عادل لطيفي

- النموذج التونسي يفقد بريقه
- حسابات السلطة التونسية
- حين ينقلب السحر على الساحر

عندما طلبت الحكومة التونسية احتضان الدورة الثانية لقمة مجتمع المعلومات، كانت بالتأكيد قد علقت آمالا كبيرة على انعقاد مثل هذا الحدث، وذلك في ظل توتر علاقاتها مع المنظمات الأهلية المستقلة وفي ظل انحسار وزن البلاد على الصعيد المغاربي والعربي والدولي.

لكنها لم تكن تنتظر أن ينقلب هذا الحدث، الذي عدّته مخرجا وفرصة للدعاية، إلى هاجس مؤرق خاصة بعد مطالبة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، عبر مؤسساتهما المكلفة بمراقبة الحريات، بالعمل أكثر على تجسيد التزامها بالمعاهدات الدولية.

وربما كان البيان الختامي للاجتماع التحضيري للقمة الذي انعقد مؤخرا في سويسرا، أكثر إحراجا حين رفض أن يتحول الحدث من مؤتمر منعقد في تونس إلى مؤتمر حول تونس.

كل المؤشرات توحي بأن حسابات السلطة التونسية لم تستحضر تحول الحدث إلى فرصة للمطالبة الداخلية والمساءلة الخارجية، مما يجعل من فكرة استضافة القمة خطأ سياسيا في ظل الوضع الحالي لعلاقة هذه السلطة بمختلف القوى الاجتماعية والسياسية في البلاد.

"
هناك تعارض صارخ بين الرغبة في صنع حدث سياسي حول المعلومات، وأن يتم ذلك في ظل وضع تم فيه تدجين الحياة السياسية وفرض رقابة صارمة على المعلومة
"
النموذج التونسي يفقد بريقه
لا بد من التأكيد في البداية على أن القمة العالمية لمجتمع المعلومات لا تهم سوى السلطة التونسية التي عملت على تنظيم دورتها الثانية في تونس، إذ أن المواطن التونسي العادي لم يكن له أي علم بهذا الحدث، وذلك حتى ظهور طوفان المقالات والساعات الطوال من البث الإذاعي والتلفزيوني التي جعلت من قمة المعلومات ومجتمع المعلومات خبزا يوميا ومفردات تكاد تصنع لنفسها موقعا في قاموس اللهجة التونسية.

فقد صنع القرار السياسي التونسي وجملة وسائل الإعلام التي تدور في فلكه الحدث من العدم السياسي والإعلامي في تونس.

إنه لتعارض صارخ بين الرغبة في صنع حدث سياسي حول المعلومات، من ناحية، وأن يتم ذلك في ظل وضع تم فيه تدجين الحياة السياسية وفرض رقابة صارمة على المعلومة، من ناحية ثانية.

لقد خاطرت هذه السلطات بالفعل حين راهنت على تحدي هذا التناقض، أو ربما كان الأمر مجرد سوء تقدير سياسي، وهو الأقرب، لأنه ليس الوحيد الذي وقعت فيه منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي.

وبما أن الحدث يهم السلطة بدرجة أولى فلا بد من البحث في طبيعة الحسابات التي وضعتها كي نفهم قبولها تحدي التناقض بين محتوى القمة ورسالتها من ناحية وطبيعة وضع المعلومة والرأي في تونس من ناحية ثانية، إذ تأتي هذه القمة في سياق خاص بالنسبة للسلطة المنبثقة عن تحول السابع من نوفمبر 1987 الذي أطاح بالرئيس السابق الحبيب بورقيبة.

فقد بدأت تظهر شيئا فشيئا بوادر الوهن على المشروع الذي صاحب هذا التحول وأصبح غير قادر على الإقناع بسبب غياب المبادرات القادرة على خلق حراك سياسي أو تحسين الوضع المعيشي في وقت ارتفعت فيه نسب البطالة، وخاصة بين حاملي الشهادات، وارتفعت فيه الأسعار.

فحتى على مستوى الخطاب، يلاحظ كل متتبع للإعلام المهيمن مدى فتور الخطاب الرسمي وروتينيته، مما أدخلته في مرحلة اجترار الذات، بسبب انسداد الأفق السياسي ومحدودية السياسة الاجتماعية.

أمام تراكم المشاكل الداخلية وعدم انفتاح السلطة سواء على خصومها السياسيين أو على منظمات المجتمع الأهلي الفاعلة، تعددت بوادر التحرك في البلاد منذ أواسط التسعينيات، سواء في شكل إضرابات احتجاجية (مثل إضراب سائقي التاكسي) أو في شكل تحركات رمزية سياسية، مثل إضراب الجوع، أو إعلامية من خلال تعدد المواقع المعارضة على الإنترنت.

وقد كان وراء هذه التحركات بعض الأطراف من الجمعيات والأحزاب، مثل الحزب الاجتماعي التقدمي وحزب العمال الشيوعي التونسي وحركة النهضة وكذلك رابطة حقوق الإنسان وجمعية استقلال القضاء ونقابة الصحفيين، كما قادتها بعض المبادرات الفردية مثل الصحفي توفيق بن بريك أو القاضي مختار اليحياوي.

وفي تواصل مع هذا الانسداد الداخلي، كان للحضور التونسي على الساحة الدولية نصيبه من التراجع، إذ أين البلاد اليوم من العلاقات التي كانت لها مع زعماء عدم الانحياز، مثل نهرو ونكروما؟ وأين هي من دورها في استقلال الجزائر ومن دورها المبادر بالنسبة للقضية الفلسطينية؟

فإستراتيجية السلطة الحالية موجهة أساسا للداخل لا للخارج، وهذا مرتبط بغياب مشروع مجتمعي واضح قادر على إعطائها هوية سياسية ما.

ومن جهة ثانية فإن التطورات السياسية الإيجابية في بلدان الجوار وفي الساحة العربية أدت إلى سقوط مقولة النموذج التونسي في الاستقرار والاندماج في الحداثة. إذ أدى تأكيد وضع الحريات النسبي في الجزائر، وفتح المجال للمحاسبة السياسية في المغرب، بالإضافة إلى مبادرات قياديي الانقلاب في موريتانيا مؤخرا وتحرك الشارع اللبناني والمصري، إلى الكشف عن محدودية النموذج التونسي وعدم قدرته على تحقيق مجتمع ديمقراطي فعلي قادر على تفعيل دور القانون والمؤسسات.

هذه جملة الظروف الداخلية والخارجية التي يمكننا ضمنها أن نفهم رهانات السلطات التونسية على عقد المؤتمر الدولي لمجتمع المعلومات.

"
راهنت تونس على أن مثل هذا الحدث يمكن أن يغطي على حقيقة وضع الحريات في البلاد، رغم أن الأسس التي انبنت عليها مقولة مجتمع المعلومات أبعد ما تكون عن السياسة الإعلامية المنتهجة في البلاد
"
حسابات السلطة التونسية
في ظل انحسار هامش المبادرة الداخلية، وفي ظل تراجع الدور الخارجي، أصبح احتضان تونس لقمة مجتمع المعلومات بمثابة وسيلة لدى السلطة لخلق حدث يملأ الفراغ السياسي الداخلي وبوابة للعودة إلى الساحة الدولية وإنعاش مقولة الدولة النموذج في تحقيق التقدم.

فمن شأن مثل هذا الحدث أن يغطي على حقيقة وضع الحريات في البلاد من خلال إدراج تونس في مصاف الدول الفاعلة في عالم المعلومات، رغم أن الأسس التي انبنت عليها مقولة مجتمع المعلومات أبعد ما تكون عن السياسة الإعلامية المنتهجة في البلاد.

فالسياسة الإعلامية في تونس تتعارض كلية مع فلسفة مجتمع المعلومات المؤسسة على مقولة ديمقراطية الوصول إلى المعلومة وإنتاجها وتداولها، في حين تعتمد السلطة في تونس على مراقبة لصيقة للمعلومة منذ لحظة إنتاجها إلى تداولها، مما ولد مشهدا إعلاميا رتيبا يردد نفس الخطاب صباح مساء.

فعلى الرغم من تعدد أسماء الصحف ووسائل الإعلام، فإنها تمثل في الأصل إذاعة واحدة وتلفزيونا واحدا وجريدة واحدة، أي في النهاية صوتا واحدا ووحيدا.

على مستوى جدول الأعمال المطروح على هذه القمة وبالرغم من تنوعه فإنه سيركز أساسا على ضرورة إنهاء الاحتكار الأميركي لشبكة الإنترنت، وقد بيّن الاجتماع الأخير للتحضير للقمة مدى تباين وجهات النظر بين كل من أوروبا والصين اللتين تريدان نقل إدارة المراقبة إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة التي تريد مواصلة احتكارها لهذه المهمة.

أما ما يقال عن تقليص الفجوة الرقمية فيبقى من باب المزايدة الدعائية لا غير، لأن من بين الأسباب الحقيقية للفجوة الرقمية هذه نجد طبيعة السياسات الإعلامية المتبعة من طرف بعض البلدان تجاه مجتمعاتها.

فالتونسي مثلا يعيش بالفعل مشكل الفجوة الرقمية مقارنة مع ما وصلت إليه تكنولوجيات الاتصال من حرية لمستعمليها على مستوى الوصول إلى المعلومات، والسبب في ذلك يعود إلى المراقبة المفروضة على المستعمل التونسي من طرف أجهزة الرقابة التي تمنع العديد من المواقع.

لقد كان حريا إذن بأصحاب القرار في تونس أن يقوموا بدورهم لصد الفجوة الرقمية الداخلية قبل أن يرفعوا هذا الشعار على المستوى الدولي.

إن غاية شعار الفجوة الرقمية في الإعلام الرسمي التونسي هو طمس هذا الواقع المرير لمجتمع المعلومات في تونس، وخاصة بعد تحركات المعارضة التي وجدت في الإنترنت ضالتها للهروب من المراقبة.

في سياق آخر مرتبط بهاجس التغطية على الوضع الداخلي وسحب البساط من الأصوات المعارضة والبحث عن سند خارجي، يمكننا أن نفهم استدعاء الوفد الإسرائيلي، إذ من شأن أي تحرك ضد زيارة هذا الوفد أن يثير حفيظة الأطراف الأجنبية الرسمية التي تتجاوب مع مطالب المعارضة، وقبول هذا الوفد سيبين مدى انفتاح السلطة مقابل انغلاق المعارضة.

ومن جهة ثانية فإن القبول بوفد إسرائيلي في البلاد التونسية يمثل وسيلة لكسب ودّ البلدان الغربية التي بدأت تراجع موقفها من الحرب على الإرهاب، وبدأت ترى أنه من بين أسباب الإرهاب انحسار هامش الحريات في البلدان العربية والإسلامية.

"
 استغلت المعارضة التونسية الاهتمام الدولي بقمة مجتمع المعلومات لتحويلها إلى مناسبة لمحاسبة السلطة التونسية على مدى التزامها بالحريات، ودخلت لهذا الغرض في سلسلة من التحركات النوعية
"
حين ينقلب السحر على الساحر
لقد كانت السلطات التونسية تعول على هذا الحدث للتغطية على حقائق الوضع الداخلي والعودة إلى الساحة الدولية من خلال منفذ المعلومات.

ولتأمين نجاح ما أرادت كان لزاما عليها إسكات بعض الأصوات التي يمكن أن تحرجها خلال القمة، فتم في هذا السياق منع انعقاد مؤتمر رابطة حقوق الإنسان بافتعال اختلاف قانوني بين قيادتها وأقلية معروفة بولائها للسلطة، كما تم منع انعقاد المؤتمر التأسيسي لنقابة الصحفيين بالرغم من عدم وجود أي مانع قانوني لذلك.

نضيف إلى هذا سياسة التضييق التي مورست على جمعية المحامين وعلى جمعية القضاة بالإضافة إلى بعض المناوشات مع النقابات الأساسية في البلاد.

لقد راكمت السلطة التونسية كل هذه التوترات قبل فترة وجيزة من استضافتها للقمة، ووضعت نفسها في مواجهة كلية مع أغلب ممثلي المجتمع المدني والأحزاب السياسية التي رفضت مجاراتها.

انقلب الوضع حين استغلت المعارضة التونسية، في الداخل والخارج على حد سواء، الاهتمام الدولي بهذا الحدث لتحويل القمة إلى مناسبة لمحاسبة السلطة التونسية على مدى التزامها بالحريات، ودخلت لهذا الغرض في سلسلة من التحركات النوعية من حيث رمزيتها ومضمونها.

ولعل من أبرز هذه التحركات إضراب الجوع المفتوح الذي دخلت فيه رموز المعارضة السياسية والحقوقية والمهنية الفاعلة في البلاد منذ يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول، رافعة شعارات العفو عن المساجين السياسيين وحرية الإعلام وكذلك حرية العمل السياسي.

ويستمد هذا الحدث أهميته من خلال تحريكه لأغلب التوجهات السياسية في البلاد التي سارعت إلى إبداء مساندتها للمضربين، وكذلك من خلال الحركية التي خلقها حوله في الداخل وفي الخارج.

فقد تكونت عديد اللجان الجهوية لمساندة المضربين كما تكونت لجان دولية مشابهة وخاصة في فرنسا حيث تتركز الأغلبية من الجالية التونسية المهاجرة، فأصبحت القضية وطنية ولا تهم فقط الجهات التي أعلنت المؤتمر.

كما يستمد هذا التحرك أهميته من خلال بعده الرمزي، حيث أصبح إضراب الجوع سنّة في التقاليد التونسية المعارضة، لأنه يعطي صورة عن الطابع السلمي الناضج لهذا العمل، كما يؤكد انسداد كل أفق لأي عمل سياسي آخر في ظل المراقبة البوليسية للحياة السياسية.

لقد أصبحت السلطات التونسية محرجة بالفعل أمام القوة الرمزية لتحركات المعارضين التي استطاعت على الأقل لفت الانتباه إلى وضع غير عادي.

نذكر من بين هذه التحركات كذلك القمة الأهلية لمجتمع المعلومات التي ستنظم بموازاة مع القمة الرسمية والتي ستشهد مساهمة فاعلة من المنظمات المغضوب عليها من طرف السلطات، كما يمكننا أن نذكر تجربة التظاهر الافتراضي على الإنترنت التي تعد سابقة عالمية في أساليب التحايل على الرقابة ومدى قدرتها على لفت النظر لمنع التظاهر السلمي في الشارع التونسي.

ولعل من أبرز مؤشرات فاعلية مثل هذه التحركات الرمزية، وخاصة إضراب الجوع، ما ورد في خطاب الرئيس زين العابدين بن علي خلال اجتماع اللجنة المركزية للتجمع الدستوري، الحزب الحاكم، من تخوين المعارضين ومن تشكيك في وطنيتهم.

من المؤكد إذن أن الحراك الذي خلقته القوى المعارضة في تونس لن يمر دون تأثير على الساحة السياسية في تونس، وعلى الأقل فهو سيعكر صفو الاحتفال بالذكرى الثامنة عشرة لتحول السابع من نوفمبر 1987.
__________________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة