الطيب بوعزة

- صدام الحضارات
- مهددات الحضارة الأميركية
- المكسيكيون أم السود؟
- هنتنغتون والفكر الإقصائي

في آخر كتبه "من نحن؟" يتبدى هنتنغتون -أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد- بنفس الحس المنهجي الباحث عن بؤر ومحددات التوتر والصراع الذي بدأ به في كتابه الشهير "صدام الحضارات". لكنه في كتابه هذا لا يتناول الأنساق الثقافية والحضارية عامة، بل يتناول الصدام اللغوي/الإثني داخل المجتمع الأميركي تحديدا.

لكن قبل تناول أطروحة كتابه الجديد بالاختزال والتعليق النقدي، نذكّر برؤيته لطبيعة العلاقات بين التشكيلات والأنساق الثقافية والحضارية التي بلورها في كتابه الذائع الصيت "صدام الحضارات".

"
يرى هنتنغتون في سقوط المعسكر الشرقي إيذانا بانتصار مطلق للأيدولوجية الليبرالية، وبالتالي وصفها بكونها الفكرة التي يحق لها أن تهيمن بل وتُفرض على مختلف أقطار العالم وتعيد نمذجته وفق معاييرها
"
صدام الحضارات
يرى هنتنغتون أنه مع انهيار جدار برلين وزوال المعسكر الشرقي حدثت نقلة نوعية على مستوى الصراع في المجتمع الدولي، حيث لم تعد الحروب حروب أيدولوجيات بل حروب هويات ثقافية وأنساق حضارية. والذي يحدد الهوية الحضارية هي مجموعة عوامل أهمها اللغة والدين والتاريخ والأعراف الاجتماعية.

ويلعب الدين في نظره دورا فاعلا أكثر من غيره من المحددات، وينتهي هنتنغتون إلى القول بأن المستقبل يرهص بالانتقال إلى حروب حضارات تنقسم وتتفاصل فيما بينها وفق انقساماتها وتمفصلاتها الدينية. وهو بذلك يلتقي مع مالرو الذي كان قد أعلن قبله أن الأديان ستكون هي المحددات لطبيعة العلاقات والصراعات في القرن الواحد والعشرين.

يختزل هنتنغتون التنوع الحضاري والثقافي الإنساني في ثماني حضارات كبرى أهمها الصينية واليابانية والهندية والإسلامية والغربية. مؤكدا في النهاية على رؤية تفصح عن حتمية الصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية، ملتقيا بذلك مع رؤى سياسية عديدة ظهرت في الفكر الأميركي تتمحور حول ما اصطلح عليه بالخطر الأخضر الذي طرح كبديل عن الخطر الأحمر/الشيوعي.

وفي هذا السياق يتناغم هنتنغتون مع أطروحات فكرية إقصائية عبر عنها كبار المنظرين والممارسين في الحقل السياسي والدبلوماسي الأميركي مثل نيكسون وبريجنسكي وكيسنجر الذين أفصحوا سياسيا عن رؤية تقترب كثيرا من الهيغلية المعلنة عن نهاية التاريخ، التي ستجد ترجمتها الصريحة لاحقا مع فوكوياما.

وكان الدافع إلى صياغة هذه الأطروحات هو ما آل إليه المعسكر الشرقي حيث رأوا في سقوطه إيذانا بانتصار مطلق للأيدولوجية الليبرالية، وبالتالي وصفها بكونها الفكرة التي يحق لها أن تهيمن بل وتُفرض على مختلف أقطار العالم وتعيد نمذجته وفق معاييرها.

وهذا ما يذكرنا بكتاب آخر لهنتنغتون "الموجة الثالثة" الذي حلل فيه قدرة النموذج الديمقراطي على الانتشار بالقياس على غيره من النظم، حيث استحضر حدث انتصار الديمقراطية في البرتغال سنة 1974 الذي سرعان ما تلته أحداث دالة، حيث وقع الانقلاب الديمقراطي في إسبانيا عقب رحيل فرانكو سنة 1975، ثم سقط النظام الأوليغارشي العسكري في اليونان سنة 1976.

"
يرى هنتنغتون أن أكبر خطر يتهدد الحضارة الأميركية من داخلها هم الأميركيون من أصول مكسيكية الذين يتهمهم بخلخلة تجانس وتماسك الهوية الأميركية
"

مهددات الحضارة الأميركية
ورغم هذا التقدير للعالم الأوروبي وتجربته التاريخية فإن هنتنغتون يؤكد على أن استمرارية الحضارة الغربية مرهونة بالشعب الأميركي، لأنه هو وحده المؤهل للحفاظ على هذه الحضارة وحمايتها.

وهنا نأخذ الخيط الناظم بين كتابه "صدام الحضارات" وكتابه "من نحن" إذ في كتابه الأخير هذا يسعى إلى تشخيص واقع الحضارة الأميركية وتحديد ما يهددها، فيقف لدراسة التشكيل الإثني والاجتماعي الأميركي مبرزا المحاذير والمخاطر التي تهدد كينونته.

لكنه لا يقصد الخطر الخارجي، فهذا قد تم تناوله في "صدام الحضارات" على نحو مفصل ومسهب، ولكنه يقصد التهديد الداخلي الثاوي داخل الجسم الأميركي المتمثل في الأميركيين ذوي الأصول المكسيكية.

وهنا يمكن أن نسجل ملاحظة دالة وهي أن كتابه هذا لم يثر اهتماما كبيرا في الولايات المتحدة، بل لم يتم الالتفات إليه كثيرا في الصحف الكبرى، لكنه في المقابل أثار جدلا كبيرا في المكسيك وكذا في الجنوب الغربي الأميركي. وكان الدافع إلى هذا الاهتمام، وخاصة من قبل صحف مدينة ميامي حيث يوجد عدد كبير من الأميركيين ذوي الأصول المكسيكية، راجعا إلى أن هنتنغتون اتهم المكسيكيين بخلخلة تجانس وتماسك الهوية الأميركية، حيث يرى أنهم ظلوا جماعة إثنية ولغوية مغلقة لم تستوعب المحددات الثقافية التي صاغها المهاجرون الأوائل المؤسسون للأمة الأميركية.

ويستحضر هنتنغتون مثال مدينة ميامي التي شهدت هجرة مضادة بسبب طغيان الطابع الإسباني عليها. فكان لابد للأميركيين الأنغلوسكسون أن يشعروا باغتراب داخلها فيفضلون الانتقال إلى الشمال في هجرات تكثفت بين سنوات 1983و1993 حتى بلغ عدد المهاجرين 140 ألفا، ويحذر بأن هذا المصير يهدد لوس أنجلوس والجنوب الغربي الأميركي بأكمله.

بل يذهب أكثر من ذلك حيث يقول إن الأرض التي فقدها المكسيكيون لصالح الولايات المتحدة سنة 1840 أصبحوا يستعيدونها ليس بتمدد جيوسياسي بل بتمدد لغوي، وذلك بأسبنة الجنوب الغربي.

بل يذهب في رؤيته المستشرفة لتحولات المجتمع الأميركي إلى التلميح بوجود محاذير فعلية ترهص بإمكانية حرب داخلية مدعومة من المكسيك للاستقلال عن الولايات المتحدة من طرف هذه الجماعات الإسبانية. الأمر الذي دفع الدبلوماسي والمفكر المكسيكي كارلوس فوينتيس إلى أن يتهم هنتنغتون بأنه يخدع الوعي الأميركي ويركز فيه عقدة "الخوف من الآخر" لإثارته.

"
السود لا يشكلون خطرا في نظر هنتنغتون، لأنهم لا يشكلون سوى 13% من عدد السكان ولأنهم أخذوا يندمجون في المجتمع الأميركي، في حين أن الناطقين بالإسبانية عنصر مهدد
"
المكسيكيون أم السود؟
ويشدد هنتنغتون على خطر المكسيكيين ويخصهم بالنقد، لأن السود في نظره ليسوا خطرا، فهم من جهة لا يشكلون من حيث التعداد الديمغرافي سوى 13 في المئة، ولأنهم من جهة ثانية قد أخذوا يندمجون في المجتمع الأميركي، بل أصبحت رموزهم –مثل مارتن لوثر كينغ– جزءا من الهوية الثقافية الأميركية، في حين أن الناطقين بالإسبانية عنصر مهدد.

وفي ظل هذا النشاز العرقي يؤكد هنتنغتون أن رد الفعل من الإثنية الأنغلوسكسونية –التي عادة ما يفضل تسميتها بـ"الرجال البيض"– من الطبيعي أن يحمل نوعا من العنف تجاه تصاعد هذه الإثنية الإسبانية حيث يقول "كرد فعل لعديد من القوى التي تهدد الأساس الثقافي المشترك للمجتمع الأميركي يمكن أن نلمح صعود حركة مقادة من طرف الأميركيين البيض الذين يطمحون إلى إحياء الهوية الثقافية الأميركية المؤسسة على العرق والانتماء الإثني، وتأسيس أميركا الإقصاء، أي التي تستبعد أو تخضع الإثنيات الأخرى".

ثم يعلق على ما سبق مبررا هذا السلوك الإقصائي قائلا "تشير التجربة التاريخية والمعاصرة إلى أنه محتمل جدا أن تمارس الجماعة التي كانت مهيمنة سابقا إقصاء للجماعات الصاعدة عندما تحس بتهديدها، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور بلد غير متسامح على المستوى العرقي ويتميز بدرجة عالية من الصراعات الإثنية والعرقية الداخلية".

يستعمل هنتنغتون في نصه السابق فكرة خطيرة لكن مغلفة بأسلوب منهجي مستعار من السوسيولوجيا الوصفية، كما يحيل على الاستقراء التاريخي ليؤسس دعوة مبطنة إلى المبادرة بإقصاء وتهميش الأميركيين ذوي الأصول المكسيكية، ويعتبر أن سلوك الإقصاء والتهميش آلية نفسية واجتماعية طبيعية.

لكنه لم يستطع إخفاء اشتغاله هو أيضا بهذه الآلية في نصوص عديدة، بل ومن خلال تكرار مقولات إثنية إقصائية مثل إكثاره من استعمال عبارة "الرجال البيض" وإشارته المتحسرة إلى أنهم أصبحوا أقلية في مجتمعهم وكأنه نسي أن المجتمع الأميركي، باستثناء إثنية الهنود الحمر، هو مجتمع مهاجرين ليس لهم رابط تاريخي بالأرض الأميركية يخول لهم الحديث بهذه اللغة الإقصائية التي قد تفهم وتستساغ في بلدان أخرى تتميز فيها الإثنيات بارتباط أنطلوجي وتاريخي عريق بالأرض.

"
هنتنغتون لا يفصح عن موقف عرقي إقصائي مباشر، لكن نصوصه لا تفترق عن أطروحات اليمين الأميركي في شيء، وتذكر بالنظريات العرقية الاستعلائية الفجة التي حكمت الفكر الفلسفي في القرن التاسع عشر
"
هنتنغتون والفكر الإقصائي
على الرغم من كون هنتنغتون لا يفصح عن موقف عرقي إقصائي مباشر ويحرص على تمرير أطروحته تحت صيغ تتزيى بلبوس المفاهيم العلمية وتتمظهر باستقراء الأحداث وإنجاز مقاربات وصفية باردة محايدة، فإننا عندما نقرأ نصوصه ومعالجته لسؤال الهوية تحضرنا تلك النظريات العرقية البدائية التي سادت الفكر الفلسفي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في تقليعتها الآرية مع جوبينو ورينان وأقطاب الفكر النازي.

صحيح أن هنتنغتون لا يعبر بذات الفجاجة التي نلقاها في الفلسفات العرقية، لكنه يؤسس ويدعم -شاء أم أبى- هذه المواقف العرقية الاستعلائية الفجة. فنصوصه لا تفترق عن أطروحات اليمين الأميركي في شيء، فهي معبرة عن نفس الموقف وإن اختلفت الأساليب والصيغ. وهذا ما أدركه مارك سوليتر عندما أشار في سياق تعليقه على كتاب "صدام الحضارات" إلى أن أطروحات هنتنغتون ليست محايدة بل هي مسكونة بالحس الإمبريالي.

إن الفكر اليميني فكر إقصائي سواء في رؤيته للشعوب والحضارات الأخرى أو في رؤيته إلى كيانه الداخلي حيث يعمل على تهميش أي مكون إثني مغاير له.

وهنا نقول إن هذه النظرة الاستعلائية التي تحكم الوعي الغربي والتي تتجلى في أبشع صورها في نصوص مثقفي اليمين الأميركي نظرة في مسيس الحاجة إلى التصحيح، فالزمن المعاصر هو زمن التقارب والتداخل والتواصل بين الشعوب، وفي مثل هذا الظرف الجيوسياسي الجديد تعد الأفكار الملغية للآخر والمستهجنة والمحتقرة له أفكارا مدمرة ينبغي نقدها ونقضها للتأسيس لواقع دولي بديل يُعترف فيه بإنسانية الكائن الإنساني وحقه في الوجود مهما كان نسبه الإثني أو انتماؤه الثقافي.

لكن الفكر اليميني الأميركي والأوروبي يتجلى في كثير من نماذجه مسكونا برؤية عرقية تحتقر الحضارات والثقافات الأخرى، ومما يثير الانتباه أن مثقفي اليمين لم يستوعبوا حتى تلك المراجعات الأنثربولوجية التي عمرها الآن يزيد على مائة عام، إذ من المعلوم أن الأبحاث الإثنولوجية والأنثربولوجية كانت في بدايتها تنظر إلى الشعوب غير الغربية بنظرة استعلائية تشدد حتى على اختلاف كينونتها الطبيعية والبيولوجية عن الكائن الإنساني الغربي.

وفي هذا المزلق سقط الإثنولوجي ليفي بريل صاحب كتاب "العقلية البدائية"، لكنه تنبه إلى اختلال موقفه وتراجع عنه بشجاعة. كما نبه إلى هذا الفرنسي كلود ليفي ستروس في تحليله للنظم الثقافية في المجتمعات البدائية، حيث انتهى هو الآخر إلى وحدة الجنس البشري وسقوط الرؤية التفاضلية العرقية لأن البشرية بجميع تشكيلاتها الإثنية تشترك في نفس اللاشعور البنيوي.

لكن الرؤية العرقية والإقصائية الجاهلة نراها اليوم تنبعث من جديد بصوتها المشروخ، مؤثرة في مراكز القرار السياسي ومحددة لنمط رؤيته وسلوكه. والنموذج الأميركي خير شاهد، إذ هو تجسيد فعلي لحضارة الاستعلاء والإقصاء والصدام.

صحيح أن سلوكا كهذا لا يليق بحضارة ولا بوعي كائن بشري، إنما يليق بأن يسكن جمجمة ثور فخور بقرنيه لا يعرف لرأسه من وظيفة سوى النطح.

لكن لا غرابة من شيوع هذا النزوع الصدامي في الوعي والسلوك السياسي الأميركي، فأميركا اليوم مجرد ثور هائج اخترق سياج الحظيرة وليس ثمة ما يمنعه أو يحد من هيجانه وصلفه. فلا مسوغ للاندهاش إذن عندما يخرج فقهاء الثور الهائج لينظروا له ويشجعوه على النطح. فهم على ما يبدو لن يتراجعوا عن هذا التشجيع إلا بعد أن تنكسر قرناه أو يخرج إلى الساحة ثور جديد أقدر على المنافسة واقتسام مناطق النفوذ.

ورغم أن كتاب هنتنغتون يركز الانتباه على الحالة الداخلية الأميركية فإنه في النهاية مجرد تأهيل داخلي لجسم الثور ليتمكن من النطح بشكل أفضل وأقوى. لذا لا ينبغي لنا أن نندهش من سلوك الصلف الذي نشاهده في الممارسات السياسية والعسكرية لأميركا اليوم ما دام هذا هو مستوى فقهائها في الحضارة.
ــــــــــ
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة