عاطف عبد الحميد

مصادر العنف
الحركات الكشميرية المسلحة
مواجهة العنف بالعنف
تشابك الأدوار

في روايته الصادرة قبل شهرين "شاليمار المهرج" يعرض الكاتب المثير للجدل سلمان رشدي حكاية فتى كشميري حولته الجماعات الجهادية من لاعب أكروبات يعشق راقصة هندوسية إلى "إرهابي" يقتل الأبرياء بدم بارد.

في الرواية الكثير من الصور المتداخلة التي ترى في كشمير -جنة الأرض- اختزالا للحياة الآمنة بين المسلمين والهندوس قبل أن يحولها العنف الديني إلى جحيم.

يهدف المقال الحالي إلى البحث في المشاهد الخلفية للتفجيرات التي شهدتها العاصمة الهندية نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وتسببت في قتل وجرح العشرات، وذلك من خلال دراسة مصادر العنف وارتباطه بالورطة الهندية في كشمير.

مصادر العنف

"
هناك أربعة مصادر رئيسية ساهمت في أن يبقى ملف العنف في الهند مفتوحا هي: الجار المسلم الباكستاني, واليمين الهندوسي المتطرف, والأحزاب السياسية التي تشعل الفتن الطائفية, والحركات الكشميرية المسلحة 
"
تتفاوت أشكال العنف في الهند بين التفجير عن بعد، وإضرام النيران في الممتلكات، وتجميع الأفراد وإشعال النيران فيهم أحياء، أو تقطيعهم إربا، أو قتلهم بتفجير منازلهم باسطوانات الغاز, كما لا يتورع القائمون بالعنف عن التمثيل بجثث أعدائهم.

ويتفاوت العنف فى توزيعه الجغرافي بين نقاط ساخنة تشملها بعض أحياء العاصمة والمدن الكبرى إلى ولايات بحجم دول متوسطة المساحة، ويسقط على أثره قتلى تقدر أعدادهم بعشرات الألوف وجرحى ومشردين بأعداد تقدر بمئات الألوف.

تتصدر ولايات غوجرات ومهراشترا وأُتار براديش وجامو وكشمير قائمة المناطق الأكثر تعرضا للعنف في الهند ، ورغم أن العاصمة نيودلهي تشهد بين الحين والآخر بعض نوبات العنف يسقط فيها عشرات القتلى والجرحى إلا أنها مقارنة بباقي الولايات لا تأتى إلا في ذيل قائمة المناطق الأكثر عنفا من حيث تكرارية الحوادث، وأعداد القتلى والجرحى، والخسائر في الممتلكات.

وهناك أربعة مصادر رئيسية ساهمت في أن يبقى ملف العنف في الهند مفتوحا منذ لحظة الاستقلال في العام 1947 إلى اليوم، وهي:

1- الجار المسلم الباكستاني الذي سلخ دولته عن أرض الهند المقدسة، تلك الأرض التي تمثل لدى الهندوس آلهة تُعبد، ولم يتهم هذا الجار بالتسبب في حروب على الحدود في كشمير والبنجاب فقط بل ونسبت مئات حوادث العنف التى شهدتها الأراضي الهندية إلى أذرعه الطويلة الممتدة داخل العمق الهندي فيما يسمى بالطابور الخامس لباكستان من مسلمي الهند أو من المتسللين من باكستان.

2- اليمين الهندوسي المتطرف الذي رفع شعار إنقاذ المقدسات الدينية من الدنس، ويعني إنقاذ المقدسات هدم آلاف المساجد التي يدعي الهندوس أنها كانت معابد قبل الحكم الإسلامي للهند.

وقد تمكن المتطرفون الهندوس بالفعل من هدم المسجد البابري الشهير في العام 1992 كخطوة تمهيدية لرفع أعمدة معبد الإله راما على أنقاض المسجد. بل وانتهكت حرمة كثير من المساجد منذ ذلك التاريخ في حوادث سجلها ناشطون في منظمات حقوق الإنسان الهندية قدموا شهادات عن اقتحام الهندوس للمساجد وتنصيب تماثيل وصور الآلهة الهندوسية على جدرانها وفى مداخلها.

بل إن تيستا سيتالفاد، وهي إحدى الناشطات في منظمة محلية للمرأة، تمكنت من زيارة مسجد بابان شاه في إحدى قرى غوجرات التي شهدت آخر نوبة للعنف الهندوسي ضد المسلمين في العام 2002 فكتبت تقول " لم يتعرض القرآن لتمزيق صفحاته ودهسه فحسب، بل كان لدى المتطرفين الهندوس الوقت الكافي للتغوط عليه!"

3. الأحزاب السياسية التي تزايد على قضايا وطنية فتشعل الفتن بين طوائف الشعب. ويحضرنا هنا موقف وزير الدفاع الهندي جورج فيرناندز -حين كان يدافع عن حكومته أمام انتقاد حزب المؤتمر لأحداث غوجرات التي ذبح فيها الهندوس ألفي مسلم- بقوله " لقد سئمنا تلك البكائيات ، وكأن هذه هي المرة الأولى التي تقتل أم، أو ينتزع جنين من بطن أمه، أو تغتصب ابنة أمام أبيها، أو يقتل أحدهم حرقا..ألم يحدث ذلك للسيخ في دلهي تحت حكم حزب المؤتمر في عام 1984 ؟ " .

ومن خلال اللعبة السياسة والمتاجرة بمشاعر الناس وتهييجهم دينيا شكل اليمين الهندوسي المتعصب بزعامة لال كيشان أدفاني مصدرا مهما للعنف خلال الخمسة عشر سنة الماضية، وهو ما خلق من التوترات الطائفيه ما لم تندمل جراحه إلى اليوم.

4. الحركات الكشميرية المسلحة التي قلدت ما قام به الجيش الأيرلندي والمقاتلين الشيشان فنقلت ضرباتها الموجعة من المنطقة محل النزاع إلى قلب العاصمة النابض.

ولأن المصدر الأخير من العنف هو حديث الساعة فلابد من عرضه بشكل أكثر تفصيلا.

الحركات الكشميرية المسلحة

"
الذين تعاملوا مع الحركات الكشميرية المسلحة يؤكدون تدريبها العسكري العالي وإتقانها لأنواع مختلفة من الأسلحة وفى مقدمتها الصواريخ المتحركة وقدرتها على التعامل بأسلوب حرب العصابات
"
تقدر الجماعات الكشميرية التي تشتبك مع القوات الهندية بالعشرات (عدد البعض 130 حركة وجماعة) أشهرها حركة المجاهدين وجبهة تحرير كشمير وحركة الأنصار وعسكر طيبة وجيش محمد ، والأخيرتان مدرجتان على لائحة الإرهاب الأميركية.

لم تكن تفجيرات نيودلهي قبيل عيد الأنوار نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي المرة الأولى التي تتهم فيها حركات كشميرية بعمليات عنف ضد المدنين الهندوس. فعلى مدى السنوات العشر الماضية اتهمت الحكومة الهندية حركات كشميرية بالهجوم على أهدف هندوسية داخل المدن الهندية كان أشهرها الهجوم الذي شنته حركة "جيش محمد" في صيف عام 2001 على معبد الإله الهندوسي راما في مدينة أيودا حينما كان المتعصبون الهندوس يمهدون لإقامة معبدهم المزعوم على أنقاض المسجد البابري الذي هدموه سلفا.

يؤكد من تعاملوا مع الحركات الكشميرية المسلحة تدريبها العسكري العالي واتقانها لأنواع مختلفة من الأسلحة وفى مقدمتها الصواريخ المتحركة وقدرتها على التعامل بأسلوب حرب العصابات وذلك بعد حوادث شهيرة كبدت فيها القوات الهندية خسائر فادحة.

تتفاوت الأساليب التي تسخدمها الجماعات الكشميرية المسلحة بين الهجوم على مراكز الشرطة وتدبير المفخخات المتحركة والثابتة واغتيال الشخصيات السياسية والقادة العسكريين وخطف السائحين واحتجاز مجموعات من المدنيين والهجوم على المعابد الهندوسية واستهداف الهندوس في أعيادهم الدينية.

وبحسب الإحصاءات التي عاد إليها تيوركيا أتاووف في كتابه "كشمير وجيرانها ..الحكاية والرعب والهدنة" فإن إجمالي العمليات التي قامت بها الجماعات الكشميرية المسلحة في جامو وكشمير خلال السنوات العشر من 1990 إلى 2000 بلغ نحو 46000 عملية ، وقد سقط خلال هذه الحوادث 21000 قتيل، ثلثا هذا الرقم من الهندوس سواء كانوا مسلحين أو مدنيين.

ما يجب ذكره هنا أن الجيش الهندي حتى يتمكن من مجابهة شراسة الحركات الكشميرية قام بتسليح الآلاف من المدنيين في كشمير ليقوموا بدور الجيش الشعبي في المنطقة.

وللدلالة على حجم تسليح هذه الجماعات فإن ما جمعته القوات الهندية في عملياتها الناجحة ضد هذه الجماعات قد زاد عن 80000 قطعة سلاح خلال السنوات العشر المذكورة وتراوحت أنواع هذه الأسلحة بين القنابل والصواريخ والمدافع الرشاشة والألغام الأرضية.

وهناك من المعلومات ما يفيد قيام الحكومة الهندية بالاتصال بالجماعات الكشميرية المسلحة لإيقاف العنف، لكن غياب جبهة موحدة للجماعات الكشميرية يفسد على الهند إبرام اتفاق نهائي ولو في الخفاء. وقد عزى بعض المراقبين الغربيين فشل الهند في الأزمة الكشميرية إلى عدم قدرتها على الوقيعة بين الجماعات الكشميرية وهى السياسة التي نجحت فيها بريطانيا سلفا في المنطقة.

مواجهة العنف بالعنف

"
من فيض المعلومات التي سجلتها منظمات حقوق الإنسان الدولية والهندية ما يؤكد تزايد ما ترتكبه القوات الهندية في كشمير من اعتقال وتعذيب ومداهمات، تؤدى بعضها دورا عكسيا حين تدفع بالمحايدين إلى معسكر الجماعات المسلحة
"
الحركات المسلحة في كشمير لديها من القوة وحرية الحركة والدعم ما يمكنها من إيصال ضرباتها الموجعة إلى أي منطقة في الهند ، وهو ما دفع راغيش قاديان في كتابه "الورطة الكشميرية" إلى الوصول إلى نتيجة مفادها أن الحل الأمثل للهند هو سحق التمردات الكشميرية في عقر دارها باستخدام أقسى أنواع العنف حتى لو وصل الأمر إلى تسوية الأرض بمن عليها.

ولكن هل تدخر القوات الهندية جهدا في حملات التمشيط التي تجرى في كشمير على مدار الساعة؟ المعلومات المتوفرة عن نشاط الجيش الهندي في كشمير تؤكد أن أساليبه المختلفة وصلت إلى السقف الذي لا يمكن تخطيه في عمليات القمع، ولو كان مزيد من القمع سيجلب الحسم لأتبع منذ أمد طويل.

وهناك من فيض المعلومات التي سجلتها منظمات حقوق الإنسان الدولية والهندية ما يؤكد تزايد ما ترتكبه القوات الهندية في كشمير من اعتقال وتعذيب ومداهمات، تؤدى بعضها دورا عكسيا حين تدفع بالمحايدين إلى معسكر الجماعات المسلحة.

وليس هناك من سر تخفيه القوات الهندية في ذلك، وهي لا تدخر جهدا في الاستعانة بالبعيد والقريب لطلب الخبرة والمساعدة. فقد عرض التلفاز الروسي مؤخرا تغطية عسكرية للأسلحة الروسية العاملة في كشمير التي استعان بها الجيش الهندي. لماذا الأسلحة الروسية بالتحديد؟ السبب يعبر عنه أحد الضباط الهنود لمراسل القناة الأولى الروسية بقوله: " لدينا أمل كبير في أن تحقق الأسلحة الروسية في كشمير ما حققته في الشيشان".

وكما أن الأسلحة الروسية التي تصل إلى كشمير لم تحسم صراعا، فإن الخبرة الإسرائيلية المقدمة إلى الهند لمطاردة الإسلاميين في كشمير لم تنقذ الهند من مأزقها الكبير.

البديل الأفضل لسياسة مواجهة العنف بالعنف يقترحه شميت جانغلي، في دراسته "أزمة كشمير بين طبول الحرب وآمال السلام" حين يرى أن إغراق الشطر الهندي من كشمير بفيض من السكان الهندوس هو الحل الأفضل لطرد المسلمين من وادي كشمير إلى باكستان، سواء بعلميات إرهاب عسكرية تدفعهم إلى الحدود، أو بعمليات ترحيل جماعي تلقى بهم على خط الهدنة مع باكستان.

وإذا أخذت الهند بفكرة الإغراق الهندوسي لكشمير فعليها أن تسقط من دستورها المادة (370) التي تمنع غير الكشميريين تملك الأراضي والمنشئات في تلك الولاية، كما أن هذه المادة تحظر على غير الكشميريين الإقامة فيها. وهي خطوة ليست سهلة في دولة تكتسب سمعة دولية في بنائها الديموقراطي.

تشابك الأدوار

"
لا تبدو الاختلافات الظاهرية في منابع العنف في الهند قادرة على إخفاء تداخل الأدوار وتشابك اللاعبين في منطقة ما زالت تعاني تفشي ميراث الكراهية وانعدام الثقة
"
الحل الذي يقترحه الكثيرون هذه الأيام لإيقاف منابع العنف الكشميري أن تعترف الهند بعدم جدوى السيطرة على وادي كشمير فتتخلى عنه لباكستان. وهو حل أشبه بحلم يراه النائم حتى أن الكاتب الهندي كومال أغراوال حين اقترحه في كتابه "الهند التي نحلم بها" توقع أن يتهمه القراء بالخيانة ونقص الانتماء.

ستتمكن الهند حين تنسحب من وادي كشمير- يمضي المتفائلون- من أن تحكم السيطرة على باقي المناطق ذات الأغلبية الهندوسية في الولاية في كل من جامو وكارغل وليه. وستوفر لنفسها ميزانية ضخمة من الإنفاق العسكري الذي تبدده على الصدامات المسلحة في وادي كشمير، وستتحسن سمعة الهند في خريطة السياحية العالمية –التي شوهت بعد أن طال العنف الكشميري السياح الغربيين بين خطف وقتل- وستتخطى حواجز الاتفاقات التجارية مع باكستان وتتفرغ، وهو الأهم, لمشكلات التنمية المحلية.

لكن هذا الحل على بساطته سيجلب على الحزب السياسي الذي يتبناه الموت والعار وسيكتب له الخروج بلا عودة من الحلبة السياسية حتى لو أوقف منابع العنف الكشميري. وسيؤدى من جديد إلى صعود اليمين الهندوسي المتطرف الذي خبت نجومه الآن بعد صعود حزب المؤتمر .

كما أنه ليس من المستبعد أن يتبع إيقاف العنف الكشميري، بانسحاب الهند من وادي كشمير، إلى إشعال حرب أهلية وحملة انتقام شرسة يشنها الهندوس المتعصبون على المسلمين في الداخل الهندي كرد فعل على انكسار كبريائهم في كشمير.

هكذا لا تبدو الاختلافات الظاهرية في منابع العنف في الهند قادرة على إخفاء تداخل الأدوار وتشابك اللاعبين في منطقة ما زالت تعاني تفشي ميراث الكراهية وانعدام الثقة، وهو ما يزيد من عمق الشرخ ويجعل من الهواجس والدماء الملامح الأكثر حضورا في الهند اليوم.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة