عيسى بوقانون

الإعلام أداة إجرائية
الجزيرة للأطفال وتجديد الرؤى
المشروع وحتمية الإصلاح
الطفل والمسكوت عنه

الإعلام كمكون للتغيير
صناعة الطفل المنتج
الإعلام التفاعلي

أسلوب طريف وطريقة مبتدعة

بعيدا عن القراءات الإنشائية للمشروع فإن الفكرة لا تكاد تخلو من الأهمية, تلك التي تتشكل من خلال نقد للنسق المعرفي القديم الذي نشأ عليه أطفالنا, وهو نسق أقل ما يوصف به أنه جلب المصاعب لأمتنا واستحالت رؤانا المعرفية مثار ريب وشك بسبب التصاقها بالسياقات الدينية ذات التأويلات العقيمة في كثير من أمورها.

السياق الديني الإسلامي وباعتباره فكرا اجتهاديا ترك للمجال التأويلي أن يسرح ويمرح, مع ذلك علقت به كثير من الشوائب في تاريخه الطويل وتسللت إليه التفسيرات العقيمة التي أثقلت كاهله, واستحالت من جراء ذلك رؤانا مسكوكات محنطة, نصول حواليها ونجول ونحوم حول حماها ولا نكاد نصيب الهدف في قليل ولا كثير.

"
ثمة مشاريع طموحة هدفت إلى العناية بالطفل, لكنها لم تعره ذلك الاهتمام المنوط, فتفرغت فقط للحديث عن هواياته أو شغله بأفلام يرغب فيها
"
الإعلام أداة إجرائية
ومع أن الإعلام أداة إجرائية من أدوات التغيير والإصلاح، يكاد يخلو إعلامنا العربي -للأسف الشديد- من قيمة معرفية تقيم كبير وزن للنقد من أجل تشكيل الرؤية الاستشرافية، وذلك من خلال توجيه سليم، رغم أن ثمة مشاريع طموحة هدفت إلى العناية بالطفل, لكنها لم تعره ذلك الاهتمام المنوط, فتفرغت فقط للحديث عن هواياته أو شغله بأفلام يرغب فيها.

والقيمون على البرامج الإعلامية في بلادنا كانوا قد أهملوا شريحة الأطفال من مشروعاتهم حين يتعلق الأمر بمواضيع هادفة ومخطط لها قبلا, ورغم أن تلك الشريحة -أي الأطفال- تشكل نسبة تكاد تقارب نصف تعداد السكان العرب, فإنه يتم تجاهلها حين يتعلق الأمر برسم إستراتيجية موجهة ترتضي الإصلاح منهجا والتغيير ضرورة.

وفضلا عن ذلك فإن الإعلام البائس الذي يتكسب من فرط الأونطجية الفارغة والفهلوة الكاذبة, كان قد أسهم في تكريس الرداءة وعمل على تشكيل مفاهيم الخنوع والانحناء, إعلام أقل ما يوصف به أنه إعلام يقفز إلى القشور في غياب الجوهر.. إعلام راضخ وسلبي, وفي كل أشكاله عقيم.

الجزيرة للأطفال وتجديد الرؤى
جاءت فكرة الجزيرة للأطفال من منطلق إرادة سياسية لا محالة, لأن الاهتمام بالطفل وسيكولوجيته ليس بالأمر الهين.

وتغيير العقل العربي في ظل التحولات السياسية الراهنة لم يعد أمرا سهلا لأن القراءات للتاريخ العربي -من مثل تلك المتعلقة بإضفاء الصفة المثالية الممهورة بالنرجسية- تركت في الإنسان العربي جرحا لا يندمل بفعل الأكاذيب التي تمكنت في ذهنه من أنه يملك موروثا يرغم العالم أن يقف حانيا هامته تجاهه، وصارت تلك المقولات الإنشائية مثيرة للضحك والسخرية معا، لأن تلك المفاهيم العقيمة التي غرسها محاربو الشعوبية ورواد البعث العربي إنما ولدت عند الإنسان العربي روح التقاعس والانحناء، لأنها ترى أن التاريخ هو الذي يشكل المفهوم في كل جوانبه، وأن أي تجديد هو مدين للقديم باعتباره إرهاصا لا مناص منه. وهذا يعتبر قراءة سلبية للتاريخ وللمفاهيم في الوقت نفسه، لأن القدامى اجتهدوا والتاريخ صنع منهم جهابذة فعلا، غير أن آلياتهم المعرفية قد لا تكاد تتساوق والرؤى الحديثة.

وقديما قالوا:  يقول من تقرع أسماعه   كم ترك الأول للآخر

وكان هذا الإنذار إجراء صريحا في وجه المفاهيم التقليدية البائسة التي كانت تردد منذ أمد بعيد كمقولة "ما ترك الأوائل للآخر شيئا". فالانفتاح ضرورة لا مناص منها, فنفتح نوافذنا على الآخر شريطة ألا يتحول الانفتاح إلى انبطاح.

"
إصلاح الطفل وتخليصه مما علق به من المتسلقات والأعشاب من شأنه أن يسهم في تشكيل جيل جديد يعبر عن طموحات رائعة لمفاهيم جديدة
"
المشروع وحتمية الإصلاح
أي إصلاح يرتجى يجب أن يمر عن طريق قراءة متأنية غير بريئة في مرحلة الطفولة وما يمكن أن تحمله هذه المرحلة من زخم معرفي. والنظر في أساليب التربية العربية أمر لا مندوحة منه حين نرنو إلى أي إصلاح بكل مفاهيمه.

فإصلاح الطفل وتخليصه مما علق به من المتسلقات والأعشاب التي لصقت به من شأنه أن يسهم في تشكيل جيل جديد يعبر عن طموحات رائعة لمفاهيم جديدة, ومنها تلك المتعلقة بحوار الثقافات بعيدا عن مفاهيم الإقصاء والأحكام المسبقة للآخر.

فالإصلاح السياسي مرهون إذن بالنظر في مرحلة التكوين الأساسية التي نشأ فيها أبناؤنا من مختلف الأجيال في تاريخهم الطويل. وقديما قال أكثم بن صيفي "إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي".

إلا أن الإنسان العربي يعيش في الأغلب الأعم طغيانا من حاكمه, وهو بدوره يمارس الأبارتايد ضد زوجته وأبنائه. وفي خضم هذه الحلقة الحلزونية تتشكل مفاهيم العقد وتستفحل نزعات الرهبة والخوف.

وليس الطفل ببعيد عن هذا السياق الاستهلاكي البائس الذي يحوله إلى إنسان محبط وطفل مقهور لا يملك استقلالية في الرأي إلا في ظل ما تسمح له به روح الأبوة التي تعد السلطة القاهرة التي تملك زمام الحل والعقد.

"
مقولات "أطفالنا أكبادنا" أو "أطفالنا نحبهم مهما لنا أساؤوا" أو "أطفالنا بحاجة إلى أن نملأ أوقاتهم ببرامج كرتونية".. هي مفاهيم أدبية تندرج في ظل القراءة السخيفة لمفهومية دور الطفل
"
الطفل والمسكوت عنه
الطفل العربي بحاجة لأن يتحدث وأن يرفع صوته جاهرا، وهو في الوقت نفسه بحاجة إلى من ينظر إليه أيضا نظرة المنتج والفاعل الذي يمكنه تغيير النسق الاجتماعي والإسهام بشرف في الإصلاح. لأن مقولات "أطفالنا أكبادنا" أو "أطفالنا نحبهم مهما لنا أساؤوا" أو "أطفالنا بحاجة إلى أن نملأ أوقاتهم ببرامج كرتونية".. هي مفاهيم أدبية تندرج في ظل القراءة السخيفة لمفهومية دور الطفل.

فالطفل كيان متكامل يملك آليات إنجازية وقدرات فطرية تختلف عن مفاهيمنا نحن التي قد يُنظر إليها هو على أنها بالية عفا عليها الزمن وتجاوزتها النظريات، لأنها بكل بساطة لا تكاد تشفي له غليلا ولا تبل صدأ.

وفي الأثر قال الإمام علي كرم الله وجهه في وصية للآباء قائلا "لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم (أو على تربيتكم)، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم". من هذا المنطلق استحال النظر إلى قضية الطفل بوصفها قضية يجب أن نحول تجاهها مفهومنا ومخيلاتنا كي نغير فيها ونصلح.

هذه القضية لا تتجلى في تغيير المناهج التربوية الممهورة بالمفاهيم العقيمة والمادة غير المجدية. فكثيرا ما تثير مقررات التلاميذ غمز الطلاب وسخريتهم لفرط ما تثيره فيهم من أساليب التعجب والحيرة معا، لأنها ولسبب بسيط ضحلة ولا تكاد تصيب الهدف في شيء, تستعصي مفاهيمها على مدرسيها وحتى على القيمين على إعداد تلك البرامج، وليس للتلاميذ في استنباطها حظ ذو خطر.

"
يلزم أن نخاطب الطفل العربي بطريقة تفاعلية فيتحول هو نفسه إلى أداة معرفة وإلى قدرة إنتاجية يدلي بدلوه في الموضوعات التي تخصه ويسهم في تشكيل الرؤية المستقبلية له
"
الإعلام كمكون للتغيير
لذلك فالأمر يدعونا حثيثا لأن ننظر إلى الإصلاح بالمفهوم الشمولي. فالتغيير حقيقة ينبغي أن يطال العقول قبل المفاهيم الإجرائية, لكن يلزم أيضا أن نخاطب الطفل العربي بطريقة تفاعلية فيتحول هو نفسه إلى أداة معرفة وإلى قدرة إنتاجية، يدلي بدلوه في الموضوعات التي تخصه، ويسهم في تشكيل الرؤية المستقبلية له، فهو وحده فقط يمكن أن يساعدنا في توضيح ما غمض من الصور القاتمة التي تسللت إلى عقول الكبار بحسن نية وعن جهل.

الأجهزة المفهومية للطفل هي من القدرة بدرجة لا يستهان بها البتة، غير أن تحريك تلك الروافد المعرفية والزخم المعرفي الذي يطلق عليه تشومسكي برفورمونس "الإنجاز" وكمبيتنس "القدرة", يجب أن يوجه بطرق وحيل مرنة لتناسب سن الطفل وقدراته الإنتاجية.

توجيه عقل الطفل ليس عادة سيئة, ذلك أن كل الدول المتطورة إنما تنحو هذا المنحى فتدفع الطفل للتفكير والتأمل من خلال معلومات ميسورة هي بمنأى عن التعقيد. والمتلقي –الذي هو الطفل- إنما يتغلغل إلى الأشياء التي يسيل لعابه لها وتغذي نهمه فينظر فيها ويفكر ويتأمل فيقدر. فسيكون -لا محالة- من وراء ذلك كل عجيب.

صناعة الطفل المنتج
لا أزال أومن بأن إعادة تشكيل الإنسان العربي إنما يستلزم ضمنيا صناعة الطفل. والإعلام إنما يأخذ حصة الأسد في الإسهام في تشكيل تلك الصورة المرتجاة. تلك الثقة –التي لا تهتز بالنفس- عند الأميركي إنما مردها إلى الأفلام الأميركية التي صورت الإنسان الأميركي إنسانا خارقا للعادة. فقد ولّد ذلك عنده نزعة سوبرمانية جعلت منه إنسانا ينظر إلى نفسه بعين التباهي والغرور.

قد تكون هذه الإستراتيجية غير محمودة العواقب لأنها تبتعد قليلا فقط عن الجانب الواقعي، لكنها في جانبها الخفي وفي غير قليل من الأمور تربي الثقة وتعلم الممارسة النقدية للنظر إلى الأشياء باعتبارها ليست مسلمات وإنما تخضع للتمحيص والنظر مهما كان مستواها. وذلك من خلال رؤية ديكارتية: الشك أولى مراحل اليقين.

"
إعادة تشكيل الإنسان العربي إنما يستلزم ضمنيا صناعة الطفل، والإعلام إنما يأخذ حصة الأسد في الإسهام في تشكيل تلك الصورة المرتجاة
"
الإعلام التفاعلي
طفلنا العربي يحتاج إلى إعلام ووسائل اتصال منتجة وجريئة تخاطبه وتعلمه وتصقل موهبته. ولعل المشروع الطموح الذي دأبت على انتهاجه الجزيرة للأطفال من شأنه أن يحرك الروافد الساكنة ويتجرأ على مخاطبة الطفل باعتباره منتجا وليس مجرد أداة للزينة نخاف عليها ونحفظها من التلف.

فالطفل باعتباره نسقا معرفيا لا يكاد يختلف عن الكبير، فقط في المنهج المتبع وفي توصيل المعارف. لأن مدار الأمر إنما يكمن في منهج يتسلل إلى عمق الطفل وأغوار نفسيته المعقدة.

فمقولة ديكارت "الأفضل لك أن تترك الحقيقة من أن تبحث عنها من غير منهج" إنما تتساوق والمفهوم النقضي العربي الذي أراد الإصلاح في الآليات منذ أمد بعيد لكنه فشل. ومصدر الفشل إنما يأتي بسبب الرؤية الضيقة الجماعية التي تحارب التجديد باعتباره خروجا عن المألوف.

مهما يكن من أمر فإن الجاحظ قد أشار إلى قيمة الرؤية المنهجية حين قال "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والقروي والعجمي, وإنما الشأن في تخير اللفظ".

تصويب المفاهيم لتتفق وجمالية التلقي عند الطفل يتم -برأينا- عبر توجيه ذوق الطفل وجعل قراءاته وتلقيه تندرج في عداد القراءة الإبداعية أو كما يقول أصحاب الحركات الجمالية. الشيء الذي تفطنت إليه القناة الجديدة هو أسلوب معالجة خبرية جديد.

"
المشروع الطموح الذي دأبت على انتهاجه الجزيرة للأطفال من شأنه أن يحرك الروافد الساكنة ويتجرأ على مخاطبة الطفل باعتباره منتجا وليس مجرد أداة للزينة نخاف عليها ونحفظها من التلف
"
أسلوب طريف وطريقة مبتدعة
يقوم أسلوب القناة الجديدة فيما يقوم عليه على انتهاج أسلوب لغة ثالثة, لا هي بلغة من يعلكون جلود البلاغة القديمة بتلك اللغة الطنانة الرنانة الممهورة بحوشي الكلام الأقرب إلى الحذلقة والتنطع, ولا هي بلغة منحطة. وإنما بكل بساطة لغة انسيابية سهلة تبلغ المراد وتصيب الهدف.

فاللغة الثالثة هي برأينا تلك التي تفيد من المعجم العربي واللغات الحديثة، فذلك هو المنهج الذي يوصل الرسالة بالأسلوب الجميل والطريقة القصصية التي تثير لدى المتلقي لذة الانتظار كما يسميها رولان بارت.

توجيه المعلومة بالشكل البسيط والسلس هو المهمة التي يمكن أن تأخذها على عاتقها القناة الطموح. لأن الأخبار التي تقدمها قنواتنا الإخبارية العربية إنما تنتهج منهجية تتسم بالقلق والرؤية الصادمة التي قد تقتل في الطفل ملكة الإحساس وقوة الإدراك. فبعيدا عن أخبار القتل والاغتيال يلزمنا الانزلاق إلى استعمال معجم لغوي أقل صدمة وأبعد عن النشاز الذي يهيمن على أذن الطفل على نحو الأخبار القاتمة والصور البشعة بأسلوب حقيقي وليس تلفيقيا أو تجميليا مخادعا.

تحويل المشاهد والانحراف به إلى مشاهد أخرى إيجابية إنما يتم عبر الركون إلى معجم لغوي موجه ومسير حسب رؤية إستراتيجية تحاول أن تبعد الطفل عن الأحكام المسبقة والجزافية.

هذا التوجيه الموضوعي يجب أن يغذي الروح الإنتاجية عند الطفل ويولد عنده النزعة التأملية للأشياء. وهذا من شأنه أن يسهم في تربية وتكوين جيل متسلح بأدوات إجرائية وآليات نقدية تمنعه من القراءات الذاتية وتنأى به عن العاطفة الغوغاء والذاتية المفرطة وتخلصه من المفاهيم التقليدية البالية.

مهما يكن من أمر فإن الدور المحوري الذي يمكن أن تضطلع به القناة هو أن تكون أداة للتعبير عن طموحات الطفل حقيقة, لكن من شأنها أن تكون صيغة جديدة لأن يفيد منها حتى الكبار أيضا إذا ما أرادوا النهوض والمساهمة في سبيل إنتاج جيل قوي كفيل بأن يسهم في تشكيل الرؤية الحديثة التي جعلت من تجديد المفاهيم لتتساوق والمعطيات الحديثة من بين أولى أولوياتها.
ــــــــــــــــــ
كاتب جزائري

المصدر : الجزيرة