرة المادية فحسب، إذ إن السؤال الذي يختزنه الوعي الجمعي للأمم دائما هو لماذا الرفاه ولأي هدف؟ وعندما يتعلق الأمر ببلد مثل مصر، لعب منذ سقوط بغداد بيد المغول دورا رئيسيا في المجالين العربي والإسلامي، يصبح هذا السؤال أكثر حدة وإلحاحاً.

وليس هناك شك في أن دور مصر الحالي هو أقل بكثير من وزنها وميراثها التاريخي. ولا يعود هذا الوضع إلى خلل في السياسة الخارجية فقط، بل يعود أيضا إلى تراجع الحوار الداخلي حول الهوية والمسؤولية والدور. ولكن رفد مجلس الشعب بدماء جديدة، وعدد مؤثر من النواب الإسلاميين والقوميين، يمكن أن يعطي حيوية وفعالية جديدتين للمؤسسة التي تمثل الشعب وقواه المختلفة، وتجعل منها حاضنة اكتشاف مصر لثوابت دورها وهويتها ومتغيراتهما.

أخيراً، ثمة دلالة عربية للانتخابات البرلمانية المصرية، دلالة تتجاوز حدود مصر الوطنية إلى المجال العربي الأوسع. لقد ترك تراجع الدور المصري أثرا سلبيا على قوة وتأثير المثال المصري في المنطقة العربية.

ولكن انتخابات برلمانية عادلة وشفافة، وولادة مجلس شعب يتسم بالحيوية، مجلس يعيد الاعتبار إلى العقل السياسي المصري وطاقاته الهائلة، يمكن أن يعيد للمثال المصري الكثير من تأثيره. ما يعنيه هذا -بكلمة أخرى- أن نهضة سياسية مصرية يمكن أن تصبح فاتحة لنهوض سياسي عربي أوسع، يفتح باب الأمل للشعوب العربية جميعها.
ـــــــــــ
كاتب فلسطيني 

المصدر : الجزيرة