محمد بن المختار الشنقيطي

محمد بن المختار الشنقيطي

أستاذ الأخلاق السياسية بمركز التشريع الإسلامي والأخلاق في قطر






















الغموض الاصطلاحي في عالم الاستقطاب
المسكوت عنه بشأن المحافظين الجدد
رؤوس أينعت وحان قطافها
ماذا لو كان المحافظون الجدد فلسطينيين؟

كشفت فضيحة المثقف والسياسي اليهودي "لويس ليبي" مساعد نائب الرئيس الأميركي، بشأن تورطه في كشف عميلة لـ CIA ضمن ضغطه لغزو العراق، أبعادا جديدة من أدوار المثقفين الحركيين اليهود المعروفين بالمحافظين الجدد، وأثرهم في صياغة الخيارات الإستراتيجية والسياسات الخارجية الأميركية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي.

وليس من الصعب التكهن بمآل فضيحة لويس ليبي، فالرجل سيحاكَم محاكمة سريعة، وسيدان إدانة مخففة قبل انتهاء ولاية الرئيس بوش، لكي يتمكن بوش من إصدار عفو عنه، كما عفا الرئيس بوش الأب عن زميل "لويس ليبي" في حركة المحافظين الجدد "إيليوت أبرامز" بعد انكشاف دوره في فضيحة إيران كونترا، وكما عفا الرئيس كلينتون في الساعات الأخيرة من ولايته عن رجل الأعمال اليهودي المتورط في نفس الفضيحة "مارك ريتش" بطلب من الحكومة الإسرائيلية، وكان "لويس ليبي" يومها محامي مارك ريش!! فتلك مسالك يدركها المطلع على عمل جماعات الضغط المتنفذة في الولايات المتحدة.

لكن فضيحة لويس ليبي وانسحابه من المسرح السياسي ينبئان عن تضعضع في قوة المحافظين الجدد، وانحسار تدريجي في نفوذهم السياسي.

الغموض الاصطلاحي بعالم الاستقطاب

"
المحافظون الجدد جاؤوا منتقلين من معسكر اليسار إلى اليمين، ومحافظتهم لا علاقة لها بالدين, على خلاف المحافظين التقليديين الذين هم امتداد لثقافة اليمين المتدين الضاربة الجذور في التاريخ الأميركي والأوروبي
"
ولا بد من الإشارة ابتداء إلى أن مصطلح "المحافظين الجدد" من أشد المصطلحات السياسية غموضا في الزمن الحاضر. وهو يشبه إلى حد كبير مصطلح "معاداة السامية" الذي يوصم به من يعادي اليهود، دون تدقيق في دلالة المصطلح اللغوية.

وقد اتسع مدلوله في الأعوام الأخيرة ليشمل كل من يعارض السياسات الإسرائيلية، ولو لم يعاد اليهود شعبا، أو اليهودية اعتقادا. والغموض الاصطلاحي له فوائد عديدة في عالم الدعاية السياسية، خصوصا بالنسبة للأقليات التي تمارس دورا نوعيا أمضى من حجمها العددي، كما هو حال اليهود الأميركيين.

وقد أدى الغموض المتعمد في مصطلح "المحافظين الجدد" إلى خلط بين "المحافظين الجدد" و"المحافظين التقليديين" في المسرح الثقافي والسياسي الأميركي. بينما الواقع يشهد بفروق كبيرة بين الطرفين، أهمها:

• أن المحافظين الجدد جاؤوا منتقلين من معسكر اليسار إلى اليمين، ومحافظتهم لا علاقة لها بالدين. على خلاف المحافظين التقليديين الذين هم امتداد لثقافة اليمين المتدين الضاربة الجذور في التاريخ الأميركي والأوروبي، وهمهم الأهم هو الحفاظ على قيم الأسرة في مجتمع يتحلل.

• أن أغلب المحافظين الجدد –إن لم يكن كلهم- من أصول يهودية، وقد اعترف بذلك الكثير من كتابهم، منهم –مثلا- جوشوا مورافشيك في مقال له بمجلة "كومنتري" يوم 1 سبتمبر/ أيلول 2003. وهي المجلة الناطقة باسم المحافظين الجدد، وتصدرها "اللجنة اليهودية الأميركية"، ويدعوها البعض "إنجيل المحافظين الجدد" .

ومما يحسن تأمله حول المحافظين الجدد كذلك التلون وعدم الاطراد في تفكيرهم:

• فهم أحيانا مع التنوع الثقافي، وقد دعموا الزعيم الزنجي الشهير مارتن لوثر كينغ، بينما عارضه اليمين المسيحي التقليدي. لكن المحافظين الجدد ضد التنوع والتسامح الثقافي إذا تعلق الأمر بالعرب والمسلمين.

• وهم أحيانا دعاة سلام، وقد كانوا من أشد المعارضين للحرب في فيتنام، وكان لهم دور ريادي في حركات الاحتجاج ضدها، لكنهم أشد الناس حماسا للحروب الأميركية في العالم الإسلامي، بل هم منظروها ومسوغوها.

وهذه النقطة الأخيرة جديرة بالتأمل في سياق القضية العراقية الحالية. فقد كان أحد آباء المحافظين الجدد –وهو بودوريتز محرر مجلة "كومنتري" يشارك في المظاهرات ضد الحرب، وحتى لويس ليبي نفسه كان من بين المتظاهرين أيضا ضد حرب فيتنام، على الرغم من أن الاثنين -ومثلهما كل المحافظين الجدد- كانوا أجهر الناس بضرورة غزو العراق، ولا يزالون أشدهم دفاعا عنه.

فالمحافظون الجدد لا ينطلقون من أيديولوجيا متسقة في قضايا السلم والحرب، بقدر ما توجههم مصالح وغايات آنية، أهمها قوة إسرائيل وتفوقها. وهم "صقور" إذا تعلق الأمر بغزو بلد مسلم مثل العراق، "حمائم" إذا تعلق الأمر بغزو بلد آخر مثل فيتنام.

المسكوت عنه بشأن المحافظين الجدد

"
من التبسيط المخل القول إن المثقفين اليهود المعروفين بالمحافظين الجدد "حكومة خفية" ومن الظلم وعدم الدقة اعتبار كل اليهود الأميركيين محافظين جددا ومؤازرين لسياسات التوسع والغزو
"
افتخر بيهودية المحافظين الجدد المؤرخ والأستاذ الجامعي اليهودي "موري فريدمان" في كتابه: "ثورة المحافظين الجدد.. المثقفون اليهود وتشكيل السياسة العامة"، وخصصت له صحيفة لوموند الفرنسية تحليلا مطولا عام 2003، حتى أصبح هذا من البديهيات اليوم. لكن هناك بلدا واحدا في العالم لا يجوز فيه التصريح بأن المحافظين الجدد مجموعة من المثقفين اليهود، إلا إذا كان المصرح بذلك واحدا منهم.. هذا البلد ليس إسرائيل، بل الولايات المتحدة الأميركية.

ومع ذلك فإن من التبسيط المخل القول إن المثقفين اليهود المعروفين بالمحافظين الجدد "حكومة خفية" متحكمة بالسياسات الخارجية الأميركية عبر العالم، ومن الظلم وعدم الدقة اعتبار كل اليهود الأميركيين محافظين جددا ومؤازرين لسياسات التوسع والغزو.. فهناك لوبيات أخرى لها دورها في السياسة الخارجية الأميركية، منها شركات النفط بأهدافها الاقتصادية، واليمين الإنجيلي بأهدافه التنصيرية.

ومن بين اليهود الأميركيين من دون ريب من يقف في وجه الغزو والتوسع بشجاعة.. لكن من السذاجة كذلك أن يتجاهل العرب والمسلمون أولئك المثقفين اليهود الذين يمسكون بمفاصل التنظير الإستراتيجي الأميركي اليوم، ومن البلاهة ألا يدرك العرب والمسلمون أثر المحافظين الجدد الحاسم في الولايات المتحدة، خصوصا إذا تعلق الأمر بقضايا المنطقة العربية، ومجمل العلاقة بالعالم الإسلامي.

رؤوس أينعت وحان قطافها
ومن رؤوس المحافظين الجدد التي سبقت لويس ليبي إلى السقوط في الأعوام الأخيرة، ولأسباب وفضائح ذات صلة بغزو العراق، هؤلاء الرهط الثلاثة وهم:

1- ريتشارد بيرل: خدم في إدارة الرئيس ريغان مساعدا لوزير الدفاع، وثارت حوله فضيحة حينها بسبب توصيته بشراء الأميركيين نظام دفاع من شركة إسرائيلية ثبت فيما بعد أنها دفعت له مبالغ مالية.

ثم خدم في "مجلس سياسات الدفاع" وهي هيئة استشارية تابعة للبنتاغون من العام 1987 إلى العام 2004، وعينه الرئيس جورج بوش رئيسا لذلك المجلس في يوليو/ تموز 2001 وهو المنصب الذي استمر فيه حتى العام 2003 حين انكشف في فضيحة مالية سياسية أودت به.

عاش بيرل فترة من الوقت في إسرائيل، وعمل فترة مديرا لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، وهو مقرب جدا من قيادة حزب ليكود الإسرائيلي، وتجمعه وإياهم رؤى متعصبة ضد الحقوق الفلسطينية. وقد أعد بيرل وآخرون دراسة مشهورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نتنياهو تدعو إلى غزو العراق وتغيير نظامه من أجل تأمين محيط إسرائيل.

وهو من موقِّعي رسالة صادرة يوم 26 يناير/ كانون الثاني 1998 تدعو كلينتون إلى غزو العراق، بحجة أن سياسة احتواء العراق لم تنجح. ونظرا لدوره رئيسا لمجلس سياسات الدفاع، فإن بيرل يعتبر صاحب الأثر الرئيسي في قرار غزو العراق. وقد بذل جهدا خارقا في تسويق الحرب، وقال مرة "إن القانون الدولي حجر عثرة في وجه القيام بالعمل الصحيح في العراق".

2- دوغلاس فايث: تم تكريمه ووالده عام 1997 من طرف "المنظمة الصهيونية الأميركية" لدورهما في "خدمة إسرائيل والشعب اليهودي". كان فايث نائب رئيس مجلس إدارة "المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي" وعمل مساعدا لوزير الدفاع الأميركي في قضايا المفاوضات ضمن إدارة الرئيس ريغان، وقبلها مستشارا لريتشارد بيرل، وخبيرا في شؤون الشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي الأميركي.

"
تساقط رؤوس المحافظين الجدد يعني أن هذا اللوبي الغامض الطبيعة والأدوار بدأ يتكشف للرأي العام الأميركي، وأن تيار اليمين داخل اليهود الأميركيين بدأ يفقد الأرضية لصالح اليهود الليبراليين الذين هم أكثر منطقية واعتدالا  
"
ويعتبر دوغلاس فايث مقربا جدا من قادة حزب ليكود اليميني الإسرائيلي. استقال فايث في أغسطس/ آب الماضي من منصبه مساعدا سياسيا لوزير الدفاع الأميركي، بعد أن ثارت أسئلة كثيرة حول دوره في تحريف المعلومات الاستخباراتية حول العراق، ونشر شائعات كاذبة حول الأسلحة العراقية، عبر "مكتب الخطط الخاصة" التابع له، بما دفع إلى اتخاذ قرار الغزو في النهاية، وكان من أسباب الاستقالة كذلك انفجار فضيحة الجاسوس الإسرائيلي "لاري فرانكلين" الذي كان يعمل مع فايث.

3- بول وولفويتز: من أهم المثقفين والسياسيين اليهود الأميركيين في الوقت الحاضر. عمل مطلع الثمانينيات مدير دائرة التخطيط بوزارة الخارجية الأميركية، وسفيرا في إندونيسيا، وهو من مؤلفي الوثيقة المعروفة باسم "عقيدة بوش" التي تلخص إستراتيجية الحرب الوقائية التي يتبناها الرئيس الأميركي الحالي.. كان له دور لا ينكر في اتخاذ قرار غزو العراق، يوم كان نائب وزير الدفاع الأميركي، وهو المنصب الذي لم يتركه إلا في يناير/ كانون الثاني 2005، حينما عينه الرئيس بوش رئيسا للبنك الدولي.

وليس وولفويتز من متطرفي المحافظين الجدد إذا قورن بالرهط الثلاثة هنا وغيرهم، بل له بعض المواقف التي يدعو فيها لشيء من إنصاف الفلسطينيين. والذي يظهر لنا أن انسحاب بول وولفويتز من منصبه الهام في وزارة الدفاع الأميركية، والانتقال إلى البنك الدولي هو نوع من "الانسحاب الوقائي" الذي يدرك صاحبه فشل المغامرة الدائرة في العراق.

إن تساقط رؤوس المحافظين الجدد بعد الفضائح المتكررة لأدوارهم غير النزيهة في دفع أميركا إلى غزو العراق، وبعد انكشاف فشل المغامرة العراقية برمتها، له مدلول سياسي كبير، وهو أن هذا اللوبي الغامض الطبيعة والأدوار بدأ يتكشف للرأي العام الأميركي، وأن تيار اليمين داخل اليهود الأميركيين بدأ يفقد الأرضية لصالح اليهود الليبراليين الذين هم أكثر منطقية واعتدالا في مساعيهم ومراميهم من المحافظين الجدد.

ماذا لو كان المحافظون الجدد فلسطينيين؟

"
حينما بيّن صحفي كندي أن أغلب المحافظين الجدد يهود، قامت عليه الدنيا ولم تقعد، وجاء رده في شكل سؤال بسيط غاية البساطة، مقنع غاية الإقناع: "ماذا لو كان أغلب المحافظين الجدد فلسطينيين؟ هل ستغزو أميركا العراق؟"
"
كتب "آري شافيت" في صحيفة هآرتس الإسرائيلية مفتخرا يوم 5 أبريل/ نيسان 2004 أن "حرب العراق كانت من بنات أفكار خمسة وعشرين شخصا من المحافظين الجدد أغلبهم من اليهود" ثم عد أسماء قادة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. كما أكد الجنرال أنتوني زيني الرئيس السابق للقيادة الوسطى الأميركية التي تتحكم في خناق دول الشرق الأوسط والخليج العربي، وهي التي نفذت غزو العراق، أن المثقفين اليهود المعروفين بالمحافظين الجدد هم من أشعل حرب العراق خدمة لإسرائيل. وسمى الجنرال زيني الرهط الأربعة الذين تحدثنا عنهم هنا.

لكن من المفارقات أن المثقفين الحركيين اليهود المعروفين باسم "المحافظين الجدد" ينكرون دورهم في غزو العراق، ويفتخرون به في نفس الوقت، حسب الاقتضاء: فهم ينكرونه إذا أدى إلى انكشاف سفكهم للدم الأميركي خدمة لأغراض إسرائيل، أو ظهر اختلال في خطط الغزو، وهم يفخرون به إذا تبين أن حرب العراق قد تخدم بعض المصالح الأميركية.. إنه التلون مرة أخرى.

وقد وصف الصحفي الكندي "كالي لاسن"، محرر مجلة "آد بستر" المحافظين الجدد بأنهم "أعظم قوة ذهنية وسياسية في العالم اليوم، إذ لديهم القوة على إشعال الحروب وعلى إطفائها، وهم أهم المخططين للسياسة الأميركية منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، وهي سياسات تميل بشدة لصالح إسرائيل، وقد جلبت عداء للولايات المتحدة عبر العالم".

ولكن "لاسن" حينما بيّن أن أغلب المحافظين الجدد يهود، قامت عليه الدنيا ولم تقعد، وجاء رده في شكل سؤال بسيط غاية البساطة، مقنع غاية الإقناع: "ماذا لو كان أغلب المحافظين الجدد فلسطينيين؟ هل ستغزو أميركا العراق"؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك