تشهد المنطقة العربية والإسلامية تطورين بارزين في علاقتها بالولايات المتحدة، فقد قامت السيدة كارين هيوز، مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية للعلاقات العامة، بجولة في المنطقة شملت مصر والسعودية وتركيا.
 
هدف السيدة هيوز، المعروفة بصلتها الوثيقة بالرئيس بوش، هو محاولة التعرف على اتجاهات رأي شعوب المنطقة، والعمل على تحسين صورة الولايات المتحدة لدى الشعوب.
 
"
الليبراليون الجدد استعماريون جدد، بينما المحافظون الجدد هم امتداد أميركي صارخ للدولة العبرية وأزمة وجودها المستحكمة في محيط ثقافي وحضاري تسعى لحل إشكالياتها الوجودية معه بالقوة والتوسع
"
تعكس هذه الخطوة جانباً إيجابياً من السياسة الأميركية، وذلك من ناحية دلالتها على إدراك إدارة بوش للمستوى المتدني الذي وصلته صورة السياسة الأميركية في المنطقة العربية والإسلامية.
 
ولكن الإيجابي ينتهي هنا، إذ إن هناك، من ناحية أخرى، تصاعداً ملحوظاً في التهديدات الأميركية-الأوروبية لسوريا وإيران، وهو ما يزيد المخاف من تحول سياسة الغزو والتدخل المباشر التي أطاحت بنظامي الحكم في أفغانستان والعراق إلى سياسة غربية دائمة.
 
لا يأتي هذا الخوف من ملاحظة سياسات عابرة، بل من ملاحظة الأثر الفكري السياسي الذي تتركه قوى مثل تيارات المحافظين والليبراليين الجدد على صنع السياسات على جانبي الأطلسي.
 
برز مصطلح "المحافظين الجدد" خلال الأعوام الثلاثة الماضية باعتباره أحد المفاتيح الضرورية لفهم السياسة الخارجية الأميركية ومتغيرات الوضع الدولي.
 
وبالرغم من أن تيار المحافظين الجدد كان معروفاً على نطاق واسع في دوائر الفكر السياسي والسياسة الأميركية منذ عهد الرئيس ريغان، وأن باب السجال بينه وبين خصومه الألداء من "المحافظين الأصليين" قد فتح على مصراعيه في الولايات المتحدة، فإن الاهتمام العربي والعالمي بهذا التيار ورموزه لم يبدأ إلا في الشهور التالية للحرب على أفغانستان وانطلاق التحضيرات من غزو العراق.
 
احتل عدد من المحافظين الجدد مواقع بالغة التأثير في إدارة الرئيس بوش الابن، خاصة في وزارة الدفاع ومكتب نائب الرئيس ومجلس الأمن القومي، وذلك في الوقت الذي استمر فيه زملاؤهم خارج الإدارة في لعب أدوار لا تقل تأثيراً في توجيه الجدل السياسي في العاصمة واشنطن من خلال مواقعهم في العديد من مراكز البحث والفكر والتخطيط السياسي.
 
وبالرغم من أن المحافظين الجدد، وأغلبيتهم العظمى من اليهود الأميركيين، قد دعوا منذ منتصف التسعينيات إلى غزو العراق والإطاحة بنظامه، فإن فرصتهم في تمرير سياساتهم في الشرق الأوسط، الذي هو محل اهتمامهم الرئيس، لم تأت على نحو مريح إلا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.
 
بيد أن المحافظين الجدد ليسوا الظاهرة الوحيدة الجديرة بالاهتمام في الساحة السياسية الغربية، فهناك أيضاً ليبراليون جدد لعبوا دوراً رئيساً في تشكيل رؤية رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير للمنطقة العربية والإسلامية والشأن الدولي خلال الأعوام القليلة الماضية.
 
جادل الليبراليون الجدد، وبينهم مستشارون في دوائر صنع القرار وأكاديميون ومفكرون وناشطون سياسيون، بأن على الغرب التحرر من عقدة ذنب العصر الإمبريالي، الذي شكلت الإمبراطورية البريطانية ملامحه الأساسية، والعودة إلى سياسة تدخل نشطة في شؤون الدول "الفاشلة" و"المارقة"، بما في ذلك التدخل العسكري.
 
وإذا كان المحافظون الجدد هم الذين أدخلوا مصطلح "الدول المارقة"، أي تلك التي ترفض الانصياع للإرادة الدولية كما تحددها الولايات المتحدة، فإن الليبراليين الجدد هم الذين ابتكروا مصطلح "الدول الفاشلة"، أي تلك التي باتت غير قادرة على صنع الرفاه لشعبها وإدارة شؤون مؤسسة الحكم والاقتصاد كما ينبغي.
 
كان الهم الرئيس للمحافظين الجدد، دائماً وأبداً، هو تأجيج حمى الصراع بين الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية في منطقة الشرق الأوسط.
 
وبالتصريح أحياناً والتلميح في أحيان أخرى، جعلوا الدولة العبرية مدار تفكيرهم وخطابهم والسياسات التي يدعون لها.
 
بل إن انتقالهم من الحزب الديمقراطي، حيث كانوا أقرب إلى المجموعة التروتسكية في صفوفه، إلى الحزب الجمهوري في السبعينيات ومطلع الثمانينيات قد ارتبط أصلاً بارتفاع وتيرة التعاطف مع الفلسطينيين في بعض دوائر الحزب الديمقراطي.
 
"
مسؤولية الدول الغربية الأخلاقية -حسب الليبراليين الجدد- تجاه أمن واستقرار شعوبها هي التدخل الفوري في شؤون الدول حتى وإن أدى ذلك إلى فرض وصاية استعمارية مسلحة جديدة عليها
"
أما الليبراليون الجدد فإن منظار أجندتهم أوسع بكثير، ومع ذلك احتلت المنطقة العربية-الإسلامية موقعاً بارزاً فيها نظراً لتزايد الاهتمام العالمي بهذه المنطقة في الحقبة التالية للحرب الباردة.
 
الليبراليون الجدد، بهذا المعنى، هم استعماريون إمبراطوريون جدد؛ بينما المحافظون الجدد هم امتداد أميركي صارخ للدولة العبرية وأزمة وجودها المستحكمة في محيط ثقافي وحضاري تسعى لحل إشكالياتها الوجودية معه بالقوة والتوسع.
 
ليس ثمة من برنامج داخلي للمحافظين والليبراليين الجدد، إذ ليس لهم كبير اكتراث بالمسألة الاجتماعية أو الضريبية، مثلاً، (بعكس خصومهم الألداء المحافظين الأصليين في أميركا أو العماليين التقليديين في بريطانيا)، وليست لهم قاعدة انتخابية أو شعبية في بلادهم، ولا يحملون حتى ولاء حقيقياً جاداً للحزب الجمهوري الأميركي أو حزب العمال البريطاني.
 
يمثل كل من المحافظين الجدد والليبراليين الجدد مجموعة نخبوية همها الرئيس هو السياسة الخارجية والشأن الدولي، وجدت نفسها في هذا الصف السياسي أو ذاك بفعل تحولات موضوعية في أوضاع بلدها السياسية والوضع العالمي.
 
في حالة المحافظين الجدد، تعلق الأمر بما يمكن تسميته "الانحراف الليبرالي" في الحزب الديمقراطي (الذي كان أصلاً هو الحزب المدافع عن العبودية في الولايات المتحدة)، وتعزيز قواعد التوجه الصقوري في الحزب الجمهوري إبان العقود الأخيرة للحرب الباردة، مما أفسح المجال لدفع الأجندة الموالية للدولة العبرية في الأوساط الجمهورية.
 
وفي حالة الليبراليين الجدد، تعلق الأمر بالاهتمام البالغ في أوساط ما يعرف بتيار "حزب العمال الجديد" الذي يقوده توني بلير بالتحولات الهيكلية في بنية الاقتصاد والثقافة وأدوات الاتصال في العالم (أو ظاهرة العولمة).
 
وهذا التيار أكثر استعداداً لتقبل موضوع إحياء "عبء الرجل الأبيض" ومسؤوليته في إنقاذ شعوب العالم من الإرهاب والفقر وانتشار الأوبئة والحروب الأهلية، التي يسببها فشل دول ما بعد الاستعمار المباشر في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، بل وحتى أوروبا الشرقية.
 
جوهر خطاب المحافظين الجدد أن الشرق الأوسط هو ببساطة منطقة بالغة الحيوية لدور ووزن الولايات المتحدة العالمي، وليس أمام واشنطن إلا التدخل في شأنه بكل الوسائل الممكنة لنقله إلى الوضع الذي يحفظ مصالحها ويتماشى مع رؤيتها للعالم.
 
ولما كانت الدولة العبرية هي "الديمقراطية" الوحيدة في المنطقة، وهي الامتداد الثقافي والقيمي للغرب، وهي فوق ذلك كله صورة أخرى عن ميراث الرواد الأميركيين الذين بنوا الولايات المتحدة ونقلوا الحضارة الحديثة وقيم التقدم عبر الأطلسي، فلا مفر من أن تكون الحليف الإستراتيجي لمهمة أميركا الحضارية وسط غابة التخلف والتعصب العربية-الإسلامية.
 
أما خطاب الليبراليين الجدد فيقيم ارتباطاً سببياً بين نهاية الوصاية الإمبريالية وفشل الدولة في العديد من البلدان التي خضعت للسيطرة الاستعمارية في السابق، ويؤكد أن فشل هذه الدول أو اندفاعها نحو التسلح يهدد بانتشار العنف والإرهاب والمرض عبر العالم بأسره، ويهدد بوجه خاص رفاه الغرب واستقراره، نظراً للارتباط المتزايد بين جغرافيا العالم وشعوبه.
 
مسؤولية الدول الغربية الأخلاقية إذن، ومسؤوليتها تجاه أمن واستقرار شعوبها أولاً وقبل أي شيء آخر، هي التدخل الفوري في شؤون هذه الدول حتى وإن أدى ذلك إلى فرض وصاية استعمارية مسلحة جديدة عليها.
 
"
لا أحد يتوقع أن تشن الولايات المتحدة حرباً جديدة في المنطقة العربية الإسلامية على طراز الحرب على العراق، لأنه مهما بلغ تأثير المحافظين والليبراليين الجدد فقد بات الفشل البالغ لمشروع العراق وخسائره واضحين للعيان
"
أدى تبني الحكومتين الأميركية والبريطانية لتوجهات المحافظين والليبراليين الجدد إلى تورط بريطانيا، منذ تولي بلير للحكم (وهو رئيس حزب حرص دائماً على تأكيد توجهاته المعادية للإمبريالية) في 1997، في عدد من التدخلات العسكرية في دول مختلفة من العالم يفوق عدد المرات التي تدخلت فيها بريطانيا في الخارج عسكرياً في ظل أي من الحكومات البريطانية منذ نهاية الإمبراطورية، وإلى شن حربين أميركيتين-بريطانيين خلال أقل من عامين على أفغانستان والعراق، بهدف إسقاط نظام حكم البلدين وإعادة بنائهما السياسي بالكامل.
 
ومازالت احتمالات الغزو تهدد دولاً أخرى في المنطقة العربية-الإسلامية ومناطق مختلفة من العالم.
 
ولم يكن تغيير نظام الحكم هدفاً معلناً لأغلب الحروب التي شنتها دول العالم الليبرالي-الرأسمالي منذ الحرب العالمية الثانية، بعد أن أعيد بناء النظام الدولي وأقيمت الأمم المتحدة على أساس احترام سيادة الدول واستقلالها.
 
ولم يعد هذا المتغير في السياسة الخارجية يتعلق ببريطانيا والولايات المتحدة فحسب، بل فتحت سياسة التدخل العسكري شهية عدد من الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن، مثل إيطاليا وبولندا، وأخرى أقل أهمية. في حالتي غزو أفغانستان والعراق، كانت نتائج الحرب مدمرة ومأساوية.
 
هذه النتائج هي التي لفتت انتباه المراقبين العرب وغير العرب إلى أن الغالبية العظمى من المحافظين والليبراليين الجدد، الذين أصبحوا عرابي هذه الحروب ومؤدلجيها، هي من غير المتخصصين في شؤون وتاريخ واجتماع العرب والمسلمين؛ بل إن جهل هؤلاء الفاضح بالمنطقة العربية-الإسلامية كان سبباً أصيلاً في توريط بلديهم في حروب وسياسات احتلالية كان من المحتم أن تنتهي إلى المآسي التي انتهت إليها.
 
بيد أن جهل المحافظين والليبراليين الجدد بالعرب والمسلمين لا ينبغي أن يغطي على عناصر القوة التي يتمتعون بها؛ فبالرغم من قلة عددهم بشكل عام، فإن بينهم عددا لا تنبغي الاستهانة به من كبار المثقفين السياسيين الذين تلقوا تعليمهم في أهم معاهد بلادهم العلمية، وهم على دراية بكيفية صنع السياسات وكيفية انتهاز الفرص عندما تتاح لهم.
 
ويتمتع المحافظون الجدد على وجه الخصوص بمعرفة وثيقة بدوائر السياسة في واشنطن، وقد تسلم عدد منهم مناصب حكومية رفيعة في ربع القرن الأخير، كما أظهروا قدراً من المثابرة يحسدون عليه.
 
ولكن المهم في قراءة أثرهم على السياسة الخارجية والوضع الدولي، أنه بدلاً من تعرضهم للمساءلة عن مسؤوليتهم تجاه توريط الولايات المتحدة في مغامرة مكلفة وفاشلة في العراق، وعن الدمار والضحايا التي قدمها ويقدمها العراق في سياق هذه المغامرة، فإن إعادة انتخاب الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بدت للوهلة الأولى وكأنها تجديد للثقة في سياساتهم الخارجية، وكذلك بدت عودة بلير إلى رئاسة الوزراء.
 
لا أحد يتوقع أن تشن الولايات المتحدة حرباً جديدة في المنطقة العربية-الإسلامية على طراز الحرب على العراق، أو أن توافق بريطانيا على المشاركة في مثل حرب كهذه، فمهما بلغ تأثير المحافظين والليبراليين الجدد فقد بات الفشل البالغ لمشروع العراق وخسائره واضحين للعيان.
 
وسيقف هذا الفشل مانعاً قوياً أمام احتمالات تكرار الحرب الاحتلالية، ولكن دون الحرب عدداً كبيراً من خيارات التدخل والضغط والتهديد، السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، التي يمكن أن تترك ما لا يقل عن الحروب من الخراب.
 
تبلور خطاب المحافظين والليبراليين الجدد قبل أحداث سبتمبر/أيلول 2001 بسنوات؛ بل إن الترويج لمشروع غزو العراق بدأ من منتصف التسعينيات، ولكن تلك الأحداث أتاحت الفرصة لتحويل المشروع إلى سياسة فعلية، كما أتاحت، وهذا هو الأهم، إيجاد دعم من الرأي العام لهذه السياسة.
 
"
الخطر الكبير الذي يتهدد الوضع العالمي هو أن ينجح المحافظون والليبراليون الجدد في الإيحاء بوجود إجماع جديد في المعسكر الغربي على سياسة الغزو والضربات الاستباقية والتدخل والوصاية على الشعوب الأخرى
"
وبغض النظر عن دعاوى أسلحة الدمار الشامل وغيرها من الأدلة التي برر بها مشروع الغزو والتي ثبت زيفها، فقد كان خطاب الحرب على الإرهاب هو إحدى الأدوات المهمة التي ساعدت إدارة بوش الابن على الاحتفاظ بالبيت الأبيض.
 
ويلعب خطاب الحرب على الإرهاب دوراً كبيراً في الاحتفاظ بما تبقى من تأييد الرأي العام الأميركي والبريطاني لسياسة بوش وبلير الخارجية، لاسيما بعد الهجمات التي تعرضت لها مدينة لندن في يوليو/تموز الماضي.
 
والواضح أن الخلاف الأوروبي-الأميركي حول العراق، يتحول الآن إلى ما يشبه التحالف فيما يتعلق بسوريا وإيران.
 
 ولكن الخطر الكبير الذي يتهدد الوضع العالمي (لا العرب والمسلمين فحسب)، هو أن ينجح المحافظون والليبراليون الجدد في الإيحاء بوجود إجماع جديد في المعسكر الغربي حول سياسة الغزو، والضربات الاستباقية، والتدخل وانتهاك السيادة، والوصاية على الشعوب الأخرى.
 
بذلك تصبح هذه السياسة سياسة ثابتة للدولتين، بغض النظر عن الإدارة أو الحزب الحاكم، وربما مرت عقود طوال قبل أن تنجح قوى العقل والتعاون بين الشعوب، ووطأة الموت والدمار وعدم الاستقرار، في وضع نهاية لها.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة