عبد الوهاب المسيري

عبد الوهاب المسيري

الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، مفكر عربي إسلامي

من المصطلحات التي شاعت أخيرا في الصحف والمجلات المتخصصة، اصطلاح "الاستنارة" الذي أصبح مثل الشفرة بحيث أنه لو استخدمت الكلمة ومشتقاتها، فسيعرف الجميع على الفور من أنت وما هي توجهاتك الفكرية والسياسية، وهي بهذا أصبحت بديلا لكلمة "تقدمي" أو "يساري" التي كنا نستخدمها في الستينيات.

واللغة السياسية في أي بلد تعتمد على هذه الكلمات/الشفرة التي لا تنقل للمتلقي مدلولاً واحدا، وإنما رؤية متكاملة وأساسا تصنيفيا.

وهذا أمر شائع ومقبول في كل الحضارات، ولا مناص من قبوله، ومع هذا فقد يكون من المفيد أن نستكشف كل أبعاد المصطلح الذي نستخدمه وكل تضميناته حتى لا تتحول الشفرة إلى مجرد اختزال كامل للأفكار والواقع، تقف حاجزا بيننا وبين المعرفة بدلا من أن تكون طريقة سهلة وسريعة لتوصيلها.

"
الإنسان يحوي الذئب داخله وخارجه، وذاته المتحضرة هذه إن هي إلا قشرة واهية تخبئ ظلمة تمور داخل الإنسان ومن حوله
"
ومصطلح "الاستنارة" كما يستخدم في الخطاب التحليلي العربي مرتبط تمام الارتباط بمفهوم الحداثة، ويفيد أن العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره وأن عقل الإنسان قادر على الوصول إلى قدر من المعرفة ينير له كل شيء أو معظم الأشياء والظواهر ويعمق من فهمه للواقع ولذاته دون الحاجة إلى أي معرفة تأتيه من خارج النظام الطبيعي المادي، وحركة المادة.

وعقل الإنسان – حسب تصور الفكر الاستناري - قادر على توليد منظومات أخلاقية من خلال معرفته بالواقع المادي ودراسته لحركة المادة، ولذا يمكن تسمية الاستنارة "العقلانية المادية".

وكان الافتراض أن عقل الإنسان بمقدراته هذه يضفي على الإنسان مركزية في الكون وهو الذي يمكنه من تجاوز عالم الطبيعة بل وذاته الطبيعية، ومن تغيير العالم والتحكم فيه، أي أن الإنسان من خلال هذه المعرفة بوسعه أن يولِّد من داخله معياريته، و"يصبح ما يريده" على حد قول بيكو ديلا ميرانديلا، المفكر الإنساني الإيطالي.

هذه الرؤية تولد في الإنسان ثقة بالغة بنفسه وبمقدراته وتزيد من تفاؤله بخصوص حاضره ومستقبله. ويمكننا أن نسمى هذه الرؤية "الاستنارة المضيئة"، وعندما يتحدث معظم الدارسين فهم عادة ما يشيرون إلى هذا الجانب من حركة الاستنارة.

ولكن ثمة جوانب تفكيكية كامنة في هذه الرؤية العقلانية المادية، وقد نحت أحد مؤرخي الفلسفة الغربية اصطلاح "الاستنارة المظلمة" ليشير إلى هذه الجوانب التفكيكية التي تفكك الإنسان ولا تمنحه أي مركزية أو مكانة خاصة أو مزية على الكائنات الأخرى.

ويرى هذا المؤرخ أن بعض مفكري عصر الاستنارة، لا كلهم، أدركوا الطبيعة التفكيكية المظلمة للعقلانية المادية.

وقد بيَّن هؤلاء المفكرون أنه إذا كانت أصول الإنسان طبيعية مادية كما يرى العقلانيون الماديون من دعاة الاستنارة المضيئة، وأنه تسري عليه القوانين المادية التي تسري على كل الظواهر الطبيعية (أي أنه ليست له أصول ربانية متعالية متجاوزة)، فلا يمكن إذن الحديث عن مركزية الإنسان في الكون، ولا عن المرجعية الإنسانية، ولا عن مقدرة الإنسان على تجاوز ذاته الطبيعية/المادية، ولا عن أن الإنسان خير بطبيعته واجتماعي بفطرته، ولا عن أن الذات الإنسانية مبدعة حرة مستقلة، ولا عن أن ثمة حقيقة موضوعية مستقرة يمكن إدراكها ... إلخ

فمثل هذا الحديث في نظر هؤلاء المفكرين هو مجرد ادعاء زائف من جانب الإنسان، ووهم من أوهام الفكر الإنساني الهيوماني الغربي ليس له ما يسانده في الواقع، ومن الأجدى أن يعرف الإنسان حدوده ومكانته في الكون وأن يتخلى عن غروره وخيلائه وأوهامه عن نفسه وعن مقدراته.

وواجب الفلسفة هو أن تدرس الإنسان في ضوء القوانين المادية الكامنة في الطبيعة وتساعد الإنسان على أن يرى نفسه باعتباره كائنا طبيعيا ليس هناك ما يميزه عن الكائنات الأخرى.

إن الخلل في الفكر الإنساني والاستناري المضيء - من وجهة نظر دعاة الاستنارة المظلمة- أنه يرفض مواجهة النتائج المعرفية والأخلاقية المتضمنة في الرؤية العقلانية المادية.

"
الاستنارة المظلمة همها توجيه الضربات للإنسان وتحطيم صورته المثالية عن نفسه حتى لا يستمد أي عزاء زائف من وهم المركزية والمرجعية الإنسانية، ولا يتمسك بأمل وهمي عن مقدرته على التجاوز
"
لذا جعل هؤلاء الفلاسفة همهم توجيه الضربات للإنسان وتحطيم صورته المثالية عن نفسه حتى لا يستمد أي عزاء زائف من وهم المركزية والمرجعية الإنسانية، ولا يتمسك بأمل وهمي عن مقدرته على التجاوز، ولا يتعلق بأهداب أي تصور رومانسي عن طبيعته الخيرة الاجتماعية وعن مقدرته على التوصل للحقيقة.

وبذل هؤلاء الفلاسفة قصارى جهدهم في تزويد الإنسان بالحقائق التي تجاهلها أو همشها المفكرون الإنسانيون مثل الأساس الطبيعي المادي للوجود الإنساني، ولدوافع الإنسان وغرائزه وسلوكه وفكره ورؤيته، وزمنية كل الظواهر والقيم، فبينوا أن الإنسان الطبيعي هو ابن الطبيعة وحسب.

ولذا بدلاً من حلم الذات الإنسانية التي تدرك الواقع المادي وتصوغه وتهمين عليه، ظهرت الذات الإنسانية التي يتم تفكيكها وردها بكل قسوة وحياد إلى عناصر مادية في الواقع.

فالإنسان إن هو إلا حيوان لا يعرف غير التربص والافتراس والصراع وحب البقاء والأنانية والبحث عن المنفعة واللذة، شأنه في هذا شأن أبناء الطبيعة الآخرين من قوارض وهوام وحشرات.

وهو -شأنه شأن الحيوان الأعجم- يعيش وحيداً منعزلاً عن غيره من البشر المتربصين به في كون غير مكترث به، أي أنهم ببساطة شديدة ينزعون الخصوصية والقداسة عن الإنسان ويردونه إلى قوانين الطبيعة/المادة، وهي قوانين الحركة العامة التي لا تعرف ثباتاً أو استقراراً أو خصوصية أو قداسة، ولا يمكن للإنسان الإمساك بها.

وبذا أصبح الإنسان جزءا لا يتجزأ من حركة المادة التي لا تعرف ثباتاً ولا وحدة ولا تجاوزاً ولا معنى.

وهم يفعلون ذلك حتى يبينوا للإنسان حقيقته وحقيقة واقعه وينيرون له أبعاده وأبعاد الواقع المظلمة الحقيقية، فهي استنارة مظلمة.

ولعل الفيلسوف الإنجليزي هوبز هو أول مفكر وضع يده على الأطروحات المظلمة الكامنة في العقلانية المادية حين أعلن أن حالة الطبيعة (وهي حالة الإنسان بعد انسحاب الإله من الكون) هي حالة حرب الجميع ضد الجميع، فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان.

وقد تم التعاقد الاجتماعي بين البشر لا بسبب فطرة خيرة فيهم وإنما من فرط خوف الواحد منهم من الآخر وبسبب حب البقاء، فينصبون الدولة التنين حاكماً عليهم حتى يمكنهم أن يحققوا قدراً ولو قليلاً من الطمأنينة.

وقد اتفق معه ماكيافللى في هذا، أما سبينوزا ونيوتن فقد قدما عالماً آلياً تماماً، تنحل فيه الذات في الحركة الآلية للكون.

وبيّن جون لوك أن العقل صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات، وبيّن بنتام أن أخلاق الإنسان مرتبطة بدوافعه وغرائزه وحسب، وبين الماركيز دى صاد وداروين وفرويد أن الإنسان يحوي الذئب داخله وخارجه، وذاته المتحضرة هذه إن هي إلا قشرة واهية تخبئ ظلمة تمور داخل الإنسان ومن حوله.

كما بين يونج أنه لا توجد ذات فردية وإنما ذات جميعة تحوي نماذج أصلية.

"
الذات الإنسانية الفردية إن هي إلا حفرية من حفريات الماضي ووهم من الأوهام واختراع من اختراعات الإنسانية، والموضوع المادي لا يمكن الوصول إليه وإنما هو نتاج الألعاب اللغوية والقوة
"
وقد بلور نيتشه أسس الاستنارة المظلمة حين بين أن الذات الإنسانية الفردية هي إحدى الحيل التي يحاول بها الضعفاء أن يخنقوا براءة القوة وتلقائيتها.

فالذات هي التي تفرض المثل الوهمية للوجود الثابت على عالم الصيرورة المادية وحركة المادة العمياء، وهي في واقع الأمر مجرد قناع أو خرافة أو توليفة أيديولوجية أو وضع لغوي يسمى الذات ليس له وجود حقيقي.

ولا يختلف ماركس (المادي غير الإنساني) عن هذا كثيراً فهو أيضاً يرى أن الذات الإنسانية المستقلة وهم ما بعده وهم، فوراء الواجهة الفردية المستقلة يوجد الصراع الطبقي ووسائل الإنتاج.

وقد أدرك عالم الاجتماع الفرنسي أميل دوركهايم الإشكالية الكامنة في المحاولة الاستنارية لتأسيس مجتمع في إطار العقلانية المادية دون إيمان بالإله، حيث اللامعيارية وعدم الشبع تتهدد مثل هذا المجتمع دائماً.

وقد تزايد إدراك الفكر الغربي الحديث لمثل الاستنارة المظلمة، ومن هنا أهمية نيتشه الفلسفية، فمن تحت عباءته خرج ليفي شتراوس والتوسير وفوكوه ودريدا الذين هاجموا مثل الاستنارة المضيئة والإنسانية الهيومانية بكل قسوة وعنف.

فالبنيوية ترى أن هدف البنيوية ليس إعادة تشييد الذات الإنسانية الفردية وإنما فكها وتوضيح أن الذات خرافة، مجرد كلمة في لغة، أو شفرة أو بنية تتجاوز الذات وتتحدث من خلالها، وأن الموضوع الثابت كذلك خرافة، إذ لا يصل إليه أحد.

ويصل هذا الاتجاه إلى قمته في فكر فوكوه ودريدا وما بعد الحداثة، فلا توجد ذات إنسانية ولا موضوع مادي، فالذات الإنسانية الفردية إن هي إلا حفرية من حفريات الماضي ووهم من الأوهام واختراع من اختراعات الإنسانية الهيومانية الغربية، والموضوع المادي لا يمكن الوصول إليه وإنما هو نتاج الألعاب اللغوية والقوة.

لكل هذا تختفي الذات الإنسانية الواعية الحرة وتختفي فكرة الطبيعة البشرية ويختفي الإنسان ككائن حر مستقل مسؤول ملتزم بمنظومات معرفية وأخلاقية محددة، وبدلاً من ذلك يظهر الإنسان المتشيئ والمتكيف الذي يدور في إطار قصته الصغرى، وهي قصة الذات التي لا علاقة لها بالذوات الأخرى أو بالموضوع.

ولعل الحضارة الاستهلاكية الحديثة التي تصدر عن العقلانية المادية ومثل الاستنارة المضيئة، بينت من خلال تطورها مدى صدق المبشرين بالاستنارة المظلمة.

فبعد روبسبيير وستالين وهتلر ثم ريجان ويلتسين، وبوش وبوتين، وبعد إمبريالية التهمت العالم ودمرته، وبعد حربين غربيتين (عالميتين)، وبعد الأزمات السياسية والاقتصادية المتكررة في العالم الاشتراكي والرأسمالي، وبعد سقوط الاشتراكية في العالم وتلوثه البيئي والأخلاقي، أصبح الحديث عن الاستنارة المضيئة أمر صعب تحيطه الشبهات، واكتسبت الاستنارة المظلمة مصداقية عالية.

"
ما الفرق بين دعاة الاستنارة المضيئة ودعاة الاستنارة المظلمة إذا كان الجميع يدورون في إطار العقلانية المادية، حيث يرد الإنسان في كليته إلى عنصر مادي كالصراع والرغبة في البقاء وحب السيطرة والهيمنة
"
والسؤال الآن، ما هو الفرق بين دعاة الاستنارة المضيئة ودعاة الاستنارة المظلمة، إذا كان الجميع يدورون في إطار العقلانية المادية، حيث يرد الإنسان في كليته إلى عنصر مادي يوجد في الطبيعة/المادة مثل الصراع أو الرغبة في البقاء أو حب السيطرة والهيمنة.

ثم يستخدم هذا العنصر لتفسير كل سلوك الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل ويهمل أي عناصر أخرى مثل التراحم والنبل والمقدرة على التجاوز والإحساس بالمسؤولية الخلقية... إلخ باعتبارها أموراً وهمية غير طبيعية غير مادية ليس لها قيمة تفسيرية؟

الفرق بينهم لا يكمن في وصفهم للطبيعة البشرية، وإنما في طبيعة النتائج التي يتوصلون إليها انطلاقا من هذه المقدمات.

فهناك التقدميون ممن طرحوا برنامجاً إصلاحياً، ثم هناك المأساويون الذين أدركوا المأساة فتقبلوا الوضع ولم يأتوا بحل، وهناك أخيرا العدميون البرغماتيون ممن قبلوا الظلمة باعتبارها أمراً نهائياً لابد من الإذعان له.

1- التقدميون كماركس ودوركهايم ومن ينحون نحوهما يرون إمكانية التصدي للظلمة، فهي ليست حالة نهائية ويمكن تأسيس مجتمعات عقلانية مادية حديثة من خلال تطوير آليات معينة للانعتاق ولمحاصرة الظلمة مثل الثورة الاجتماعية والدولة التنين وتحسين البيئة الاجتماعية وربما تحسين الجنس البشري نفسه من خلال الهندسة الوراثية.

2- المأساويون كفيبر وغيره: يمكننا القول أن هناك مجموعة من المفكرين أدركوا أن الاستنارة المظلمة متضمنة في فكر الاستنارة المضيئة والعقلانية المادية، وأنه لا يوجد أي حل لهذه المشكلة.

ولعل من أهم هؤلاء العالم الاجتماعي جورج زيميل وماكس فيبر، فقد وصف كلاهما كيف أن تزايد هيمنة الإنسان على الطبيعة مع تزايد معدلات الاستنارة ستودي بالإنسان وتُدخله القفص الحديدي.

وقد أثر فكرهما في مفكري مدرسة فرانكفورت الذين تحدثوا عن ”مأساة الاستنارة“ و”ليل الاستنارة البارد“ والذين يذهبون إلى أن الاستنارة هي دعوة لأن ينظر الإنسان إلى الطبيعة باعتبارها مادة قابلة للتحويل والاستعمال.

3- العدميون البرغماتيون كدريدا: وهؤلاء هم الذين يرون أنه لا جدوى من الحرب ضد الظلمة ولابد من تقبلها والتكيف معها، حيث أنهم أساسا لا يرون أنها ظلمة، فهم يبشرون بها. ونحن معاصرون لهذه العدمية البرجماتية، المتمثلة في فكر ما بعد الحداثة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك