الدخول في دائرة الاستهداف الأميركي
يمثل نشر نتائج تقرير ميليس مؤخراً بشأن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري مدخلاً مثالياً بالنسبة لأميركا للضغط على سوريا.
 
لكن دخول نظام الحكم في سوريا في دائرة الاستهداف الأميركي أخذ يتضح، وعلى نحو متسارع، خصوصاً خلال السنتين الماضيتين، وقد أسهم في ذلك عدة عوامل أبرزها:

1. الاحتلال الأميركي للعراق وانعكاساته على المنطقة، وأسلوب التعاطي السوري غير المرضي لأميركا معه.

2. التطورات الأخيرة على الساحة اللبنانية، وما تبع ذلك من إخراج للقوات السورية من لبنان، وخسارة سوريا للورقة اللبنانية، واحتمالات استخدام نتائج التحقيق في اغتيال الحريري وسيلةً للضغط على سوريا.

3. رغبة اليمين الديني والمحافظين الجدد في أميركا في استخدام ثقلهم الكبير في البيت الأبيض، لإحداث تغييرات في الشرق الأوسط تخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، حتى لو اقتضى ذلك أحياناً استخدام وسائل وأساليب أكثر قوة وعنفاً.

4. انحسار انتفاضة الأقصى، ودخول القوى الفلسطينية في حالة تهدئة، والاندحار الإسرائيلي من قطاع غزة، ومحاولات إحياء مسار مفاوضات التسوية النهائية، ومحاولات استيعاب أو تهميش أو سحق حماس وقوى المقاومة.
 
ومن ثمّ الضغط على سوريا للتخلي عن ورقة المقاومة الفلسطينية، والتساوق مع المسار العام لمشروع التسوية للدخول في مفاوضات نهائية مع الكيان الإسرائيلي، تُقدِّم سوريا من خلالها تنازلات يراها الإسرائيليون ضرورية لحالة "سلام" دائمة (تنازل عن أجزاء من الجولان – ضمانات أمنية – تطبيع... إلخ).
 
وبشكل عام، أخذت الادعاءات الأميركية تتزايد بأن النظام السوري يعاني حالة ضعفٍ يمكن استثمارها إما في إسقاطه أو الضغط عليه في سبيل الحصول على مكاسب كبيرة.
 
وقد ادعى شارلز كراوثامر في مقالٍ نشرته الواشنطن بوست في الأول من أبريل/نيسان 2005 بأن هناك محور شر جديد تمثله سوريا وإيران وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، وأن "سوريا هي الجائزة Syria is the prize "، حيث إن الضغط عليها سهل، وأنه إذا ما تم قلب الأوضاع فيها فإن هذا المحور سينكسر.
 
كما ادعى روبرت ساتلوف (المدير التنفيذي لمركز واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) أن النظام السوري في وضعٍ هشٍّ جداً، وأن على أميركا أن تستغلّ ذلك. كما كتب دينيس روس وغيره كلاماً شبيهاً.
 
"
ما هو مطلوب من النظام الحاكم في سوريا يتعلق بالعراق ولبنان ومشروع التسوية والمقاومة أكثر مما يتعلق بعملية الإصلاح في سوريا وتطبيق الديمقراطية، أي أنه مرتبط بالسعي لإعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأميركية الإسرائيلية
"
السيناريوهات المحتملة

من اللافت للنظر أن معظم الدراسات التي اطلعنا عليها ومعظم تصريحات الساسة الأميركيين، تركز على ما هو مطلوب من النظام الحاكم في سوريا تجاه العراق ولبنان ومشروع التسوية والمقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتفتقر إلى التركيز على عملية الإصلاح في سوريا وتطبيق الديمقراطية.
 
وبعبارة أخرى فإن الحديث عن سوريا مرتبط بالسعي لإعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأميركية الإسرائيلية.

 أما أبرز السيناريوهات المحتملة التي نجدها في ثنايا الكتابات والدراسات فهي:

1- عزل النظام (تكرار السيناريو الليبي)
يبدو هذا الخيار أحد أبرز احتمالات السياسة الأميركية المستقبلية تجاه النظام السوري، خاصة وأن الإدارة الأميركية يمكن أن تتسلح بقراري مجلس الأمن الدولي 1559و1595 المتعلقين بلبنان، ونتائج تقرير ميليس، كما يمكن أن تبني على "قانون محاسبة سوريا" الذي وقعه الرئيس الأميركي بوش في ديسمبر/كانون الأول 2003.
 
وفي هذا الإطار رأى نيكولاس بلاندفورد مراسل صحيفة كريستيان ساينس مونيتور أن الانتقاد الشديد الذي وجهته الإدارة الأميركية لسوريا في هذه الأيام يعدّه الكثير من المحللين بداية لمحاولة واشنطن "تكرار النموذج الليبي" أي فرض عزلة اقتصادية وسياسية شاملة على النظام السوري لإجباره على إحداث تغيير جذري في سياسته".
 
ونقل بلندفورد عن خبير دراسات الشرق الأوسط البروفسور جون لانديس قوله: "سوف يمسكون بخناق السوريين ويضغطون عليهم ويهزونهم بعنف حتى يروا ما الذي يمكن أن ينـزل من جيوبهم".
 
وأضاف مراسل المجلة "إن أولى نذائر هذه العزلة الدولية ظهرت حين اضطر الرئيس السوري لإلغاء زيارته إلى الولايات المتحدة للمشاركة في القمة العالمية في الأمم المتحدة، بعد أن تلقى في اللحظات الأخيرة إشارات واضحة بأنه شخص غير مرحب به في واشنطن".
 
وأصحاب هذا الخيار لا يرون ضرورة تقديم أية مكافآت أو إغراءات لسوريا في المرحلة الحالية، ويفضلون كما يذكر دانيال بيمان أن لا يتم تقديم "الجزرة " لسوريا بانتظار أن تحدث العصا نتائجها.

وذكرت مجلة نيوزويك في عددها الصادر في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2005 نقلاً عن مصادر حكومية رفضت الكشف عن هويتها أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أثنت مؤيدين -ضمن الإدارة الأميركية- لشن غارات على سوريا عن عزمهم، معتبرة أن عزل سوريا سياسياً إذا اتهمها تقرير الأمم المتحدة بالتورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري سيكون أشد فعالية من عمل عسكري.
 
2- الارتباط الانتقائي (سياسة العصا والجزرة)
وهذا الخيار قريب من الخيار السابق، ولكنه يُفضل تقديم بعض المغريات والأثمان إلى جانب وسائل الضغط.
 
وفي دراسة نشرها في أغسطس/آب 2005، ينصح دينيس روس المنسق العام للسلام في الشرق الأوسط سابقاً، الإدارة الأميركية بانتهاج سياسية العصا والجزرة، ولكنه ينبه إلى وجوب ضبط وتوضيح هذه السياسة، إذ يرى أن الحكومة الأميركية لم تحدد ما يمكن أن تقدمه من مكافآت لسوريا في حال استجابتها للإملاءات الأميركية، كما أنها لم تحدد من ناحية أخرى، ما هي طبيعة العقوبات التي تلوح بها.
 
ويرى أيضاً أن اتباع سياسة العصا والجزرة، لا يمكن أن يكون فعالا ما لم يكن الطرف الأوروبي مستعداً للتجاوب مع السياسة الأميركية بهذا الخصوص، وموافقا على أي إجراءات قد تتخذها الولايات المتحدة ضد سوريا في المستقبل.
 
وينصح بهذا الخيار أيضاً آخرون أمثال فلنت لفريت المحلل المتخصص بقضايا الشرق الأوسط في مؤسسة سابان للدراسات في الولايات المتحدة.
"
خيار التدخل العسكري المباشر في سوريا هو الأقل قبولاً عند الإدارة الأميركية نظراً لما يحدث في العراق، ولخوف الخبراء الأميركيين من أن يؤدي إلى تأجيج روح العداء ضدها في العالمين العربي والإسلامي
"
3 - تدخل عسكري أميركي مباشر
هذا الخيار يدافع عنه من يرون أن مخاطر بقاء سوريا في قبضة نظام الأسد أعظم بكثير من مخاطر الإطاحة به.
 
وتؤكد مجلة نيوزويك الأميركية تجدد الحملة الداعية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة مع سوريا وإيران في أوساط المحافظين الجدد، مضيفة أنه على الرغم من إدراك المتشددين من المحافظين الجدد أنه من المستبعد أن تكون الضربة العسكرية هي الخيار الأول للولايات المتحدة بسبب انشغالها في العراق، فإن العمل العسكري ما زال الخيار المفضل لدى هذه الفئة التي تود أن ترى النظام في كل من سوريا وطهران يتغير.
 
ولكن يبدو هذا الخيار من بين كل الخيارات هو الأقل قبولاً عند الإدارة الأميركية نظراً لما يحدث في العراق، ولخوف الخبراء الأميركيين من أن يؤدي تدخل الولايات المتحدة عسكرياً في سوريا إلى تأجيج روح العداء ضدها في العالمين العربي والإسلامي، فضلاً عن عدم وجود أية ضمانات أكيدة بأن سوريا لن تتحول إلى مستنقع خطير ومدمر للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وخصوصاً الكيان الإسرائيلي.

وكانت مصادر تركية كشفت عن أن مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي ومساعدة وزيرة الخارجية الأميركية للدبلوماسية العامة كارين هيوز، نقلا إلى أنقرة طلباً أميركياً يتعلق بسيناريو لتغيير نظام الحكم في سوريا.
 
ولكن تركيا -حسبما نقلت شبكة أن تي في الإخبارية التركية- رغم تشجيعها للتحول الديمقراطي في سوريا، حذرت من أن اللعب في الموضوع السوري ستكون له مخاطر كبيرة، أكثر من المخاطر الناجمة عن الموضوع العراقي.

وقد نقلت صحيفة هآرتس في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2005 عن مصادر رسمية إسرائيلية أن مسؤولين أميركيين استشاروا الإسرائيليين مؤخراً حول من يمكن أن يخلف الأسد، مع المحافظة على استقرار سوريا.
 
وقال الأميركيون أن انطباعهم أن إسرائيل تفضل إضعاف الأسد، بحيث يسهل وضعه تحت الضغط الدولي وبحيث يظل في السلطة، وأن إسرائيل غير متحمسة لاحتمالات تغيير النظام في سوريا.
 
4- توجيه ضربة عسكرية محدودة
بالنسبة لأميركا فإن هذا الخيار يتميز بعدة مزايا، فهو أولاً قد يهز ثقة النظام بنفسه ويهز ثقة الشعب بالنظام الحاكم ويفقده هيبته، وهو ثانياً قد يحدث إصابات وأضرارا جسيمة في المواقع المستهدفة، وهو ثالثاً محدود التكاليف ولا يتضمن عادة خسائر أميركية تذكر في الأرواح خصوصاً مع استخدام السلاح الجوي والصواريخ.
 
لكن هذا الخيار يدخل ولو مرحلياً -إذا ما استخدم بشكل محدود- في دائرة إضعاف النظام وليس إسقاطه.

ولا تستبعد الإدارة الأميركية توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا من حساباتها الإستراتيجية، وقد تحدثت مجلة نيوزويك في عددها الصادر في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2005 بأن هناك "حركة يقوم بها الجنرالات والأدميرالات في البنتاغون من أجل تجديد الخطط المحتملة لضربة أميركية لسوريا".
 
ومع أن بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية يعتبرون هذه الحركة "عملاً روتينياً في إطار المراجعة الدائمة للخطط العسكرية الأميركية في ضوء الحرب على العراق"، فإن بعض الأصوات ترتفع مطالبة بشن ضربة عسكرية جوية خاطفة على مواقع عسكرية سورية، خاصة في محافظة حلب والمناطق التابعة لها، حيث تدعي الأوساط الأميركية وجود معسكرات يتدرب فيها "الإرهابيون" قبل انطلاقهم إلى العراق عبر الحدود السورية العراقية.

ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2005 عن فلينت ليفريت أن الإدارة الأميركية تدرس شن عمليات عسكرية عبر الحدود داخل سوريا لتضغط على نظام الحكم، وتعطي رسالة للسوريين داخل سوريا وخارجها بأنه حان أوان تغيير نظام الحكم.
 
وأضافت أن واشنطن تنظر أيضاً في القيام بضربات عسكرية على الحدود السورية رداً على دعم دمشق المزعوم لمن تسميهم أميركا "المتمردين".

"
الخيارات التي سيفرزها عصيان مدني أو ثورة شعبية في سوريا ستكون على الأغلب أكثر تشدداً وحزماً مع أميركا وإسرائيل
"
5- الثورة الشعبية أو العصيان المدني داخل سوريا

لا يبدو ذلك الآن خياراً قوياً، لأن الأحزاب المشروعة والممنوعة وقوى المجتمع المدني ليست في وضع يمكنها من القيام بعصيان مدني ناجح، يؤدي إلى تغيير نظام الحكم، فضلاً عن أن الخيارات التي سيفرزها مثل هذا الأسلوب في تغيير النظام، ستكون على الأغلب أكثر تشدداً وحزماً مع أميركا وإسرائيل.
 
وتتخوف الأوساط الأميركية من هذا البديل لأنه غير مضمون النتائج، ولأنه يفتح حسب رأيها احتمالات تولي سنةٍ متعصبين أو الإخوان المسلمين للقيادة، أو قد تحدث حالة من الفوضى في البلد.
 
وقد ذكر دينيس روس في ندوة الصحافة العربية بباريس في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2005 أنه لا يعتقد بوجود خطة ضد سوريا لأن المشكلة تكمن في أن المعارضة الوحيدة المتوفرة حتى الآن هي الإخوان المسلمون.
 
6- انقلاب عسكري داخلي
وهو احتمال أن تبادر مجموعة من كبار الضباط ذوي الخبرة والنفوذ الكبيرين في الجيش، بعد حصولها على ضمانات خارجية بتغيير النظام الحالي بطبقة "اقل تسلطا وأكثر انفتاحاً" حسب رأيهم.
 
وقد تحدث روبرت ساتلوف عن هذا الاحتمال قائلاً إن كبار رجال الطائفة العلوية المستائين من أداء بشار قد يقررون تغييره بعلوي آخر أكثر فاعلية.
 
كما أشار دينيس روس إلى هذا قائلاً "إذا سقط بشار، فيمكن أن تقع سوريا تحت قيادة شخص قوي مثل آصف شوكت، وقد يخلفـه تحالف علـوي-سنّي من ضباط أكثر وعياً".

ولكن أميركا لن تشجع مثل هذا السيناريو إلا إذا ضمنت نتائج أفضل، كما حدث في الحالة الباكستانية عندما تمكن الجنرال برويز مشرف من السيطرة على الحكم، حيث قدم خدمات هائلة للسياسة الأميركية، في الوقت الذي حافظ فيه على لباس ديمقراطي لنظامه الحاكم.
 
وقد يمثل نموذج التغيير الجديد الذي حدث في موريتانيا دافعاً للأميركان لاستقراء إمكانات تطبيقه سورياً. وقد نشرت صحيفة فاينانشال تايمز في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2005 خبراً مفاده أن الأميركان يبحثون عن عسكري يمكن أن يقوم بهذا الدور.
 
"
قتلة الحريري يجب أن تتم معاقبتهم، ولكن دون مكافآت لإسرائيل وأميركا، ودون معاقبة لفصائل المقاومة الشريفة التي تدافع عن أرض الأمة المغتصبة وعن كرامتها
"
سوريا أمام مفترق طرق
تتواتر الأخبار عن سعي فرنسي-أميركي لفرض عقوبات دولية على سوريا وعزلها من خلال استخدام نتائج تقرير ميليس، حيث يلقى أمر معاقبة قتلة الحريري إجماعاً لبنانياً وعربياً ودولياً.

لقد بات الضغط على سوريا أمراً محتوماً، وحتى لو تعاونت سوريا بشكل كامل فيما يتعلق باغتيال الحريري، فإنه من المتوقع أن أميركا لن تقف عند هذا الحد، وستجعل عملية الرضوخ لإملاءاتها المتعلقة بالتخلي عن استضافة قادة فصائل المقاومة الفلسطينية، بالتساوق مع المسار العام لمشروع التسوية مع الكيان الإسرائيلي، فضلاً عن التعاون فيما يتعلق بالملف العراقي، هي طوق النجاة الذي تقدمه للنظام الحاكم في سوريا.

إن على سوريا السعي لتفويت الفرصة على الأميركان والصهاينة في تنفيذ مخططاتهم، من خلال فصل مسار التحقيقات باغتيال الحريري عن مسار استهداف المنطقة وتركيعها.
 
ويجب أن يفهم الجميع أن قتلة الحريري يجب أن تتم معاقبتهم، ولكن دون مكافآت لإسرائيل وأميركا، ودون معاقبة لفصائل المقاومة الشريفة التي تدافع عن أرض الأمة المغتصبة وعن كرامتها.
__________________
كاتب عربي

المصدر : الجزيرة