تركي علي الربيعو

قيل في تقريظ إعلان دمشق الصادر في 16/10/2005 الكثير، فقد وصف من قبل المتحمسين له على أنه "حدث في غاية الأهمية" وأنه "خطوة متقدمة نحو فرز القوى حول مشروع التغيير السياسي" وأنه "خطوة هامة متقدمة" وتحمس له أحد الموقعين عليه من لجان المجتمع المدني بوصفه "دليل عمل".

وهذا ما يذكرنا بالأدبيات الماركسية في عصر الثورات الكبرى وبالأخص في أميركا اللاتينية، حين أصبحت كتابات الثائر البوليفي تشي غيفارا والمفكر الفرنسي ريجيس دوبريه الذي يصفه أدوارد سعيد بأنه "متعدد البراعات ومبدع"، وبالأخص كتابه "ثورة في الثورة" بمثابة دليل نظري وعملي للأحزاب والحركات المسلحة في جميع دول العالم. وهذا ما اعترف به دوبريه بعد أكثر من عقدين من الزمن.

"
الدعوة إلى إزالة كلمة العربية من "الجمهورية العربية السورية" بضغط من قوى راديكالية كردية باتت هي القاسم لأغلب التظاهرات والندوات التي تعيشها دمشق
"
ووصف أحد الليبراليين العرب ممن يحملون شحنة ليبرالية زائدة هذا الإعلان بأنه "إعلان دمشق المبارك" وأنه "خطوة ضرورية نوعية"، وقالت الصحافة العالمية إنه شاهد "على أن المعارضة السورية بدأت تتوحد" وإنه شاهد على "أن المعارضة بدأت تنضج".... إلخ.

كل هذه الشهادات تأتي على الرغم من بعض الاعتراضات عليه من قبل أحزاب في الداخل احتجت على "طرحه الطائفي" عندما اعتبر أن "الإسلام هو دين الأكثرية" وعندما أغفل البعد القومي للقضية الكردية في سوريا.

هذا ما رأته بعض الأحزاب الكردية الراديكالية التي ترى أن مطالب الأكراد هي مطالب قومية قبل أن تكون مطالب إنسانية تتعلق بالمواطنة والحريات العامة، فالأكراد هم القومية الثانية في سوريا بعد العرب كما تقول بيانات هذه الأحزاب.

لن ألفت النظر في هذه المقالة إلى ما يقوله الإعلان ويطالب به من حريات عامة وإلغاء لقانون الطوارئ وضرورة "إقامة النظام الوطني الديمقراطي باعتباره المدخل الأساسي في مشروع التغيير والإصلاح السياسي"، ومن "اعتماد الديمقراطية كنظام حديث".. إلخ، فهذه باتت أيضا من البديهيات في برامج أحزاب المعارضة وأدلة عملها المأخوذة بما سمّاه محمد عابد الجابري "سحر القول في الديمقراطية" السحر الذي يجعل من الديمقراطية كما هو الحال في الحالة العراقية، كلمة حق يراد بها باطل.

لنقل بموازاة ذلك، كلمة حق يراد بها تأبيد التاريخ والوقوف عند مستوى الأقلية القومية أو مستوى الطائفة المذهبية، الذي يتزامن مع كثرة الحديث عن الفسيفساء التاريخية التي تكون نسيج المجتمع السوري الذي يمثل بدوره استعادة لخطاب استشراقي عفا عليه الدهر.

والدعوة إلى إزالة كلمة العربية من "الجمهورية العربية السورية" بضغط من قوى راديكالية كردية باتت هي القاسم لأغلب التظاهرات والندوات التي تعيشها دمشق.

وهذا ما دفع أحد أبرز قياديي المعارضة في سوريا إلى سؤال استنكاري يعيب فيه على المعارضة المأخوذة حتى لبابها بنظرية الفسيفساء الاستشراقية المنشأ: كم أمة توجد في سوريا؟ فالأكراد يطالبون كما أسلفت بأن يكونوا هم القومية الثانية في سوريا، والآشوريون يؤكدون في بيانهم الصادر عقب إعلان دمشق الذي يذكرون فيه بعض "النقاط الإيجابية" للإعلان على "ضرورة الإشارة إلى الدين المسيحي باعتباره دين سوريا قبل الإسلام".

"
لا نستغرب في السياق الذي يسمع فيه حديث عن حنين فرنسي إلى لعب دور الوصاية، أن يرى البعض في سوريا مشروعا تقسيميا إلى أربع دويلات أو خمس على غرار ما كانت عليه في مرحلة الانتداب الفرنسي
"
وقد لا نستغرب في هذا السياق الذي يسمع فيه حديث عن حنين فرنسي إلى لعب دور الوصاية، أن يرى البعض في سوريا مشروعا تقسيميا إلى أربع دويلات أو خمس على غرار ما كانت عليه في مرحلة الانتداب الفرنسي؟

يستهل الإعلان بالقول: "تتعرض سوريا اليوم لأخطار لم تشهدها من قبل نتيجة السياسيات التي سلكها النظام، ولذلك فإن المطلوب هو تعبئة جميع طاقات سوريا الوطن والشعب، في مهمة تغيير إنقاذية، تخرج البلاد من صيغة الدولة الأمنية التي صادرت البلاد والعباد إلى صيغة الدولة السياسية لأن اللحظة الراهنة تتطلب موقفا وطنيا شجاعا ومسؤولا".

يسكت الإعلان عن "اللحظة الراهنة" فلا يقول لنا ما هي طبيعتها ولا في أي أفق تندرج، هل تندرج في إطار الهجمة الإمبريالية على الوطن العربي حيث غاب هذا المفهوم عن الإعلان ليحل محله مفهوم "المنظومة العربية" وكأن سوريا دولة من دول البحر الكاريبي كما علّق أحدهم؟

وهل تندرج هذه "اللحظة الراهنة" في إطار الهجمة الأميركية على العراق وسوريا وفلسطين بالأخص أم لا؟ وما علاقة هذه "اللحظة الراهنة" بمساعي الإدارة الأميركية إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط الجديد الذي بشّر به منذ سنوات شمعون بيريز في كتابه الذي يحمل هذا العنوان؟

الإعلان يسكت عن كل ذلك، وعلى ما يبدو فقد خانته الشجاعة هنا مع أن مزاعمه تقول غير ذلك، حتى عندما تحدث عن "تحرير الأراضي المحتلة واستعادة الجولان" لم يأت على ذكر إسرائيل ولم يسمها.

وغاب عنه مصطلح "الكيان الصهيوني" السائد في الأدبيات السورية حيث يأسف المرحوم أدوارد سعيد على غياب هذا المصطلح عن الأدبيات السياسية العربية، ولم يذكر اسم أميركا، أحرى أن يذكرها بسوء، ولم يتحدث عن هجمتها الإمبريالية العالمية، وكأن البيان يستبطن موقفا تصالحياً مع إسرائيل التي يسميها أحد البيانات الموازية للإعلان بدولة من دول الجوار الجغرافي.

وأعود لأتساءل: لماذا يسكت البيان عن ذكر أميركا وإسرائيل وعن الدور التخريبي للنظام الإمبريالي على صعيد عالمي؟ فأين ذهبت كل أدبيات اليسار العربي والكردي من الموقعين على الإعلان، تلك الأدبيات التي كانت تندد بالإمبريالية الأميركية على مدى عقود من الزمن؟ كذلك أين ذهبت أدبيات التنمية التي تعزي التخلف والتراجع على صعيد عالمي للدور التخريبي للنظام الرأسمالي العالمي؟

هل يندرج هذا المسكوت عنه في إطار الغفلة السياسية أم يكتفي الإعلان بهاجس استبداد النظام السوري الذي طال عهده وتباطؤه في الإصلاح كما اعترف الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه التاريخي على مدرج جامعة دمشق بتاريخ 10/11/2005؟

أم أنه يحابي أميركا وإسرائيل ليكون للطرفين نوايا طيبة في حال وصوله إلى السلطة كما هو الحال في النموذج العراقي الذي بات أنموذجا يحتذى؟

"
الاستبداد السياسي يعمي البصيرة وكثيرا ما يدفع إلى ما سمّاه أحدهم "فقه النكاية السياسي" أي الوقوف ضد النظام ومع أعدائه نكاية به كما جرى في الحالة العراقية، فيتشبث المعارضون بالديمقراطية الأميركية ضد الاستبداد في الداخل فلا يحصدون سوى الريح
"
أم أنه يجامل القوى الكردية الموقعة على البيان، خاصة أن نصف الموقعين هم من الأكراد الذي يرون في الولايات المتحدة الأميركية قوة تحرير لا دولة استعمارية كما عبّرت عن ذلك التظاهرات التي عاشتها مدينة القامشلي في العامين المنصرمين حين قادتها تلك الأحزاب التي حيت فيها الولايات المتحدة الأميركية والرئيس بوش باعتباره أبا الحرية "أبو آزاد" كما جاء في الهتافات وتعني أبو الحرية كما أسلفت؟.

يبدو لي أن الاستبداد السياسي يعمي البصيرة وأنه كثيرا ما يدفع إلى ما سمّاه أحدهم "فقه النكاية السياسي"، أي الوقوف ضد النظام ومع أعدائه نكاية به، كما جرى في الحالة العراقية، فيتشبث المعارضون للنظام بالديمقراطية الأميركية ضد الاستبداد في الداخل فلا يحصدون سوى الريح.

لا بل هم يجعلون من الاستبداد ذريعة للهجوم على البلد، فيصبحون جزءا من الأجندة الأميركية عن نية سيئة أو نية حسنة، وعلى ما يبدو فإن جهنم الأميركية مبطنة بأصحاب النوايا الحسنة من الليبراليين العرب والمثقفين معا، والشواهد على ذلك كثيرة.

وسآتي بمثال، فأثناء حضورنا "مؤتمر الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي" (الدوحة 3ـ4 يونيو 2004) الذي حضره جمع غفير من المثقفين والأكاديميين والسياسيين، تحمس الليبراليون العراقيون والعرب للقول في مسودة البيان الختامي إن استبداد النظام العراقي هو الذي قاد إلى الاحتلال.

قوبلت المسودة باعتراضات لا حدود لها من المؤتمرين أدت إلى تغييرها بعد أن نوقشت فقرة فقرة، خاصة وأن كتاب بوب وودورد الموسوم باسم "خطة الهجوم" قد صدر في ذلك اليوم بعد أن تناقلت وكالات الأنباء خبر صدوره ومضمونه معا، وهو يعزو احتلال العراق إلى خطة هجوم وضعها الرئيس بوش الابن ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رمسفيلد ومساعدوه وكان الليبراليون العراقيون جزءا من أجندتها.

وفي رأيي أن المثقفين السوريين الذين يؤكدون على أن استمرار النهج الاستبدادي للنظام سيؤدي إلى الفوضى الداخلية أو الاحتلال الخارجي، يقعون عن حسن نية في نفس الشرك الذي يستهدف المنطقة كلها لا سوريا وحدها وذلك مع علمهم أن هناك "خطة هجوم على سوريا" تستهدف فيما تستهدف إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط من جديد وهذا ما لا يخفيه الأميركيون.

"
المثقفون السوريون الذين يؤكدون أن استمرار النهج الاستبدادي للنظام سيؤدي إلى الفوضى الداخلية أو الاحتلال الخارجي، يقعون عن حسن نية في نفس الشرك الذي يستهدف المنطقة كلها لا سوريا وحدها
"
بعد مضي أقل من شهر على صدور إعلان دمشق اجتمعت اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق، لتصدر بيانا تقويميا لخطاب الرئيس السوري الذي جئنا على ذكره، فلم تلتفت إلى حججه التي يسوقها عن الدور الأميركي في المنطقة.

فالخطاب كما يقول البيان يمثل صدمة "لأنه جاء بعيدا عن توقعات السوريين والعرب والرأي العام العالمي، وانعطافة حادة في الموقف السوري الرسمي" الذي يضع سوريا في مواجهة مع المجتمع الدولي، خاصة أنه لا مصلحة للشعب السوري في مواجهة المجتمع الدولي.

لم يأت البيان أيضا على الدور الأميركي الذي تخفى وراء مصطلح المجتمع الدولي، وكان هذا بمثابة تأكيد من وجهة نظرنا على رؤية سياسية تصالحية جديدة يحملها خطاب المعارضة السورية في رؤيته للدور الأميركي المسكوت عنه؟

لا شك أن إعلان دمشق خطوة هامة، ولكنه يجب أن يستدرك خطوات سكت الإعلان عنها عمدا أو سهوا تحت وطأة استبداد سلب منه بصيرته وتحت وطأة رؤيا كسيحة يجمع كثير من المعارضة على أنها العلامة الفارقة للمعارضة السورية.

فهل من سبيل إلى رؤية نقدية تتجاوز الرؤية الحسيرة وفقه النكاية معا؟ هذا ما نطمح إليه في هذه "اللحظة الحرجة" التي عجز إعلان دمشق والبيان اللاحق له عن وصفها، فراح يسبح في العموميات ويكرر كثيرا من البديهيات الملغومة؟
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة