راشد الغنوشي

انعقد في تونس بين السادس عشر والثامن عشر من هذا الشهر مؤتمر مجتمع المعلومات، تحت إشراف الأمم المتحدة، وكان على مرحلتين توفيقا بين تنافس محموم على استضافته حصل بين دولتين هما تونس وسويسرا. انعقدت المرحلة الأولى في سويسرا، والثانية بتونس في التاريخ المذكور, وحضرته وفود رسمية وشعبية من كل أنحاء العالم، لما تمثله شبكة الانترنيت من تحديات على مختلف المستويات، بما يجعل إدارتها مسألة بالغة الأهمية تتصل مباشرة بسيادة الدول من جهة وعلاقة كل دولة بشعبها.

والمشكل يتلخص في مسألتين: الأولى هل من سبيل لتجاوز سياسة الأمر الواقع: السيطرة الأميركية المطلقة على الشبكة، في اتجاه إدارة مشتركة للشبكة تجعل القرار والسياسة فيها لا تستقل بهما دولة واحدة؟. والمسألة الثانية تتعلق بالمعايير المستخدمة من قبل الدول في الإباحة أو الحظر؟ أي مدى حقوق الأفراد والجماعات في الوصول إلى مصادر المعلومات وفي تداولها.

وإذا كان الخلاف حول المسألة الثانية يسيرا باعتباره مندرجا ضمن المعايير الدولية للحقوق والحريات التي على الدولة أن توفرها لشعبها حتى تكون دولة حق وقانون، فإن المسالة الأولى عويصة بسبب إصرار الولايات المتحدة باعثة هذه الشبكة والمتحكمة فيها والمستفيد الأكبر منها على رفض كل محاولة للتنازل عن هذا الامتياز بذرائع شتى مثل "مقاومة الإرهاب" وعصابات الإجرام، بما جعل القمة الأولى كالثانية تصطدم بهذه العقبة ولا تجد سبيلا لإنقاذ ماء الوجه غير الاتفاق على تكوين منتدى دولي للحوار بحثا عن صورة وفاقية مرضية لإدارة دولية للشبكة.

"
فشلت القمة بالقياس إلى الغرض الأساسي الذي جعلت من أجله وهو ردم الهوة الرقمية بين دول الشمال الغنية والدول الفقيرة, إذ لم تنجح في اقناع القابض بيديه على زمام الشبكة أن يرخي قبضته ولو قليلا، وجل ما سمح به فتح حوار حول المسألة خلال السنتين القادمتين
"
وهذا "الحل" ليس غير تأجيل المشكل, فالقمة بالقياس إلى الغرض الأساسي الذي جعلت من أجله: ردم الهوة الرقمية بين دول الشمال الغنية المستخدمة بكثافة لوسائل الاتصال الحديثة والدول الفقيرة المحرومة من تلك الإمكانات، تعتبر فاشلة، إذ لم تنجح في اقناع القابض بيديه على زمام الشبكة أن يرخي قبضته ولو قليلا، جل ما سمح به فتح حوار حول المسألة خلال السنتين القادمتين.

وكان الفشل في فرض مساعدات على الأغنياء تدفع للفقراء لمساعدتهم على استخدام التقنيات الحديثة، وهو موقف ليس شاذا عن جملة سياسات الدول الغنية في التمسك بثرائها وترفها وإن يكن الثمن دفع بقية العالم إلى فقر ومرض مزيدين. ومثال ذلك احتكار الأدوية الناجعة في القضاء على الأوبئة مثل الإيدز من قبل الشركات الاحتكارية الغربية، وحرمان وصولها بثمن مقدور عليه.

وفي صدد تمكين دول الجنوب من فرص للحصول على تقنيات الاتصال الحديثة بثمن زهيد سبيلا للتنمية، يمكن اعتبار الفكرة العملية الوحيدة التي قدمت في المؤتمر هي فكرة حاسوب بـ100دولارا قدمته شركة أميركية, وما عدا ذلك فدار لقمان على حالها، على نحو أن الأمم المتحدة لو صرفت ما أنفقته من نفقات باهظة على إقامة هذا المؤتمر الدولي، في برامج تعليمية وتدريبية لربما كان أفيد للفقراء، فكان الخاسر الأول في هذا المؤتمر الدولي أحلام الفقراء في نظام دولي عادل، أو قل يتوفر على قدر من التوازن أو حتى من الرحمة.

والخاسر الثاني هو نظام الأمم المتحدة الذي لم تستطع ستة عقود على قيامه أن تسوّي قليلا من العوج الذي قام عليه، منحازا للأقوياء الأغنياء يزيدهم قوة وغنى ويضفي عليه "شرعية دولية"، فظلت مؤسسات الأمم المتحدة جسرا متداعيا بين عالمين مختلفين بالكامل.

أما الخاسر الثالث في المؤتمر فهو نظام الرئيس بن علي، وخسارته كانت أهم مفاجآت القمة لأنه استمات في انتزاع شرف الاستضافة لما يقدمه لنظامه من تزكيات دولية ردا لأصوات الناقدين لملفه الحقوقي والإعلامي والسياسي، إذ عدّته جمعية الناشرين الدولية ضمن أسوأ عشرة أنظمة في العالم قمعا للإعلام، فكان حريصا على مواجهة التحدي باستضافة مؤتمر إعلامي دولي يدور حول أحدث وسائله: الإنترنت، ليحصل على شهادة على ما يمكن لبلد صغير محدود الموارد أن يبلغه من مستويات تحديث تقني ومن قدرات عالية على تنظيم مؤتمر دولي يستقطب حوالي عشرين ألفا من المشتغلين بالإنترنت والإعلام عامة فيضيف إلى الشهادات المتهاطلة عليه تزكي ملفه التنموي الاقتصادي وملفه الاجتماعي -تحريرا للمرأة - تزكية أخرى في مجال التقنيات الحديثة تقنيات الحاسوب.

"
الخاسر الأول في قمة المعلومات هو أحلام الفقراء, والخاسر الثاني هو نظام الأمم المتحدة المعوج, أما الخاسر الثالث فهو نظام بن علي، لأنه استمات في انتزاع شرف استضافة القمة فيما عدّته جمعية الناشرين الدولية ضمن أسوأ عشرة أنظمة في العالم قمعا للإعلام
"
تلك هي حسبة الرئيس التي حيرت الكثيرين الذين لم يدركوا مبعث شدة حرص تونس "وهي من أكثر بلدان العالم محاربة لاستخدام التقنية في نقل وتبادل المعلومات، كما يدعو للاستغراب رغبة المنظمين في اختيار تونس محطة للقمة المعلوماتية"، فلم ينتبه إلى أنه سيجعل تونس الصغيرة تحت أضخم المجاهر وأسطع الأضواء، بما يفرض عليه إما الإقدام قبل انعقاد المؤتمر على إصلاحات جذرية في مجال الحريات الإعلامية والسياسية، فيفتح أبواب سجونه تتنفس الهواء النقي ويفك القيود الثقيلة التي تكبل الأحزاب والجمعيات، ويرفع الأغلال عن الإعلام وشبكة الإنترنت والرقابة على الهواتف، وذلك ما كان يتوقعه العقلاء، ولكنه فعل النقيض من ذلك فهجم على القضاة والمحامين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان مطمئنا إلى الغطاء الدولي الذي سيقدمه المؤتمر.

أما الاحتمال الآخر الذي كان يسعه إذا كان غير مستعد للإقدام على مثل تلك القرارات، فهو الاعتذار عن عدم الاستضافة، إذ ليس لدينا في سوق الإعلام ما نعرضه بل كل الذي عندنا هو من صنف ما هو جدير بشدة التكتم عليه، ولكن يبدو أن القوم قد اطمأنوا إلى دعم نفوذ اللوبي، فسبحوا ضد حقائق الأشياء: ليس في تونس سجناء سياسيون وأن تونس دولة تنتمي إلى عالم الحداثة والدليل تشجيعها على اقتناء الحاسوب، وتحريرها للمرأة! حتى وإن اتخذتها مجرد زينة في المحافل.

تونس حديثة حتى ولو ظل رئيسها ينتخب بالتسعات المعروفة وحزبه يحكم بانفراد منذ نصف قرن، وإن امتلأت سجونها بالأحرار ومنهم مستخدمو الإنترنت، وأنها حديثة حتى وإن حظيت بأطول تقارير المنظمات الأممية الحقوقية شجبا للتعذيب، وازدحمت البلدان بمهاجريها. إنه الاحتقار لوعي الناس.

أما الطرف الثاني الذي يدعو للغرابة فهو قبول المنظمات الأممية بتونس بعد سويسرا مباشرة محطة لهذا المؤتمر الدولي. هل مبعث ذلك الجهل بحال الحريات في تونس ومنها وضع شبكة الإنترنت بينما البلاد عرفت أولى محاكمة في العالم لمستخدمي الإنترنت ولا يزال عشرات الشبان قابعين في السجن بسبب إبحار لم تأذن به السلطة؟

الأمم المتحدة لا تعذر بالجهل إذا كان الجهل عذرا، فلقد سبق لمقرر الأمم المتحدة المختص في حقوق الإنسان أن زار تونس وأصدر إدانات قاطعة لانتهاكاتها لحقوق الإنسان ومنها حرية الإعلام، بل الأمر بلغ مستوى أعلى من ذلك إذ أقدم مستشار الأمين العام المختص في شؤون التقنية البروفسور سيزهملنيك على الاستقالة احتجاجا على إصرار الأمين العام على قبول استضافة تونس للمؤتمر.

"
لو التفتنا جهة الكاسبين من القمة فسنجد على رأسها الكيان الصهيوني وقد استبدل شارون بشالوم، وحقق أهم اختراق في المنطقة خلال العشرية الأخيرة، ولأول مرة تنزل طائرة العال على أرض تونسية ومباشرة من فلسطين المحتلة "
الأمر إذن أخطر من أن يفسر بالجهل، إنه أقرب إلى التواطؤ والصفقات التي كثيرا ما تتحكم في قرارات أممية تحت طائلة نفوذ جماعات الضغط. هل يمكن الفصل بين قرار دعوة بن علي لشارون ضيفا مبجلا منطلقا لحملة تطبيعية، وبين قرار الأمم المتحدة في عقد المؤتمر بتونس؟

الكاسبون: لو التفتنا جهة الكاسبين فسنجد على رأسها الكيان الصهيوني وقد استبدل شارون بشالوم، فلقد حقق أهم اختراق في المنطقة خلال العشرية الأخيرة، لأول مرة تنزل طائرة العال على أرض تونسية ومباشرة من فلسطين المحتلة حاملة لوفد من مائة وخمسين شخصية، تنزل في مطار داخلي بجزيرة جربة ويرفع من الطائرة العلمان الصهيوني والتونسي في حفل مهيب، ثم كانت الزيارة للحي الذي ولد فيه الصهيوني الوزير، وما جره ذلك على أهل الحي من حصار. وحظي ممثل دولة الاغتصاب الصهيوني باستقبال رئاسي وعشاء على مائدة الرئيس.. كل ذلك والدعاية الرسمية تصر على أن لا علاقة لشيء من ذلك بالتطبيع.

فضلا عما تكبده شعب تونس من بلاء جراء هذه الزيارة من عسكرة واعتقالات ومواجهات لعشرات المسيرات عمت البلاد منذ وجهت الدعوة للكيان الصهيوني لزيارة البلاد، ما أسهم في تعميق الهوة بين الحكم والشعب المجمع على رفض الزيارة وتدنيس الوطن بأقدام الصهيوني. ولم تشذ عن الإجماع حتى أقرب الأحزاب إلى الحكم.

المعارضة: ومن المفارقة أن تكون المعارضة وبصفة عرضية الرابح الثاني، فبدل أن يحدث ما كان يرمي النظام إليه من إسدال ستار آخر من التعتيم على واقع البلاد البائس واستجداء شهادات أخرى على حداثته، نجحت المعارضة في استقطاب الأضواء إلى حقائق وضع الحريات وأوضاع المساجين بمن فيهم شباب الإنترنت، وتولت ذلك نخبة من رموز المجتمع شنوا منذ 18 أكتوبر/ تشرين الأول إضرابا عن الطعام حمل اسم حركة 18 أكتوبر استمر شهرا، وبلغ أوج استقطاب الأضواء إليه خلال الأيام الثلاثة لانعقاد المؤتمر.

ودلت الأحداث على مدى نجاح التحرك بما استقطبه من تأييد داخلي واسع، فامتدت لجان المساندة واندلعت إضرابات نقابية ومسيرات طلابية وتحركت تونس المهاجرة، وتحول مكان الإضراب محجة للصحفيين والدبلوماسيين وبالخصوص خلال أيام المؤتمر وذلك بسبب وجاهة المطالب الثلاثة التي حملها التحرك: رفع القيود عن الإعلام وعن الأحزاب والجمعيات وإطلاق سراح المساجين.

"
انقلب السحر على الساحر وتحول مؤتمر أرادته السلطة مؤتمر علاقات عامة إلى أكبر عملية فضح غير مسبوقة, وعلى قدر ما كان حرص السلطة على عقد المؤتمر لا بد أنها اليوم تعض الأصابع حسرة على ما آلت إليه الأمور
"

ثم بسبب تنوع القائمين بهذا التحرك، إذ مثلوا الطيف السياسي والفكري التونسي يساريين وشيوعيين وقوميين وإسلاميين. ولقد أفادوا لتحركهم من أخطاء السلطة خلال المؤتمر، إذ بلغ توترها الأمني وتضييقها على الصحفيين حد طعن مراسل ليبراسيون الفرنسية بسكين فانقلب الإعلام الفرنسي رأسا على عقب ضد السلطة، كما أقدمت السلطة على محاصرة منظمات المجتمع المدني لمنعها من عقد مؤتمر مواز.

وبلغت الحماقة أوجها إذ أقدمت السلطة على قطع البث الرسمي عن خطاب رئيس الدولة السويسرية لأنه أبدى استغرابه من وجود أعضاء في الأمم المتحدة لا يحترمون حقوق الإنسان، وأن مجتمع المعلومات لا يمكن أن يتم دون حرية وأن الحرية ينبغي أن تكون في تونس مضمونة داخل هذه القاعة وخارجها، فارتجت القاعة بالهتاف وقطع البث.

وكان ذلك عاملا آخر في توتير الصحافة الغربية ضد ما جرى في تونس. وهكذا انقلب السحر على الساحر وتحول مؤتمر أرادته السلطة مؤتمر علاقات عامة ومزيدا من المكياج، إلى أكبر عملية فضح غير مسبوقة. وتبين قصور العقل البشري عن الإحاطة بغايات الأشياء، فعلى قدر ما كان حرص السلطة على عقد المؤتمر لا بد أنها اليوم تعض الأصابع حسرة على ما آلت إليه الأمور.

أما المعارضة التي بذلت كل وسعها متعاونة مع كل القوى المدافعة عن الحريات الإعلامية والحقوقية، من أجل ثني عزيمة الأمم المتحدة عن تمكين النظام من استضافة القمة، لا شك أنها مبتهجة بما آلت إليه الأمور من نجاحها الباهر في كشف المستور عن حقيقة وضع الحريات المأسوي في تونس، كنجاحها في قيادة تحرك فاعل على أرضية مطالب مشتركة يمكن أن يمثل فاتحة لعمل معارض جبهوي يضع السلطة بين خيارين: إما الاستجابة لبرنامج الإصلاح الذي قدمه تحرك 18 أكتوبر، أو إفساح المجال أمام بديل يحقق ذلك.

وهكذا يمكن لطرفي الصراع أن يتلوا من كتاب الله صادقا "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير"، فأين ستتجه كل من السلطة والمعارضة في ضوء نتائج مؤتمر انعقد في تونس فتحولت موضوعا له؟
ــــــــــــــــــ
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة