نبيل شبيب

إنّ استدراج الزعامة السياسية السورية إلى المصيدة التي تجد نفسها فيها في هذه الأثناء، لم يكن نتيجة براعة المخطّطين والمنفّذين من الطرف الآخر، إنّما كان نتيجة محتّمة لقصور رؤية الزعامة السياسية السورية نفسها لحقيقة المتغيّرات الجارية، وقصورها عن فتح الأبواب أمام طرق أخرى للتعامل مع الحدث بعد تبدّل المعطيات الإقليمية والدولية.

الأساليب معروفة، منها توجيه الاتهامات وتكرارها وتصعيدها، سيّان أكانت صحيحة أم باطلة، لوضع الطرف الآخر -وهو هنا سوريا- في موقع الدفاع عن النفس، ليبدأ التراجع فخسارة المواقع.

وحتّى إنكار الاتّهام يتحوّل إلى اعتراف خاطئ بالمنطلق الفاسد له، مثل إنكار "تهمة" دعم المقاومة الفلسطينية لاحتلال باطل، أو إنكار "تهمة" تأييد حقّ مقاومة احتلالٍ إجراميّ للعراق.

"
المواجهة الراهنة لم تكن من البداية مجرّد إشكالية دبلوماسية ومسألة مفاوضات وحلول وسطية، فالبديل عن الرفض ليس الحصول على حلّ وسطي "رمادي"، بل كان واضحا من البداية أنّ البديل هو التردّي على منحدر تراجع لا نهاية له
"
ومن تلك الأساليب توظيف الأحداث، وأحيانا اصطناع الأحداث ثمّ توظيفها، لممارسة الافتراء والحصار والضغوط، وتسويغ الحملة المعادية دوليا، كما يجري حاليا عبر استغلال قضية اغتيال الحريري، وهي قضيّة يستحيل الكشف عن ملابساتها بصورة تسمح بالاطمئنان، ما دامت معطيات البحث فيها تُصطنع سلفا لفرض إطار مسبق للنتائج.

الأساليب قديمة جديدة تتبدّل قوالبها فقط، جوهر استخدامها، ضدّ بلد بعد آخر من البلدان العربية والإسلامية، فهو عينه لم يتبدّل، كاتهام العراق بصناعة أسلحة دمار شامل، أي صناعة أسلحة كتلك التي يصنعها من يوجّهون الاتهام أنفسهم، ثمّ تحويل الاتهام إلى ذريعة لممارسة عدوان إجرامي باطل.

ثبات الأساليب يقابله ما طرأ على نوعية الأهداف الغربية، لاسيّما انتقال مسيرة الهيمنة الصهيو-أميركية من مرحلة قديمة إلى مرحلة أخرى، الهدف فيها هو التطويع الكامل المكشوف لا الجزئي مع حفظ ماء الوجه، والتبعية المطلقة لا الجزئية في ميدان دون ميدان. وعدم إدراك هذا التبدّل هو أوّل الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها السياسة السورية.

هنا لا تفيد مساوماتٌ على غرار ما عرفته فترة السبعينات والثمانينات من القرن الميلادي العشرين، كما لا يخفى أنّ المواجهة الراهنة لم تكن من البداية مجرّد إشكالية دبلوماسية ومسألة مفاوضات وحلول وسطية، وهذا ما يؤكّد خواء ما يتردّد أحيانا من منطلق انهزامي مسبق، بصيغة النصيحة وبدعوى الواقعية السياسيّة، أنّه لا ينبغي التنطّع برفض الخضوع، ففي السياسة مساحات رمادية، والواقع أنّ البديل عن الرفض ليس الحصول على حلّ وسطي "رمادي"، بل كان واضحا من البداية أنّ البديل هو التردّي على منحدر تراجع لا نهاية له.

لا يبدو على أيّ حال أنّ الزعامة السورية قادرة على انتزاع نفسها من أساليب مساومات قديمة، وهذا ما حتّم أن تكون رهاناتها خاسرة، جملة وتفصيلا، ومع كلّ رهان تنشط تحليلات من يوصفون بالخبراء الإستراتيجيين السوريين، لتأكيد ثوابت الموقف السوري من جهة والمرونة فيه وتعدّد البدائل بين يديه من جهة أخرى، ويسقط الرهان، ويأتي البديل وتتكرّر الصورة مع تسويغ الخسارة بالبحث عن أسباب خارجية، كافتقاد التضامن العربي، كما لو أنّه كان من قبل موجودا عند المضيّ في تلك الرهانات، أو القول إن سوريا ليست العراق، كما لو أنّ ما يراد صنعه مع سوريا هو بالضرورة عين ما يُصنع بالعراق، وهكذا.

إن خسارة الرهان على الورقة الفرنسية أو الأوروبية يعود إلى عجز السياسة السورية عن رؤية مواطن الافتراق ومواطن الالتقاء عبر الأطلسي بعد الحرب الباردة، فالصراع الراهن موجود، ولكن له معطيات مختلفة عن صراع نفوذ أميركي-سوفياتي من حقبة الحرب الباردة.

"
خسارة ورقة تعاون المخابرات تعود إلى جهل سوريا أو تجاهلها بأن الحرب ضدّ الإرهاب كالحرب الاستباقية أو مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وسائل وليست غايات لتحقيق ما هو أبعد منها مما يندرج تحت عنوان الهيمنة
"
وإنّ خسارة ورقة تعاون المخابرات فيما سمّي حربا ضدّ الإرهاب، تعود إلى جهل السياسة السورية أو تجاهلها أنّ الحرب ضدّ الإرهاب كالحرب الاستباقية أو مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وسائل وليست غايات، لتحقيق ما هو أبعد منها ممّا يندرج تحت عنوان الهيمنة، وليس تحت عنوان دفع خطر خارجي حقيقي، سواء وجد الإرهاب فكان ذريعة مناسبة، أم لم يوجد، فآنذاك سيؤخذ سواه ذريعة، أو يصطنع ما يصلح أن يكون ذريعة.

وإنّ خسارة ورقة المصالح الاقتصادية تعود إلى تضخيم المسؤولين السوريين من شأن تلك الورقة تضخيما في غير محله، في عصر عولمة سائر المصالح وتطويعها، كيلا يكون لدى الأطراف من المنظومة الدولية القائمة على المركزية الغربية، ما يمكن أن يشكل خطرا مستقبليا على تلك المركزية بالذات.

لم تستوعب الزعامة السياسية السورية أبعاد الخطر الجديد، فتراكمت الأخطاء على امتداد عامين من المساومات والتراجع، علنا وعبر كواليس الاتصالات الدبلوماسية، نتيجة التوهّم أنّ تقديم تنازلات جزئية ثمنه السكوت تجاه جوانب أخرى، أو بتعبير مباشر، هو التوهّم أنّ التراجع على صعيد القضيتين الفلسطينية والعراقية بالذات، يمكن أن يقابله السكوت تجاه استمرار وجود السلطة الحاكمة في دمشق وبقاء مجال جزئي لحركتها إقليميا.

شبيه ذلك كان قبل نيف وثلاثين عاما عندما ارتبط دخول لبنان مثلا بحصار تلّ الزعتر، والتفكير بأسلوب مشابه يعني في هذا المثال عدم رؤية أنّ القوّة الفلسطينية التي كان تلّ الزعتر يرمز إليها، أصبحت تُراوح بنفسها منذ سنوات بين أوسلو وأريحا أوّلا، وشرم الشيخ وغزّة أخيرا، أمّا القوّة الفلسطينية التي يراد التخلّص منها الآن، فهي في فلسطين نفسها، فليس المطلوب مجرّد التضييق الإعلامي أو السياسي هنا وهناك، بل المطلوب هو الخضوع الكامل عبر ما يُسمّى التطبيع الشامل.

السياسة السورية تفقد المرتكزات الإقليمية والدولية التي اعتمدت عليها في الماضي، وخطؤها الأكبر كامن في العجز عن إيجاد مرتكز بديل، ولا يوجد في الأصل ما يمكن أن يضعف مفعول حصار خارجي سوى قوّة الالتحام الداخلي، وهذا ما كان ولا يزال مفتقدا، سياسيا وحزبيا وشعبيا، ولا حاجة هنا للوقوف إطلاقا عند أقاويل لا قيمة لها، من قبيل من يحسبون أو يزعمون أنّ الحزب هو الشعب والشعب هو الحزب، مصداقا لعبارات أُقحمت على الدستور ككثير سواها، أو عبر واقع مفروض "أمنيا" رغم كلّ قانون ودستور.

إنّ إشكالية الزعامة السورية هو الاقتصار في تعاملها مع الإصلاح الداخلي على منظور التعامل مع شعار مخادع اصطنعته جولة الهيمنة الراهنة باسم نشر الديمقراطية ودعم حقوق الإنسان، وكأنّ في الإمكان إقناع أحد بأنّ الجنود الأميركيين في العراق مستشارون في الديمقراطية، وأنّهم في غوانتانامو مستشارون في حقوق الإنسان.

"
دخول السياسة السورية بنفسها إلى المصيدة الحالية كان عبر ولوجها لبوابة ربط المطلوب داخليا بالمطلوب أميركيا وغربيّا جنبا إلى جنب مع اتهام المعارضة كلما طالبت بحريات حقيقية داخليا بأنّها تسير على طريق واشنطن
"
إنّ دخول السياسة السورية بنفسها إلى المصيدة الحالية كان عبر ولوجها لبوّابة ربط المطلوب داخليا بالمطلوب أميركيا وغربيّا، جنبا إلى جنب مع اتّهام المعارضة كلّما طالبت بحريات حقيقية داخليا، بأنّها تسير على طريق واشنطن.

ويمكن التنويه بمثال صارخ على ذلك بإيجاز هو التعامل الرسمي مع الإسلاميين، والحديث هنا هو عن توجّه شعبي إسلامي منتشر في سوريا كانتشاره ما بين إندونيسيا والمغرب، ويعبّر عن نفسه سياسيا بصور عديدة رغم الضغوط القصوى، والسياسة السورية الرسمية حريصة على عدم ذكر هذا التوجّه الإسلامي الشامل إلاّ تحت عنوان "الإخوان المسلمين".

والمثال هو التناقض الظاهري بين سلسلة تصريحات إيجابية رسمية، كانت الأولى من نوعها، تضمّنت قبل شهور ذكر "الإخوان المسلمين" مباشرة، على لسان وزير الخارجية حينا، ووزيرة المغتربين حينا آخر، وفي وسائل الإعلام حينا ثالثا، وبين سلسلة تصريحات جديدة بعد آخر مؤتمر عام لحزب البعث في سوريا أجهضت فيه مسيرة الإصلاح الموعود، عبر الاكتفاء بإسقاط فريق من رموز حقبة سابقة، وتغييرات شكلية دون مستوى التغيير السياسي الحقيقي، وجميعها تصريحات تؤكّد أنّ أي انفتاح داخلي محتمل، وإن كان جزئيا، لن يشمل الإسلاميين.

قد يزول التناقض عند الإشارة أنّ التصريحات الأولى رافقت قبل بضعة شهور ما كانت واشنطن تلوّح به لحلفائها في المنطقة من إمكانية التعامل مع التيّار الإسلامي على حساب الحكومات التي تحظر عمله وحساب مَن يعاديه من التيار العلماني. وأنّ الموجة الأخيرة من التصريحات الرسمية السورية تتزامن أو تتناغم مع تراجع واشنطن عمّا كانت تلوّح به، سيّان هل كانت تبيّت ذلك مسبقا، أم أنّها اكتشفت افتقاد أيّ أرضية مشتركة مع التيّار الإسلامي على صعيد قضية فلسطين بالذات.

إنّ سائر القوى السورية المضطهدة المعارضة، في الداخل والخارج –إلاّ فريقا فَقَدَ انتماءه إلى سوريا بقدر ما ربط نفسه بواشنطن- كانت وما تزال تنطلق من استحالة القبول، جزئيا أو كليا، بدبابة أميركية، أو أموال أميركية، أو أي شكل من أشكال الاحتضان الخانق الأميركي، مطيةً للوصول إلى حقّ مشروع في الأصل، هو المشاركة الحقيقية، الفعّالة والمضمونة، في صناعة القرار السياسي وغير السياسي في سوريا، على قدم المساواة والتكافؤ بين سائر الفئات، ناهيك عن حقّ الدفاع عن الأرض والشعب والتاريخ والمستقبل، تجاه المطامع الأجنبية والهيمنة الصهيو-أميركية.

لم تدرك الزعامة السياسية السورية أو لا تريد أن تدرك أنّ مشكلتها الحالية هي مع خطر خارجي، وليست -أو لا ينبغي أن تكون- مع أهل سوريا، بمختلف طوائفهم وأحزابهم وانتماءاتهم، السياسية وغير السياسية.

ولكنّ هاجس الحفاظ على السلطة وضع السياسة السورية في قفص ردود الفعل، وخارج دائرة المنظور الإستراتيجي أو القومي، وهنا يستحيل تحقيق الشروط الأولية المطلوبة من دولة ضعيفة نسبيا، للصمود أمام أكبر حملة عاتية لفرض المزيد من الهيمنة الأجنبية.

"
الإصلاح الحقيقي ليس ورقة للمساومة، إنما كان في الماضي واحدا من منطلقات القوّة الذاتية السورية أضاعه التشبّث بسلطة انفرادية، وهو في الوقت الحاضر أيضا منطلق لا بديل عنه للقوّة الذاتية، ولا تزال السياسة الرسمية السورية تعطّله
"
الإصلاح الحقيقي ليس ورقة للمساومة، ولا ينبغي لأي طرف أن يتعامل معه وكأنّه ورقة للمساومة، إنّما كان في الماضي واحدا من منطلقات القوّة الذاتية السورية أضاعه التشبّث بسلطة انفرادية، وهو في الوقت الحاضر أيضا منطلق لا بديل عنه للقوّة الذاتية، وما تزال السياسة الرسمية السورية تعطّله رغم أنها تواجه ظروفا جديدة وحملة عدوانية أجنبية جديدة.

ولا يتحقّق إصلاح حقيقي إطلاقا عبر سؤال المناورة السياسية: ما المقدار من الإصلاح الذي يمكن إن "سُمح" به داخليا أن يدفع إلى تراجع الهجمة العدوانية الخارجية؟ ولا جواب على هذا السؤال فالإصلاح السياسي الداخلي لا يوقف تلك الهجمة بل قد يزيدها للقضاء على ما يحققه من منجزات.

المشكلة كامنة في طرح السؤال معكوسا ومن زاوية خاطئة، تتجاهل أنّ الإصلاح مطلوب لذاته، مثلما تتجاهل أن تحقيقه يوفّر جبهة متماسكة بمقدار ما تكون الحريات حقيقية شاملة والحقوق راسخة متكافئة مضمونة، فآنذاك نصل إلى النتيجة فنقول: إنّ الجبهة الداخلية القائمة على أسس قويمة أقدر على مواجهة الأخطار الخارجية، في مختلف الظروف والأوقات.

لقد فوّتت الزعامة السورية أكثر من فرصة للإصلاح ولتحقيقه فعلا لا كلاما، وواقعا تطبيقيا لا شعارات دون مضمون. وفي هذه الأثناء -وليس لهذا السبب- انتقلت المواجهة الخارجية تدريجيا حتّى أصبحت السياسة السورية نفسها في المصيدة. فهل فات الأوان؟

الإصلاح مطلب ثابت لا يفوت أوانه، إلى أن يتحقق، كاملا غير منقوض، شاملا لا استثناء فيه، جذريا لا شكليا، دستوريا وقانونيا وتطبيقيا، وليس بأسلوب خطابي.

ولا يسقط هذا المطلب حتّى وإن زال الخطر الخارجي أو اضمحلّ افتراضا، كما أنّ تلبيته لا تتحقق بأسلوب توزيع الحلوى لاستمالة فريق ومناورة سواه، كما لو كانت الحقوق والحريات من هبات الحاكم فيمنحها أو يمنعها كما يشاء.

إنّما يبدأ الإصلاح ويبدأ به الصمود خارجيا، بموقف حاسم لا لَبْس فيه، وخطوة حاسمة لا مناورة تحبطها، وهذا ما لا يزال يُنتظر من السياسة السورية، قبل أن يفوت الأوان بالنسبة إليها وليس بالنسبة إلى سوريا، فالشعوب باقية، والقضايا الحيّة باقية، وأصحاب السلطة جميعا إلى زوال محتّم.
_____________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة