عبد السلام رزاق

     

تنازع الأجندات الثلاث
جدلية الكائن والممكن
الذكرى العاشرة.. وماذا بعد


مند التوقيع على اتفاقية برشلونة في عام 1995 إلى الآن يكون قد مر عقد كامل على مشروع أراده الأوروبيون أن يكون قاعدتهم الخلفية في رسم معالم سياسة دولية في عالم مطبوع بتسارع واضح للأحداث وتداخل مشاريع الإصلاح التنموي للشعوب المستضعفة بمصالح القوى السياسية والعسكرية في العالم.

 

ويبدو أن ما أضحى يعرف في الأدبيات الاقتصادية والسياسية في حوض المتوسط بـ"الشراكة الأورومتوسطية" -وهي في الواقع ليست كذلك، بالرغم من تقديمها لبعض النتائج المتصلة بالرفع من معدلات التنمية في دول جنوب المتوسط- على العموم بقي دون طموحات بعض إن لم نقل أغلب دول الجنوب.

 

وبرأي الكثيرين منهم ظلت مجرد خلفية سياسية ودرع يتم اللجوء إليه عند الاقتضاء خدمة للمصالح الإستراتيجية لدول الشمال في إطار التموقع العالمي الجديد والبحث عن تحقيق التوازن الإستراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية.

 

 تنازع الأجندات الثلاث 

"
الدول الأوروبية تعتبر الحوض بشطريه الشمالي والجنوبي إرثا إستراتيجيا يجب الحفاظ عليه, وأن أي تدخل أميركي في السياسة العامة للفضاء الأورومتوسطي سيكون ضربا من التدخل في الشؤون الداخلية
"
بالرغم من أن الثقل السياسي والعسكري في عالم اليوم تمركز بصورة واضحة في منطقة الخليج العربي لأسباب معروفة, فإن الآفاق البعيدة للسياسة الأميركية في تفاعلها وصراعها مع الاتحاد الأوروبي تفيد بأن منطقة حوض الأبيض المتوسط ستكون المحطة المقبلة لقياس مستقبل العلاقة بين القوتين الأوروبية والأميركية. وربما يتم تحديد مستقبل العديد من القرارات الحاسمة في رسم تفاصيل مستقبل العالم في هذه المنطقة تحديدا.

 

وإذا كان الاهتمام الأميركي بمنطقة الخليج العربي تحركه دوافع مرتبطة بالتحكم في استمرار الإمدادات النفطية, وتحقيق المصالح الإستراتيجية الأميركية المرتبطة بتقوية وجود دولة إسرائيل وفرضها على مستوى السياسات الإقليمية, فإن تحقيق هذين الرهانين سيجعل الساسة الأميركيين يفكرون في البديل. وحينها لن يكون من بديل سوى منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ودول المغرب العربي. وقد بدت مؤشرات هذا التوجه العام لسياسة الاهتمام الأميركي بالمنطقة عبر "مبادرة الشرق الأوسط الكبير". 

 

وغير خافٍ اليوم على المتابعين لتصاريف السياسة الدولية في المنطقة المتوسطية أن هناك صراعا محموما لكنه غير معلن بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في المنطقة المتوسطية.

 

فالدول الأوروبية تعتبر الحوض بشطريه الشمالي والجنوبي إرثا إستراتيجيا يجب الحفاظ عليه, ومن ثم فإن السياسية الأورومتوسطية يجب أن تخدم في المقام الأول مصالح الاتحاد الأوروبي, وأن أي تدخل أميركي في السياسة العامة للفضاء الأورومتوسطي سيكون ضربا من التدخل في الشؤون الداخلية. 

 

ولقد وضعت دول الاتحاد الأوروبي في رسمها لمعالم الشراكة الأورومتوسطية قواعد ثلاثا محددة هي:

 

1- التعاون السياسي والأمني: وعبره تسعى أوروبا إلى تحويل منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة آمنة, وبعيدة عن المواجهات العسكرية, ولذا سعت الدول الأوروبية عبر مخطط برشلونة إلى إرغام دول الجنوب على اعتماد مزيد من التنسيق الأمني ومواجهة العنف والجريمة المنظمة. لكن الملاحظ هو أن هذا البعد أخذ تلاوين جديدة لاسيما بعد ظهور ما يسمى الإرهاب.

 

2- التعاون الثقافي والاجتماعي: الذي تضمن حزمة من المشاريع المطلوب تنفيذها من قبل الجنوب, وهي البرامج المتصلة بإصلاح البرامج التعليمية والقضاء والاهتمام بالعام القروي وتنمية الموارد البشرية.

 

3- التعاون الاقتصادي: وقد راهن نص اتفاق برشلونة على تحقيق معدلات مقبولة في دول جنوب المتوسط, وتضييق الفوارق التنموية بين ضفتي المتوسط من خلال إعادة جدولة ديون بعض الدول, وتمكينها من تنفيذ برامج إصلاحية في قطاعات الشغل وتنفيذ المشاريع الاستثمارية وفسح المجال أمام القطاع الخاص.    

 

جدلية الكائن والممكن

"
طالما وجد الفقر والفساد في دول الجنوب وطالما أن الفجوة تتسع بين الحاكمين والمحكومين في هذه الدول, فإن دول الشمال ستبقى معنية بتهديد يصعب رسم معالمه, لأن روح برشلونة التي قامت على التعاون بين الجانبين تلاشت خلف المصالح الأوروبية
"
ودون الدخول في تقييم مجالات التعاون الثلاثة لأن ذلك من شأنه أن يضرب في الصميم هذا المشروع. لكن بالعودة إلى الخلفيات الموجهة لمسلسل برشلونة نجد أن التقييم الحالي يجعلنا نقف على حقائق دامغة, وهي أن ما أضحى يعرف بالشراكة الأورومتوسطية قد لا يعني سوى أن دول الشمال وتحديدا الدول الأوروبية الموجهة لهذه السياسة تعيش حالة رعب غير مسبوق من المد الإسلامي الذي تعرفه أوروبا ولاسيما بعد أن تم السماح لتركيا بالشروع في مفاوضات من أجل الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة.

 

إلى جانب الهجرة غير الشرعية التي أصبحت بمثابة الخزان الذي يغذي الإرهاب حسب مسؤول أوروبي, ويبدو أن أحداث الضاحية الباريسية التي انتقلت إلى باقي المدن الفرنسية توضح المنحى ذاته وتبرز إلى أي مدى فشلت مشاريع إدماج المهاجرين في النسيج المجتمعي الفرنسي والأوروبي.

 

وبالتالي فإنه طالما وجد الفقر والفساد في دول الجنوب وطالما أن الفجوة تتسع بين الحاكمين والمحكومين في هذه الدول، فإن دول الشمال ستبقى معنية بتهديد يصعب رسم معالمه والنتائج المترتبة عليه, لأن روح برشلونة التي قامت على التعاون بين الشمال والجنوب تلاشت خلف المصالح الأوروبية, لأن أوروبا تريد الأمن في منطقة حوض المتوسط ناسية أو ربما متناسية أن لا أمن بدون تنمية ولا تنمية بدون تعاون مالي واقتصادي واجتماعي.

 

ويبدو أن البراغماتية الأميركية تفطنت لهذا النقص ودخلت على الخط منذ عام 1994 عبر بوابة مؤتمر الدار البيضاء حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكان شعارها التنمية قبل الديمقراطية، ولكن كان ذلك بمقدار. بمعنى أن الهبات والمساعدات والاتفاقيات التجارية بين أميركا ودول جنوب المتوسط كانت تتم بمقدار ما تقدمه ذات الدول من خدمات سياسية للولايات المتحدة الأميركية.

 

ويبدو أن هذا المنظور أعطى أكله من خلال بعض الاتفاقيات المبرمة كاتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأميركية والأردن. ومازالت الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى فتح الأسواق المغاربية مجتمعة أمام صادراتها, وتعتقد أن تحقيق ذلك سيكون بمثابة النهاية الفعلية لمشروع الشراكة الأورومتوسطية.

 

وبالمقابل فإن دول الجنوب التي تنتظر منذ عقد من الزمن نتائج ملموسة تعيش حالة نكوص غير معلن, لأن روح مسلسل برشلونة قام على تحقيق الإصلاحات الاقتصادية في هذه الدول وإلغاء الحواجز الجمركية وتحويل حوض المتوسط إلى منطقة للتبادل الحر في عام 2010, وهو ما يصعب تحقيقه في ظل النتائج الحالية.

 

فبعد عقد من الزمن ظل الوضع على ما هو عليه وإن بتفاوت بين بلد وآخر, والنتيجة كانت هي لجوء بعض هذه الدول وبحثها عن بدائل إقليمية أو لدى الولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما تحقق بالنسبة للمغرب والأردن ومصر. 

        

الذكرى العاشرة.. وماذا بعد

"
يبدو أن الاتحاد الأوروبي بصدد نهج سياسة جديدة تقوم على الانفتاح أكثر نحو دول أوروبا الشرقية ولو تم الأمر على حساب دول جنوب المتوسط, فمنطق الاتحاد يستند إلى رؤية جديدة هي تقوية الجسم الأوروبي بشقيه الغربي والشرقي "
الآن وقد انفضت أشغال القمة العاشرة, فإن منطق الأشياء يقتضي البحث في جدلية الكائن والممكن في هذا المشروع, فالمعهد الأورومتوسطي المعروف بمتابعته للإنجازات المتحققة في حوض المتوسط أياما قليلة قبل انطلاق الدورة العاشرة, يقول بأن نسبة نجاح الشراكة الأورومتوسطية خلال العقد المنصرم لم تتجاوز 5%. مما يعني أن مشروع الشراكة لم يعد ذاك المشروع الجيوستراتيجي الذي راهنت عليه دول جنوب المتوسط .

 

ولعل هذا الوضع القاتم هو ما دفع بالعديد من قادة دول الجنوب, خاصة الدول العربية الذين لم يحضروا القمة العاشرة وكأنما يتعلق الأمر بعقاب لكن بصورة مقنعة من قبل دول الجنوب. 

 

الجديد في القمة ربما كان هو اقتراح رئيس الحكومة الإسباني خوسيه لويس ثاباتيرو بتقديم معونات لدول الجنوب بقيمة 1.5 مليار يورو بهدف مواجهة الهجرة غير الشرعية, وكأن المعونات هنا لا تقدم إلا لغاية إيقاف زحف المهاجرين من دول المغرب العربي ودول جنوب الصحراء.

 

لكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي بصدد انتهاج سياسة جديدة تقوم على الانفتاح أكثر نحو دول أوروبا الشرقية ولو تم الأمر على حساب دول جنوب المتوسط. فمنطق الاتحاد الأوروبي في الظرف الراهن يستند إلى رؤية جديدة هي تقوية الجسم الأوروبي بشقيه الغربي والشرقي أي الدول التي كانت تحسب في السابق على الاتحاد السوفياتي.

 

والغاية هي زيادة حصة أوروبا في التجارة الحرة العالمية التي تصل الآن إلى 38%, وتحقيق مجتمع الرفاه لسكان الاتحاد الذين بلغوا 500 مليون نسمة. 

 

يحدث هذا في الوقت الذي بلغ فيه حجم المساعدات الأوروبية لمجموع دول الجنوب حسب برنامج المساعدات (ميدا 1 وميدا 2) خمسة مليارات يورو خلال المدة بين 1996 و2002.

 

إن مسلسل برشلونة يعيش اليوم إحدى أصعب مراحله, فمطالب الشمال للجنوب ازدادت حدتها تحت تأثيرات ما يسمى الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

 

ويبدو أن اتفاقية برشلونة أفرغت من محتواها الاقتصادي وتحولت إلى مطالب سياسية تعتمدها دول الاتحاد الأوروبي لحماية مصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي, ولكن منطق التحول يقول إن هذه السياسة لا يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية, لأن الولايات المتحدة الأميركية توجد على الباب, تنتظر فقط أن تتخلص من الورطات المتتالية في الشرق الوسط.
ــــــــــ
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة