صالح محمد النعامي

- من يملك زمام المبادرة؟
- ترشيد توجبه التحديات
- المقاومة الخيار الشاق والوحيد

على وقع استئناف عمليات الاغتيال وحملات الاعتقال والقصف العشوائي، يحيي الفلسطينيون الذكرى الخامسة لاندلاع انتفاضة الأقصى. واليوم، كما في الماضي يطرح السؤال الهام: إلى أين تتجه المقاومة الفلسطينية، وما مدى مساهمة آليات العمل المتبعة من قبل حركاتها في تقريب الشعب الفلسطيني من تحقيق الحد الأدنى من الأهداف الوطنية، أم أن هذه الآليات باتت تباعد بين الفلسطينيين وتحقيق هذه الأهداف؟

وهل تخضع عمليات المقاومة لاعتبارات رشيدة بعد سقوط أكثر من 3800 شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين واعتقال آلاف المناضلين وتدمير ألاف المنازل على مدى عمر هذه الانتفاضة؟ وما يتوجب على هذه المقاومة عمله لضمان بقائها حتى تحقيق الحد الأدنى من الأهداف الوطنية المقبول فلسطينياً والمتمثلة في إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ وهل هناك ثمة بدائل أخرى غير المقاومة يمكن أن تساهم في تحقيق هذه الأهداف، لاسيما بعد استكمال تنفيذ خطة "فك الارتباط"؟

من يملك زمام المبادرة؟
بعد خمس سنوات على انطلاق الانتفاضة يبدو جلياً أن الدولة العبرية توشك على استعادة زمام المبادرة في مواجهة الشعب الفلسطيني بعد تنفيذ خطة "فك الارتباط". وسرعان ما تبين خطأ تقييم حركات المقاومة لانعكاسات هذه الخطة، ومبالغتها في تقدير رمزيتها.

فقد وفرت الخطة هامش مناورة واضحا للدولة العبرية في مواجهة حركات المقاومة، وأصبح بإمكان تل أبيب استغلال فائض القوة لديها بشكل حر في مراكمة الردع ضد المقاومة تحديداً في قطاع غزة. فالدولة العبرية تعتبر أنها باتت متحررة من الكثير من الاعتبارات التي كانت تضعها في الحسبان قبل تنفيذ "فك الارتباط" عند الرد على عمليات المقاومة، وبالذات على الصعيد الدولي والإقليمي.

فإسرائيل تشعر الآن أن لديها غطاء دولياً للرد على عمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة. وتستمد تل أبيب التشجيع من موقف الكثير من الأطراف الدولية التي باتت تعتبر أنه بعد تنفيذ "فك الارتباط"، فإن الكرة انتقلت للملعب الفلسطيني، وأن على السلطة أن تقوم بنزع سلاح المقاومة، كما عبرت عن ذلك اللجنة الرباعية مؤخراً، وأنه في الوقت الذي لا تقوم فيه السلطة بذلك فإن من حق إسرائيل الرد على عمليات المقاومة المنطلقة من القطاع بكل ما تراه مناسباً.

"
بعد خمس سنوات على الانتفاضة يبدو جلياً أن الدولة العبرية توشك على استعادة زمام المبادرة في مواجهة الشعب الفلسطيني بعد أن باتت متحررة من الكثير من الاعتبارات التي كانت تضعها في الحسبان قبل تنفيذ "فك الارتباط"
"
ويشكل الصمت الدولي عن العمليات الواسعة التي قامت بها في قطاع غزة مؤخراً ضمن حملة "أول الغيث" دليلاً على صحة الحسابات الإسرائيلية. في نفس الوقت فإنه لم يعد هناك أهداف إسرائيلية بإمكان حركات المقاومة أن تضربها في قطاع غزة.

فبعد تنفيذ "فك الارتباط" لم يعد هناك مستوطنات وقواعد عسكرية يمكن قصفها أو تنفيذ عمليات تسلل نوعية في قلبها، ونصب كمائن للمستوطنين والجنود أثناء تحركهم في أنحاء القطاع. في نفس الوقت فإن العمليات المنطلقة من القطاع تنحصر في إطلاق الصواريخ على المستوطنات اليهودية الواقعة داخل الخط الأخضر، ومثل هذه العمليات على الرغم من محدودية تأثيرها، فإن إسرائيل تعتبرها مبرراً لقيامها بردود كاسحة باستخدام وسائل لم تستخدم طوال انتفاضة الأقصى، خاصة استخدام المدفعية الثقيلة.

إلى جانب كل ذلك فإن العمليات المنطلقة من قطاع غزة تؤذن بتهاوي الإجماع الفلسطيني حول المقاومة، حيث أن السلطة الفلسطينية تحمل حركات المقاومة تبعات العمليات التي يقوم بها جيش الاحتلال في قطاع غزة رداً على إطلاق الصواريخ، على أمل أن يجر ذلك ردة فعل جماهيرية، كما حدث في أعقاب انفجار جباليا الذي أسفر عن استشهاد 19 فلسطينياً.

ومن نافلة القول إن التجاذبات الداخلية الفلسطينية حول عمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة، قد تمهد الطريق لفتنة داخلية فلسطينية لا تساهم إلا في تراجع القضية الوطنية، ويعزز في المقابل موقف الدولة العبرية.

من ناحية ثانية فإن الضفة الغربية هي الساحة التي بإمكان حركات المقاومة -من ناحية نظرية- توجيه ضربات موجعة لأهداف الاحتلال سواء داخلها أو انطلاقاً منها.

ففي الضفة تتواجد عشرات المستوطنات التي يقطنها عشرات الآلاف من المستوطنين، فضلاً عن انتشار عشرات القواعد العسكرية التي بالإمكان توجيه ضربات لها. في نفس الوقت فإن متاخمة مناطق الضفة للعديد من المدن الإسرائيلية الكبرى جعل من السهل على المقاومين الوصول إلى قلب هذه المدن وضربها. إلا أنه من ناحية عملية، ومنذ حملة "السور الواقي" التي شنتها قوات الاحتلال ضد حركات المقاومة هناك في أبريل/نيسان من العام 2002 وما تلاها من حملات متصلة، قد تقلصت قدرة حركات المقاومة على الفعل في الضفة الغربية إلى حد كبير، وانخفض عدد عمليات المقاومة هناك إلى أكثر من 80%.

ليس هذا فحسب، بل إن حركة كبرى مثل حركة حماس لم تنجح على مدى عامين ونصف في تنفيذ إلا عمليات معدودة داخل الضفة أو انطلاقاً منها، بعد أن تم الزج بكل من يشتبه في أن له علاقة بالحركة في غياهب السجون.

والذي بات واضحاً أن الدولة العبرية لم تتجرأ على رفع وتيرة ومستوى عمليات الاغتيال ضد قيادة الحركة في قطاع غزة والتي طالت مؤسسها وزعيمها الشيخ أحمد ياسين وخلفه الدكتور عبد العزيز الرنتيسي مطلع العام الماضي، إلا بعد أن أدرك صناع القرار فيها أن قدرة حماس على الرد انطلاقاً من الضفة الغربية أو فيها تكاد تكون معدومة، وهذا للأسف ما تبين أنه صحيح. ومن البديهي أن الأمور زادت تعقيداً بعد إقامة جدار الفصل العنصري في قلب الضفة الغربية.

ترشيد توجبه التحديات

"
ترشيد عمليات المقاومة هو أهم قرار يجب استخلاصه، وذلك لضمان بقاء المقاومة لتواصل دورها في حفظ القضية الوطنية الفلسطينية والتصدي لمخططات الاحتلال الهادفة لتصفية القضية
"
إن ضمان بقاء المقاومة الفلسطينية، ونجاحها في تحقيق أهدافها يفرض على دوائر صنع القرار في حركاتها القيام بعملية إعادة تقييم شاملة للمرحلة الماضية.

ويجب أن يكون ترشيد عمليات المقاومة هو أهم قرار يجب استخلاصه، وذلك لضمان بقاء المقاومة لتواصل دورها في حفظ القضية الوطنية الفلسطينية، والتصدي لمخططات حكومة الاحتلال الهادفة لتصفية هذه القضية.

واعتقد أنه يتوجب إخضاع عمليات المقاومة لثلاث اعتبارات أساسية هي: المكان, وطبيعة الأهداف، والزمان. وفيما يتعلق بالمكان، فإن أول ما يتوجب حسمه هو مستقبل العمل المقاوم انطلاقاً من قطاع غزة.

فتقريباً يكاد ينحصر العمل المقاوم انطلاقاً من القطاع الآن بعد استكمال تنفيذ خطة فك الارتباط، في عمليات إطلاق الصواريخ ذات الأثر المحدود جداًً. صحيح أنه من حق المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة الرد على الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال في الضفة، لكن إذا كانت ممارسة هذا الحق ستؤدي إلى إلحاق ضربات قاصمة وموجعة بالمقاومة، مقارنة بالأثر الذي لا يكاد يذكر لعمليات إطلاق الصواريخ، فإنه بالإمكان ضبط النفس وعدم توفير المبررات لإسرائيل لاستغلال تفوقها النوعي لاستنزاف فصائل العمل الوطني، وحسم المواجهة وتهيئة الظروف لتغلب كفة الأطراف الفلسطينية التي تكفر بالمقاومة وتستخف بورقتها.

فكما تنص القاعدة الذهبية "لا يكفي أن تكون محقاً، يجب أن تكون حكيماً"، فإنه من الحكمة أن تعي حركات المقاومة أن العالم إن لم يؤيد ردود فعل إسرائيل القاسية ضد المقاومة في القطاع بعد "فك الارتباط" بشكل صريح، فإنه يغض الطرف عنها.

والنتيجة أنه سيكون بإمكان إسرائيل مواصلة الانفراد بحركات المقاومة في ظل ظرف محلي وإقليمي ودولي مناسب لها. في نفس الوقت فإن المقاومة انطلاقاً من القطاع قد تجر إلى حرب أهلية فلسطينية، فهناك الكثير من الأصوات في الساحة الفلسطينية التي تنادي بمنح فرصة لاختبار قدرة السلطة على إدارة القضية الوطنية بعد "فك الارتباط".

وبدلاً من الانشغال بشن عمليات المقاومة ذات الأثر المحدود، بإمكان الفصائل الفلسطينية مواصلة تذكير الجمهور الفلسطيني والعالم بمظاهر الاحتلال في القطاع بعد "فك الارتباط"، والمتمثلة في بقاء السيطرة الإسرائيلية على الجو والبحر والمعابر، وإعطاء السلطة الفلسطينية الفرصة لاستغلال التحرك السياسي من أجل إنهاء هذه المظاهر، وأن تعلن للعالم بما لا يقبل التأويل أنه بالنسبة لها فإن القطاع لازال تحت الاحتلال.

من هنا فقد أحسنت حركة حماس عندما أعلنت عن وقف عملياتها ضد إسرائيل المنطلقة من قطاع غزة. وفي المقابل يتوجب على حركات المقاومة أن تحاول بكل ما أوتيت من قوة استعادة قدرتها على العمل ضد أهداف الاحتلال في الضفة الغربية، سواء جنود الاحتلال أو المستوطنين.

فلا خلاف على أن الضفة الغربية تخضع لاحتلال مباشر، وأنه من حق حركات المقاومة وواجبها ضرب الاحتلال هناك بكل ما أوتيت من قوة، على الرغم من الظروف القاسية جداً التي تمر بها المقاومة هناك. وهنا نصل للاعتبار الثاني المتعلق بطبيعة الأهداف التي يتوجب على المقاومة ضربها، فيتوجب أن يتم التركيز على استهداف جنود الاحتلال ومستوطنيه.

فقد دلت جميع الدراسات التي أنجزت في إسرائيل على أن استهداف الجنود والمستوطنين هو أكثر ما يدفع المجتمع الإسرائيلي للضغط على الحكومات لإبداء المرونة في كل ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويعمل على تهاوي الالتفاف الجماهيري حول سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعلقة بهذا الصراع. لكن في المقابل فإن تنفيذ عمليات المقاومة الاستشهادية التي تستهدف المدنيين يتوجب أن يخضع لحسابات دقيقة جداً، وألا يتم تنفيذ هذه العمليات لمجرد توفر الإمكانيات الميدانية لذلك.

"
لا خلاف على أن الضفة الغربية تخضع لاحتلال مباشر، وأن من حق حركات المقاومة وواجبها ضرب الاحتلال هناك بكل ما أوتيت من قوة رغم الظروف القاسية جداً التي تمر بها المقاومة 
"
فكما هو واضح فإن العمليات الاستشهادية التي استهدفت المدنيين ساعدت شارون على بلورة إجماع إسرائيلي داخلي حول سياساته القمعية ضد الشعب الفلسطيني وتحديداً حركاته المقاومة، وساعدت هذه العمليات دوائر صنع القرار في الدولة العبرية في رفع سقف ردودها العسكرية على عمليات المقاومة بشكل غير متكافئ.

في نفس الوقت فإن هذه العمليات أدت إلى دفع المجتمع الإسرائيلي إلى مزيد من التطرف السياسي، الذي استفادت منه أحزاب وحركات اليمين في استعادة الحكم وتطبيق برامجها السياسية المتعلقة بالصراع. في نفس الوقت فإن هذه العمليات تساعد على توفير شرعية دولية لردة الفعل الإسرائيلية الهادفة دائماً لتجفيف كل المصادر التي ترفد المقاومة.

وتكون هذه العمليات أكثر ضرراً عندما تتزامن مع تحركات سياسية، حيث أنه يتم عرض هذه العمليات وكأنها تهدف لإحباط هذه التحركات. لكن يمكن القيام بمثل هذه العمليات تحديداً بعد مجازر كبيرة ترتكب ضد المدنيين الفلسطينيين سواء من قبل جنود الاحتلال ومستوطنيه،حيث يمكن تفهم القيام بمثل هذه العمليات في هذه الظروف.

المقاومة الخيار الشاق والوحيد
إن ترشيد المقاومة كضمانة لاستمراريتها وتعزيزها، يكتسب أهمية خاصة في مرحلة ما بعد "فك الارتباط"، لأنه بات واضحاً أنه في هذه المرحلة لا يوجد أمام الفلسطينيين ثمة خيارات أخرى سوى تكثيف عمليات المقاومة داخل الضفة الغربية لإقناع حكومة شارون بأن محاولتها تحقيق رهاناتها على "فك الارتباط" ذات الوقع الكارثي على الشعب الفلسطيني وقضيته ستواجه بمقاومة شرسة.

من هنا فإن تكثيف المقاومة في الضفة هو الوصفة الوحيدة لمنع شارون من مواصلة إعادة رسم خارطة الضفة لضمان تحقيق أطماع دولة الاحتلال التوسعية، وتهويد القدس وإسدال الستار على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية، وفي ظل تجند الكثير من القوى الدولية، وعلى رأسها الإدارة الأميركية لمساعدة شارون في تصفية قضية اللاجئين كما تنص رسالة الضمانات التي سلمها الرئيس بوش لشارون.

"
من الأهمية أن يبرهن الشعب الفلسطيني عبر مقاومته لدولة الاحتلال والمتواطئين معها أنه لن يسمح بتصفية قضيته، وأنه لن يقبل بسجن غزة بديلاً عن الدولة الفلسطينية
"
وواضح تماماً أن كل الذين يطالبون الفلسطينيين بالانتظار حتى تتوفر الظروف الإسرائيلية الداخلية التي تسمح بالشروع في تطبيق خطة "خارطة الطريق"، يرون أنه من البديهي أن تقوم السلطة في المرحلة الأولى من هذه الخطة بنزع سلاح المقاومة وتصفية حركاتها، كما عبر عن ذلك بيان اللجنة الرباعية الأخير.

إن أحداً لا يمكنه إقناع الفلسطينيين بهجر خيار المقاومة، وانتظار الفرصة المناسبة لتوفر بدائل سياسية، في الوقت الذي يدل الواقع السياسي في الدولة العبرية على أن التنافس على زعامة الدولة العبرية ينحصر حالياً بين اليمين واليمين المتطرف فقط.

وعلى العكس فإن تكثيف المقاومة في الضفة يعني في الحقيقة إسداء معروف للمجتمع الإسرائيلي عبر إعادته إلى رشده، وإقناعه بفك ارتباطه بقوى الظلام والتطرف والفاشية التي يتنافس على زعامتها شارون ونتنياهو.

من هنا فإنه من الأهمية بمكان أن يبرهن الشعب الفلسطيني عبر مقاومته، لدولة الاحتلال والمتواطئين معها أنه لن يسمح بتصفية قضيته، وأنه لن يقبل بسجن غزة بديلاً عن الدولة الفلسطينية كاملة السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة