نهاية التاريخ أم نهاية القرن الأميركي
إستراتيجية كبرى مؤقتة

تراجع أم مجرد تشاؤم

تبدو الولايات المتحدة وقد دخلت القرن الحادي والعشرين وهي أكثر قوة وغنى، فقد تحسنت الحياة الاقتصادية والمعيشية فيها، وتضاعف مستوى الدخل، ويزيد النمو الاقتصادي فيها، وانتصرت على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وعلى الشيوعية والاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة، فهي تمثل مرحلة ناجحة على نحو غير عادي في تاريخ البشرية.

 
ولكن الولايات المتحدة كما ظهرت في العراق، وفي الإعصار كاترينا تواجه مرحلة من الإعياء والعزلة، فكما كانت قادرة على تحدي العالم، والخوض في حرب غير مبررة، فإنها تبدو وحيدة تواجه قدرها ومستقبلها، لقد نجحت وحدها، واحتفلت وحدها، لتستيقظ بعد سنتين أو أقل على مرحلة من الإعياء والفشل والإحباط أيضا.
 
"
تحول الميزان التجاري الأميركي من فائض بمئات المليارات عام 2000 عندما تسلم بوش السلطة إلى عجز هائل يقترب من الألف مليار دولار
"
شهدت نهاية القرن التاسع عشر بداية اكتمال قوة الولايات المتحدة، فقد تحولت من دولة صغيرة داخلية منعزلة يبلغ عدد سكانها أربعة ملايين نسمة في عام 1783 لتمتد مع نهاية القرن التاسع عشر بين المحيطين الأطلسي والهندي، ولتضم إليها أجزاء واسعة من المستعمرات أو من الدول المحيطة مثل المكسيك أو بالشراء كما حصلت على آلاسكا.
 
وكان احتلال الفلبين عام 1899 أول عمل توسعي عسكري، وبداية لقرن أميركي ظلت فيه الدولة الأقوى اقتصاديا وعسكريا.
لقد بدأت الولايات المتحدة من حيث انتهت أوروبا، فأخذت عنها نقاط قوتها، وتخلصت من نقاط ضعفها، ونشأت مع الآلة البخارية والقطار متجاوزة مرحلة الإقطاع، ولم تعان من المنافسة والحروب في القارة الأميركية، فجميع دول القارة تقريبا إما أنها امتداد جغرافي وبشري مثل كندا أو تابع مستكين يدور في فلكها تمثل مزرعة ومناجم وحدائق خلفية لها.
 
وفي نهاية التسعينات كانت الولايات المتحدة تملك 25% من الناتج القومي في العالم، وتصدر إلى العالم منتوجات زراعية بقيمة 50 مليار دولار، ومن الآلات التكنولوجية العالية الدقة بقيمة 150 مليار دولار، وتتحكم بحوالي 73% من الصادرات المعلوماتية، وحوالي 75% من مبيعات الصناعات الفضائية والطيران المدني والعسكري، و80% من الصور المبثوثة في العالم -تمثل الأفلام الأميركية 75% مما يعرض في دور السينما- و90% من الإنترنت، و30% من الإنفاق العسكري العالمي.
 
وقد يتضح هذا الرقم أكثر إذا عرفنا أنه يزيد على الميزانية العسكرية الروسية -أقرب منافس عسكري إلى الولايات المتحدة- بعشرة أضعاف، وأنها تمتلك 15 ألف رأس نووي، و700 غواصة، وإمكانيات عسكرية وتقنية خيالية تفوق ما لدى أهم خمس عشرة دولة في العالم بعد الولايات المتحدة.
 
لكنها قوة لا تعني شيئا ولا تفيد في الإستراتيجية الجديدة التي وضعت أميركا فيها نفسها، وهي القضاء على أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي، وهذا التفوق العسكري الهائل تصاحبه تحديات اقتصادية عظمى، فقد تحول الميزان التجاري من فائض بمئات المليارات عام 2000 عندما تسلم بوش السلطة إلى عجز هائل يقترب من الألف مليار دولار.
 
إستراتيجية كبرى مؤقتة
"
تكشف الدراسات أن الديون الخارجية للولايات المتحدة تبلغ حوالي 3.5 تريليونات دولار، وأن الاقتصاد الأميركي يعاني من تزايد مديونية الأفراد، وتباطؤ سرعة نمو دخل الفرد، وارتفاع البطالة
"
قبل 11/9/2001 كانت الإدارة الأميركية تواجه تحديا داخليا كبيرا حول مشروعاتها الإستراتيجية، وتبحث عن إستراتيجية كبرى، وكانت تواجه صعوبة في اكتساب التأييد لتمويل استمرار البرامج العسكرية والدفاعية، ولم يظهر إجماع حول طبيعة التهديدات الموجهة ضد المصالح القومية الأميركية أو حتى حول كيفية توصيف هذه الحقبة الجديدة.
 
وتغير المشهد في يوم واحد، فقد حصلت إدارة بوش بعد 11/9 على قرار مشترك من الكونغرس يخولها استعمال القوة العسكرية في ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس، وجاء في القرار، "يُخول الرئيس باستخدام كل قوة مناسبة ولازمة ضد تلك الدول والمنظمات أو الأفراد الذين يقرر بأنهم صمموا، أو سمحوا، أو ارتكبوا، أو ساعدوا في تنفيذ الهجمات الإرهابية التي حدثت في 11 سبتمبر/أيلول 2001، وذلك بغية منع أي أعمال للإرهاب الدولي في المستقبل ضد الولايات المتحدة."
 
وتمت المصادقة على هذا القرار بأغلبية 98 صوتا مقابل لا شيء في مجلس الشيوخ وبأغلبية 420 صوتا مقابل صوت واحد في مجلس النواب، وتوحد الرأي العام، الذي انقسم بعمق منذ الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2000 في تأمين دعم واسع ليس فقط للمجهود الحربي بل للرئيس الأميركي بوش بالذات.
 
وحصلت الولايات المتحدة الأميركية على تصويت بالإجماع في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة في 28 سبتمبر/أيلول، فيطلب القرار رقم 1373، الذي تم تبنيه بموجب أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنح سلطة واسعة لمجلس الأمن الدولي لتنفيذ قراره وجعل القرار ملزما لكافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة - استوجب من كافة الدول الأعضاء تجريم النشاطات المالية لتنظيم القاعدة، والمشاطرة في المعلومات الاستخباراتية، واتخاذ إجراءات لمنع تحركات الإرهابيين.
 
ومع أن القرار له أثر رمزي أكثر مما هو عملي فقد أمن شرعية متعددة الأطراف للمعركة التي تقودها الولايات المتحدة ودعت الدول الأعضاء التسع عشرة في الحلف الأطلسي إلى تطبيق أحكام المادة الخامسة من معاهدة الحلف وذلك للمرة الأولى في تاريخ هذا الحلف.
 
تعتبر المادة الخامسة أن أي هجوم ينفذ ضد إحدى الدول الأعضاء هو هجوم ينفذ ضد كافة الدول الأعضاء ويطلب من هذه الدول اتخاذ الخطوات المناسبة بموجب الإجراءات الدستورية لكل منها.
 
وفي نهاية الأمر ساهمت 16 دولة من الدول التسع عشرة بقوات عسكرية في حملة أفغانستان مع أن الحرب لم تدر رسميا كعملية لحلف شمال الأطلسي، كما قدمت دول عديدة، بضمنها روسيا والصين والدول الآسيوية والشرق أوسطية المجاورة لأفغانستان، التعاون في المجالات السياسية والعسكرية والاستخباراتية.
 
ولكن الحرب على أفغانستان والعراق و"الإرهاب" لم تكن إلا كسبا للوقت والمبررات المؤقتة للاستمرار في الهروب إلى الإمام أو الإبقاء على الوضع الإستراتيجي الذي سبق انتهاء الحرب الباردة، فقد دخلت أميركا في حرب جديدة تحتاج إلى عقيدة إستراتيجية جديدة لا تغطيها السياسات القائمة، وظهرت تحديات عسكرية وأمنية وأخلاقية كبرى في العراق كشفت عن الإعياء الأميركي.
 
"
من نقاط الضعف التي تهدد الولايات المتحدة الفجوة الداخلية بين الأغنياء والفقراء، حيث أن 60 مليون مواطن أميركي لا يتمتعون بالتأمين الصحي
"
وعاد السؤال الاقتصادي والداخلي أكثر إلحاحا، عن جدوى الحرب ومبرراتها، وعن التحديات الاقتصادية والمعيشية الكبرى، والتنافس الاقتصادي والتقني مع الصين وأوروبا واليابان وشرق آسيا والذي يبدو أنه يسير في غير صالح الولايات المتحدة لكنه يتخذ طابعا سلميا وتبادليا يصعب التخلي عنه أو مواجهته لأنه ربما يضاعف خسائر الولايات المتحدة، كما أنه ينشئ حالة جديدة من الاستقرار والاعتماد المتبادل لم تعد الولايات المتحدة الرقم الأساسي فيها، بل تكاد تخرج منها وتخرج نفسها كما ظهر في الخلاف الكبير في منظمة التجارة العالمية وفي اتفاقية كيوتو البيئية، وفي محكمة جرائم الحرب والجرائم الجنائية.
 
تكشف دراسات أن "الديون الخارجية للولايات المتحدة الأميركية تبلغ حوالي 3.5 تريليونات دولار، ويعاني الاقتصاد الأميركي من تزايد مديونية الأفراد، وتباطؤ سرعة نمو دخل الفرد، وارتفاع البطالة، وانخفاض سرعة الإنتاجية عنها في اليابان في أوروبا، وتردي مستويات الخدمات الصحية والتعليمية، وتراجع ملحوظ أمام دول أخرى في مجال التعليم والبحث العلمي، حيث انحصرت نسبة العلميين والفنيين فيها في 55 لكل ألف من السكان الأميركيين مقابل 129 في السويد وهولندا و257 في كندا و317 في اليابان.
 
كما تشير إلى تراجع الطلاب الأميركيين أمام الطلاب الأجانب وبخاصة في مجال الرياضيات والكيمياء وعلوم الحاسب الآلي، وتراجع ما قدمته الولايات المتحدة من معارف وتكنولوجيا جديدة في العالم من 75% عام 1945 إلى 36% عام 1996، وتزايد الإقصاء والتهميش في أوساط الفئات الفقيرة، والتي برزت في تزايد الأصوات المنددة بالعولمة"، أنظر: عبدا لوهاب حميد رشيد، نقد العولمة، نقلا عن: (Connell, Brian O,p.xviii,55.., Zijderveld, Anton C. Civil Society,p.157)
 
ومن نقاط الضعف التي تهدد الولايات المتحدة الفجوة الداخلية بين الأغنياء والفقراء، فيذكر الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أن 60 مليون مواطن أميركي -20% من السكان- لا يتمتعون بالتأمين الصحي، وربما يكون الرقم قد زاد كثيرا بعد مجيء بوش.
 
ويهيمن 10% من السكان على 70% من الاقتصاد الأميركي، ومن بين هؤلاء الأغنياء توجد أقلية أخرى تساوي 1% تسيطر على 40% من الاقتصاد، ويهيمن الواسب الإنجلو-سكسون على القوة والنفوذ والمال، وتعاني فئات واسعة مثل السود والإسبان من التهميش والتمييز.
 
تراجع أم مجرد تشاؤم
"
 الولايات المتحدة تعيش مرحلة من التشاؤم الشعبي إذ إن المجتمع المدني أصبح مجتمعا قمعيا متفسخا خاليا من الإبداع معاديا للطبيعة وأوصلته تكنولوجياته إلى حافة الدمار
"
في تحليله للحضارة الغربية بعامة والحضارة الأميركية بخاصة يرى المؤرخ الأميركي آرثر هيرمان أن الولايات المتحدة تعيش مرحلة من التشاؤم الشعبي، تعبر عنها دراسات وكتب مثل "نهاية العقل الأميركي" لـ "آلان بلووم"، و"المسيرة المترنحة نحو عمورة" لـ "روبرت بورك" وعمورة هي مدنية بابلية قديمة دمرت مع سدوم، وفي أفلام سينمائية، مثل "محارب على الطريق" و "الاستدعاء العام" و"عالم الماء" و"الهروب من نيويورك" وهي أفلام تقدم مستقبلا معكوسة فيه كل المعايير التقليدية للبربرية والحضارة عن عمد، والمجتمع المدني أصبح مجتمعا قمعيا، متفسخا، خاليا من الإبداع، معاديا للطبيعة، وأوصلته تكنولوجياته إلى حافة الدمار، إن لم تكن قد دمرته بالفعل.
 
أما الأفراد الذين يتمتعون بالحيوية والقدرة الكافيتين للصراع ضد المد التخريبي الذاتي للمجتمع، فهم يقدمون لنا عائشين على الهامش، مجرمين حقيرين، أفراد شرطة أوغاد، مشردين، هم الطبقات الدنيا التي يطلق عليها نيتشه "اللاأخلاقيون".
 
البطل الحديث في أفلام الحركة "هائم بين عالمين" عبارة "فيمر" الأثيرة، عالم الانحلال الحديث وعالم الحقيقة الأعلى الكامنة وراءه، فهو يجنح لأن يكون وقحا، فظا، عاجزا عن الإفصاح عن مشاعره وأفكاره، وكأن ذلك دليل على حيويته التي لم تلوث، بينما يتكلم الأوغاد بلهجة مثقفة متحضرة لا تتغير.
 
والواقع أن أبطال الحركة اليوم كلهم صور ورسوم منتزعة من صفحات "نيتشه"، إرادة القوة الديناميكية لديهم تقزم بيئتهم المتحضرة الفاسدة، ثم تدمرها في النهاية، وصانعو هؤلاء الأبطال يزودونهم بقدر كاف من الجنس والعنف واللغة البذيئة كعلامات على حيويتهم، بينما المجتمع العادي يتحطم إلى شظايا من الزجاج المكسور والسيارات والطائرات المفجرة والمباني المدمرة.
 
هذه الموضوعات والأفكار التشاؤمية موجودة بإلحاح في موسيقى الروك، وقد أشار "كاميل باجيليا" إلى أوجه الشبه الوثيقة بين المتأنق الأرستقراطي في باريس ثلاثينات القرن التاسع عشر ونجم موسيقى الروك الحديث، والحقيقة أن الابن التالف أو نجم الروك الحديث هو السليل المباشر للثائر الثقافي عند بودلير، الذي أسس حيويته الخاصة بإظهار التفسخ والانحلال على نحو مليء بالتحدي والاستفزاز في منعطف القرن، كان محبو الفن ينظرون إلى مجتمعهم على أنه مجتمع متفسخ، ولا أمل فيه وغير جدير بالاحترام، ولكن زخارفه المادية يمكن أن تكون منصة انطلاق نحو الإبداع الفني، وعلى نحو مشابه فإن مغنين مثل "مادونا" يستخدمون صورا متفسخة من الجنس والسادو– ماسوشية لإنتاج الشيء نفسه باستخدام الأشكال الغرائبية والشاذة.
 
ويتجاوز الشعور بالاضمحلال في التشاؤمية الثقافية إلى أحكام وتصورات مثل فشل الديمقراطية الحديثة، ومخاطر الرأسمالية المشتركة، والدولة البوليسية التي تعمل بالكمبيوتر، والأخطار المحدقة بالحياة بسبب التكنولوجيا والعلم الزائدين عن الحد في الصناعة والاقتصاد، أو الأقل من الحد في الطب والصحة، والتلاشي المطرد للطبقة الوسطى.
 
ولكن يجب أن ننظر إلى هذه الرؤى والدراسات الأميركية والغربية على أنها أيضا نقطة قوة، فالحضارة القادرة على نقد نفسها قادرة على المراجعة والتصحيح والاستدراك، وهذا ما حدث في مرات وأمثلة كثيرة في التاريخ الأميركي الحديث.
ــــــــــــــ
كاتب أردني 

المصدر : الجزيرة