عاطف معتمد عبد الحميد

- أعمدة المملكة
- نفط روسيا لأميركا
- زهور وبرتقال

لم تكن روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في أحسن حالاتها الاقتصادية كما هي عليه اليوم، فأسعار النفط تخطت كل الحدود التي كانت تحلم بها الميزانية الروسية، فلم يعد سعر 34 دولارا للبرميل الأمل الذي راود المخططين في عام 1999 لرفع الناتج القومي الروسي إلى معدل 5.5% سنويا، فقد فاق هذا النمو بالفعل حاجز السبعة بالمائة العام الجاري.

هكذا حقق النفط خلال السنوات الست الماضية انتعاشة هائلة للاقتصاد الروسي لدرجة صارت روسيا معها، حين جنت في النصف الأول من العام الجاري 34 بليون دولار من تصدير النفط، أقرب إلى مملكة نفطية، ولم يكن مستغربا حينئذ أن تمنح الصحف الأوروبية رئيسها لقب "شيخ الكرملين".

"
الجيولوجيون لا الأيديولوجيون هم الذين سيكتبون مستقبل روسيا، وما في الصخور لا ما في العقول هو الذي سيضمن بقاء القوى الروسية في عالم الغد
"
أعمدة المملكة
تمتلك روسيا أكبر مخزون للغاز الطبيعي في العالم بكمية تبلغ 1.7 تريليون قدم مكعب، وهي ثامن دول العالم في احتياطي النفط بحجم يزيد عن 60 بليون برميل. وقد أهلتها هذه القدرات لتصبح أكبر مصدر للغاز، وثاني مصدر للنفط بعد المملكة العربية السعودية، بل هي بالفعل أكبر مصدر للنفط خارج مجموعة أوبك.

ورغم أن القدرات الصناعية لروسيا تضعها ثالث مستهلك للطاقة بعد الولايات المتحدة والصين، فإن فائضا يزيد عن 70% من إجمالي إنتاجها اليومي من النفط، البالغ 7 ملايين برميل، يتجه للتصدير.

ويتم ذلك عبر شبكة أنابيب ضخمة تتجه إلى دول أوربا الشرقية والوسطى، وعبر السكك الحديدية إلى الصين، والناقلات البحرية إلى كل من اليابان وكوريا والجنوب الأوربي.

وتتحكم في إنتاج وتصدير النفط الروسي أربع شركات عملاقة هى لوك أويل وغازبروم وترانس نفت وروس نفت، وذلك بعد أن وجهت الحكومة ضربة قاضية لشركة يوكوس الخاصة التي كانت أكبر شركات النفط في البلاد، حين تم اعتقال رئيسها ميخائيل خودركوفسكي في أكتوبر 2003 بتهمة التهرب من تسديد الضرائب، فتمت تصفية الشركة لصالح شركات حكومية.

ومع تلك الإمكانات الهائلة فإن قطاع النفط الروسي يواجه مشكلات عدة أبرزها مخاطر تذبذب الأسعار التي تشهدها الأسواق الدولية، وفي مقدورها أن تعصف بمنجزاته فى بضعة شهور. كما تعوز هذا القطاع استثمارات غربية يحول بينها وبين السوق الروسي غياب الاقتصاد الرأسمالي الحقيقي. فمازالت موسكو تفضل "الاقتصاد الحر المحكوم" الذي يناسب الميراث السلطوي لهذه الدولة.

ولذلك يقع إنتاج وتصدير النفط برمته في أيدي القطاع الحكومي الأكثر كلفة والأقل كفاءة والأدنى إنتاجا. كما أن هذا القطاع غير قادر على إنفاق أموال ضخمة على تجديد معامل التكرير القديمة واستبدال شبكات الأنابيب المتهالكة.

ويضاف إلى المشكلات السابقة حقيقة أن 30% من نقل النفط الروسي يتم عبر وسائل غير أنبوبية، كالنقل بالسكك الحديدية والنقل البحري والنهري، وهي وسائل أكثر تكلفة ثلاث مرات مقارنة بالنقل الأنبوبي، كما أنها وسائل قليلة العائد حين يصاب سعر البرميل بانخفاض مفاجئ تهبط به في بعض الأحيان إلى 18 دولارا (وإن كانت روسيا مستعدة للاستمرار في التصدير حتى لو انخفض السعر إلى 12 دولارا).

ستتعرض القدرات الروسية لنقل النفط خلال عام لهزة جديدة حينما يبدأ الضخ الفعلي لنفط بحر قزوين عبر خط الأنابيب باكو- تبليسي– جيهان (من أذربيجان إلى البحر المتوسط مرورا بجورجيا وتركيا)، مما سيسلب الخط الروسي باكو-نوفورإيسيسك (من أذربيجان عبر روسيا إلى البحر الأسود) مكانته التي تسهم بنحو 5% من الطاقة التصديرية لروسيا.

وتواجه ناقلات النفط الروسية التهديد بالحظر من الدول التي تولي القضايا البيئية اهتماما لا يقل عن القضايا الأمنية أو الاقتصادية، إذ تجد الناقلات الروسية اعتراضا من تركيا المتحكمة في مضيق البوسفور في البحر الأسود، ومن الدول الإسكندنافية بسبب التلويث النفطي لبحر البلطيق، ومن عديد من منظمات البيئة العالمية لتلويث الناقلات الروسية لمياه المحيط القطبي الشمالي، وبحر أخوتسك قبالة سخالين واليابان.

الأكثر خطورة في عوامل تهديد إمبراطورية النفط الروسية هو ما قدرته أكاديمية العلوم الروسية من أن أكثر من 60% من احتياطي النفط الروسي (وأغلب حقوله في غرب سيبيريا) على وشك النضوب.

وبينما تتوقع شركات الاستثمار الغربية العاملة في روسيا عمرا لنفاد النفط لا يتخطى 12 سنة، فإن وزارة النفط الروسية قد أعلنت بالفعل 35 سنة كأمد منتظر لانتهاء النفط في الأراضي الروسية.

ولعل ذلك يدحض ما يردده البعض من أن الاقتصاد الروسي مقبل على مرحلة "خليجية" تقوى فيها عملته النقدية ويزداد الاستيراد على حساب التصدير وتنجرف الدولة إلى استهلاك بلا إنتاج، فيما يعرف اصطلاحا باسم المرض الهولندي ( نسبة إلى ما عاشه الاقتصاد الهولندي مع طفرة اكتشافات الغاز في بحر الشمال في الستينيات).

وإذا لم تكتشف حقول جديدة تزيد من العمر المتوقع لضمان تدفق الأموال على الميزانية الروسية وتنمي مخزونها من الاحتياطي النقدي، فإن غموضا كبيرا سيكتنف القدرات الاقتصادية الروسية، ومن ثم سينكمش دورها السياسي على المستويين الإقليمي والدولي.

ولعل ذلك ما دعى موسى نعيم -رئيس تحرير مجلة السياسة الخارجية الصادرة في واشنطن- إلى قوله "الجيولوجيون لا الأيديولوجيون هم الذين سيكتبون مستقبل روسيا، وما في الصخور وليس ما في العقول هو الذي سيضمن بقاء القوى الروسية في عالم الغد".

"
إمداد النفط الروسي للساحل الشرقي الأميركي يمكن أن يصل في نصف الوقت الذي يحتاجه نفط الخليج العربي، على أن يصبح نفط روسيا الأقل سعرا والأسرع وصولا بالتدريج  تأمينا للمستهلك الأميركي
"
نفط روسيا لأميركا
تستخدم روسيا النفط كعنصر مؤثر في سياساتها الخارجية بطرق متباينة، ترهب بإيقاف ضخه الدول التي لا يمكن أن تحيى بدونه تارة، وتغازل به دولا أخرى بمسميات التعاون والشراكة تارة ثانية. كما أن الأمر لا يخلو من تناقضات تجمع بين الوسيلتين.

فإذا بدأنا بالولايات المتحدة فسنجد موسكو -التي تنتقد انفراد واشنطن باقتصاد العالم والسيطرة عليه- لا تستطيع أن تتخذ قرارا يستجيب للطلب الأوروبي بقبض مستحقات موسكو من النفط بعملة اليورو بدلا عن الدولار، والسبب هو تخوف روسيا من تعرض الاقتصاد الأميركي لإصابة بالغة نتيجة سقوط الدولار في مسلسل التحول عن التعامل به في السوق الدولية.

كما أن روسيا مستعدة وبترحاب لإكمال المشروع المتفق عليه مع واشنطن منذ العام الماضي لإمداد الساحل الشرقي للولايات المتحدة بالنفط الروسي عبر الطريق البحري المار بالقطب الشمالي من ميناء مورمانسك الروسي، وذلك بطاقة تصديرية مقدارها 2 مليون برميل يوميا.

وهذا مشروع يمكن أن يصل بالنفط الروسي في نصف الوقت الذي يقطعه نفط الخليج العربي، على أن يصبح بالتدريج نفط روسيا الأقل سعرا والأسرع وصولا تأمينا للمستهلك الأميركي.

أما ما تردده مراكز الأبحاث الأميركية من انتقادات لتمركز السلطة في يد الرئيس بوتين واحتكار الحكومة للقطاع النفطي بعد تدمير القطاع النفطي الخاص منذ أزمة شركة يوكوس، فليس إلا مخادعة ومتاجرة، فجل ما يهم واشنطن هو ضمان استثمار شركاتها في قطاعات التنقيب والنقل دون مضايقات التأميم، وليس سيئا بالنسبة لها لو تم تنويع مصادر الاستيراد بحصة من النفط الروسي.

وليس هذا إلا مشهدا في ممارسات روسيا بشكل عام في السياسة العالمية اليوم، وروسيا صاحبة النظام المتسلط لن تتحول بالضرورة إلى روسيا ستالين فتغزو أوروبا الشرقية كما تتخوف دول البلطيق، وإنما الأقرب أن تصبح مزيجا من تداعيات الصراع على السلطة بين مجموعة من البيروقراطيين فتتأخر بنيتها الاقتصادية ويستمر تدهور مستوى معيشة سكانها.

زهور وبرتقال
مازالت روسيا قادرة على التأثير الاقتصادي في الدول المتفككة عن الاتحاد السوفياتي، ولأن عديدا من هذه الدول تستورد من موسكو أكثر من نصف ما تستهلكه من النفط والغاز، وبصفة خاصة لأغراض التدفئة ووسائل المواصلات، فإن روسيا تراوغ النظم الحاكمة في هذه الدول بحسب درجات القرب منها بوسائل أقلها خطرا رفع الأسعار كما حدث مع كل من مولدافيا وبيلاروسيا ودول البلطيق.

أكثر النماذج وضوحا فى استغلال النفط كسلاح مؤثر على هذه الدولة نجده فى جورجيا وأوكرانيا. ويحضرنا هنا تشبيه مجلة الشؤون الخارجية العام الماضي (عدد أبريل 2004) جورجيا بوردة بين الأشواك الروسية، في إشارة إلى الضغوط النفطية التي تمارسها روسيا تجاه الحكومة الجورجية التى جاءت عبر ثورة الورود الجورجية.

وأبرز أشكال هذه الضغوط التهديد المتكرر بقطع الغاز الطبيعي كعقاب اقتصادي لجورجيا التي تصر على تفكيك القواعد العسكرية الروسية.

"
النفط حين تمتلكه دولة مجهزة عسكريا وذات تاريخ استعماري وطموحات إلى استعادة المكانة العظمى على حساب دول صغيرة محرومة من موارد الطاقة، يصبح أكبر من كونه سلعة، وتصير تجارته نوعا جديدا من الحرب الباردة
"
ويجرنا هذا إلى التشبيه الذي قدمه جون لوفلاند فى معهد ساندريس للدراسات بالمملكة المتحدة حين تتبع "البرتقالة الأوكرانية" على مدى عمرها الذي أوشك أن يكمل عامه الأول، إذ لم يجد لوفلاند في البرتقالة أكثر من حبة ليمون شاحبة، في إشارة إلى ما شهدته أوكرانيا من فضائح جديدة لفساد السياسيين واغتيال المعارضين وتصفية الحسابات بين الخصوم، وهو ما أدى إلى سقوط الحكومة التي اختارها يوتشينكو بنفسه قبل عشرة أشهر من الآن وانتظر منها العالم منجزات خيالية.

لا يمكن إغفال الضغوط التي تمارسها روسيا على النظام الأوكراني الجديد الموالي للغرب، وأسلحتها في ذلك تدشين موقعها كمحتكر أساسي للسوق النفطي الأوكراني بشركاتها الكبرى التي وصلت درجة تحكمها في الأسعار وكميات الإمداد إلى أن خصصت لكل سيارة تتزود بالوقود حدا أقصى مقداره عشرة غالونات فقط، فكانت أزمة الطاقة سببا رئيسيا في سقوط الحكومة الأوكرانية الوليدة.

لم يكن رفع الأسعار والتحكم في مقدار الإمداد من روسيا هو السبب فحسب، بل يجب التذكير بأن معلومات ترددت مؤخرا عن الفساد الحكومي البرتقالي الذي استنزف أموال الدولة، لدرجة أن رميت رئيسة الوزراء اللامعة يوليا تيموشينكو بقرصنة قطاع الغاز لصالح شركاتها النفطية الخاصة، وهو ما ساهم في سقوط حكومتها في مطلع سبتمبر 2005.

كحل جزئي للفكاك من التحكم الروسي في قطاع الطاقة المحلي تحاول أوكرانيا التقارب مع موردين جدد للغاز كما فعلت مؤخرا مع تركمانستان كتمهيد للاستغناء عن الإمدادات الروسية.

غير أن أهمية أوكرانيا لا تتوقف عند مستوى الاستهلاك، فبأراضيها تمر أكبر شبكة لأنابيب النفط والغاز الروسية متجهة إلى وسط وغرب أوروبا.

وما تسعى إليه أوكرانيا هو إضعاف الاقتصاد الروسي القائم على التربح من مرور شبكات الأنابيب بأراضيها قبل دخولها أوكرانيا. ومن جانبها تحاول أوكرانيا إقناع تركمانستان بسحب الغاز التركماني من الأنابيب الروسية وضخه في أنابيب تمر في أذربيجان وجورجيا ثم عبر البحر الأسود إلى الأراضي الأوكرانية، في مشروع التفافي حول الجنوب الروسي ليحرم روسيا من قسم أساسي من دخل الميزانية السنوية.

هكذا يحمل التضارب في المصالح الاقتصادية في تلك المنطقة رائحة البارود، ليس فقط لأن التنافس على مرور الأنابيب صار يسمى اصطلاحا بحرب الأنابيب، بل أيضا لأن النفط حين تمتلكه دولة مجهزة عسكريا وذات تاريخ استعماري وطموحات إلى استعادة المكانة العظمى على حساب دول صغيرة محرومة من موارد الطاقة، يصبح أكبر من كونه سلعة، وتصير تجارته نوعا جديدا من الحرب الباردة.

وفي النهاية لن نكرر أن في ذلك البناء الجغرافي الموروث عن الاتحاد السوفياتي تغيرات سياسية واقتصادية تحاكي في بعض جوانبها ما يعيشه عالمنا العربي، ليس فقط في طبائع الاستبداد وحيل الفساد، فالتجربة بها من الغنى والإثارة ما يمكننا من استقاء المفيد من الدروس والعبر.
ـــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة