لا نريد أن يبدو ما يكتب مُحٌبِطاً خصوصا وأن من واجبنا حقن الناس بالآمال، ولكن ليس عبر الأوهام، إنما عبر التركيز على الجانب المضيء وتغليبه على الجانب المعتم، رائدنا في هذا أن النور هو الذي يتغلب على العتمة وليس لعن العتمة ومن كان وراءها.
 
فكثيرا ما كنا نرفض أسلوب (الردّاحة و النوّاحة)  في التعامل مع القضايا الداخلية، وهو أسلوب الموتورين والمظلومين، ومن اتخذوا المعارضة مهنة حيث لا مهنة لهم أو وسيلة للاستعراض أو عتلة لإبراز الذات أو البحث عن منصب، وهي كلها دوافع وبواعث للاختلاف أو المعارضة يمكننا أن ننظر إليها ونتعامل معها بموضوعية وليس بعدائية، كما يفعل البعض.
 
"
نحتاج إلى اقتصاد إنتاجي وهذا بدوره يحتاج إلى إدارة ناجحة وتلك تحتاج إلى تربية كوادر ومن ثم تحتاج إلى قوانين مرنة
"
لكن هذا لا يعني عدم سبر الأخطاء في عملية الإصلاح من موقع إيجابي يتجاوز تلك الأساليب التي لا طائل من ورائها، فنحن مولعون بنظرية الجدوى، ونرى أن أهم ما في العمل السياسي الفاعل أنه معني بنظرية الجدوى، فما الفائدة من نقد ليس في وقته ولا في مكانه؟. أليس في هذا عبث؟. ثم هل السياسة فشّات خلق؟. هي بالتأكيد كذلك لدى الذين لا يعرفون أين ومتى يمكن توجيه النقد، والأهم: كيف؟.
 
نحن أمام كتلة من الإشكاليات في سوريا. ولا نحتاج  للتكرار بأننا على قناعة بأن هنالك إرادة حقيقية لدى الرئيس الأسد للتغيير وللعصرنة، ولكن حسابات الرغبات لا تطابق دائما حسابات الواقع، وهذا هو السر وراء قول الأسد إنه لن يبدأ بالمشروع زمنيا (أي البرنامج الزمني) قبل الانتهاء من تحديد الإمكانات. وهنا تكمن القضية.
 
بعيدا عن طروحات مبسطة وساذجة أحيانا تتمسك بمصطلحات كالحرس القديم والحرس الجديد، هنالك مشكلة أخطر بكثير تتمثل في قراءة المعطيات الواقعية، أي التفاصيل التي تعترض عملية الإصلاح ويعرفها كل من حمل هذا المشروع وتعايش مع تلك التفاصيل في العمل الإداري اليومي ومنها مشكلة الإمكانات.
 
 نعم هنالك إرادات ورغبات ونوايا طيبة، ولكن هنالك إمكانات محددة وإرادة مانعة وقوانين تنبعث من ردهات البيروقراطية التي هي أصل الدولة الحديثة لكن عدم تطورها يحولها إلى عقبة في وجه الدولة المعاصرة.
 
مفارقة أليس كذلك؟!. نعم هي كذلك، إلا أن الموضوع برمته يتداخل مع معطيات أخرى تتشرنق وتشكل معضلة حقيقية.
 
نحن أمام دور (PERIOD) خطير يعبث بنا، بقدر ما عبثنا عندما أنتجناه، وهو يكاد يدخلنا في متاهة صورتها على النحو التالي:

نحتاج إلى الحدّ من الفساد. وأول عمل يجب القيام به هو رفع السوية المعاشية (المستوى المعيشي) للموظف وتأمينه صحياً ومعاشياً كي نوفر المناخ الذي يحدّ من الفساد، وهذا بدوره يحتاج إلى اقتصاد متين، لأن رفع القدرة المعاشية بدون إنتاجٍ كارثة، وفقا للقانون الاقتصادي الذي يقول: الكتلة النقدية + سرعة التداول = المؤشر الوسطي للأسعار + عدد وحدات السلع الموجودة في السوق.
 
أي في الخلاصة نحتاج إلى اقتصاد إنتاجي ونمو في الإنتاج وزيادة في الاستثمارات، وهذا بدوره يصطدم بالحاجة إلى إدارة ناجحة، وتلك تحتاج إلى تربية كوادر ومن ثم بحاجة إلى قوانين  مرنة.
 
ويحيلنا ذلك إلى إصلاح القضاء والقوانين، وهو ما يحيلنا بدوره إلى رفع القدرة المعاشية وبالتالي إلى الاقتصاد...  وهو أشبه بالدور المغلق على نفسه: (اقتصاد ?  إدارة قوانين ? اقتصاد)، أو هو أشبه بالكابوس عندما نجد أننا في هذا الدور (المتاهة) أمام مفاصل مستعصية على التغيير وهي جزء من مشكلة الإمكانات.
 
لا نستطيع أن نصف الإمكانات الاقتصادية، فهذا ليس من اختصاصنا ولا نستطيع إليه سبيلا، لكننا نستطيع أن نصف الإمكانات البشرية.
 
"
غالبية الكفاءات إما في الظل يصعب الوصول إليها أو هاجرت إلى الخارج أو إلى الداخل حيث شحنت باليأس والغبن والأسى وأصبحت إعادة استخدامها محفوفة بمخاطر كبيرة
"
لدينا مشكلة حقيقية في موضوع الإمكانات البشرية. فالمجتمع السوري عموماً (ولا داعي لتكرار أننا لا نتحدث إلا عن الجزء الأبرز فيه) إما محشو بإمكانات سطحية معلبة بشهادات ورقية، أو أنه مجتمع بلا نجاحات وبلا كفاءات.
 
أما غالبية الكفاءات، فهي إما في الظل يصعب الوصول إليها، أو هاجرت إلى الخارج أو إلى الداخل حيث شُحنت بالوتر والغبن والأسى وأصبحت إعادة استخدامها محفوفة بمخاطر كبيرة (وإن كان هذا لا يعفي من المحاولة) أهمها أنها لا تعرف  شيئاً عن المعطيات السائدة لأنها حرمت منها، ومنعت  من الوصول إلى المناصب المناسبة وبالتالي حرمت من الخبرة، والأخطر أن أكثرية  الذين تسلقوا الهرم الوظيفي لسنوات طويلة هم من طراز (الأتباع)، أي من المحسوبين على فلان وفلان، وهؤلاء رُسموا على شاكلة فلان وفلان، وأصبحوا أتباعا بلا شخصيات.
 
والكارثة أننا إذا بحثنا عن كفاءة علمية فربما وجدناها ولكننا قد لا نجد مكوناتها اللاحقة واللازمة الأخرى (كالشخصية القيادية والخبرة الإدارية والنزاهة الشخصية). هذه المكونات قد لا تجتمع إلا بصورة سحرية ونادرة في سوريا.
 
بالتأكيد نحن لا نطلب الكمال، لكننا أمام إشكالية  يجب توصيفها بعقل بارد، على أن لا يكون من حق المتلقي أن يبحث في دوافع ما ورائية، لأننا لا نبحث عن مكانة لا تحققها المناصب، بل نتبنى الرؤية العلمية التي تنظر بعقل بارد وشبه حيادي.
 
هنا لا يجب على أحد ممن يعتبر نفسه كفاءة نادرة أن يسخط من توصيفنا السابق، لأنه يتناول المساحة الأشمل من قطاعات المجتمع، ثم إن الكفاءة النادرة التي تتوافر أحيانا في السلطة محكومة عمليا بواقع يحد منها، صنع عبر  الزمن وأصبح أمراً واقعاً، ويتألف من كفاءات محدودة وعادية وباهتة، تارة فوقها وتارة تحتها في الترتيب الوظيفي أو فيهما معا.
 
وبالتالي فالكفاءة النادرة تلك، محكومة بالفشل غالبا لأنها إن كان عليها أن تدير السائد دون تغييره فهي ستدير الأزمة، ولن تقدم شيئا له قيمة وستعيد إنتاج السائد مما هو بائد. وهي إن سعت نحو التغيير سيضع لها أولئك (فوق أو تحت أو هما معا) العصي في الدواليب فتفشل.
 
وإن أرادت المواجهة أو النسف، فإن عليها أن تواجه الجميع وعندئذ ستتحول إلى شخصية دونكيشوتية، وإن دفعت باتجاه الصمت ستكون شيطانا أخرس وسيكون معيار الحكم عليها أسوأ من الفشل.
 
المجتمع الإداري مثل القاع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في سوريا محكوم بأزمة الأنا المتضخمة، فهي تسفح الحياة تارة (بـ"أنا" ذوي الإمكانيات المحدودة) التي تظهر كالكابوس على كل كفاءة، وتدير اختصاصاتها بالغباء! وترسم التبعيات لها من الأغبى فالأغبى، أو هي تظهر كبنى متسلقة تنحدر إلى الأكثر انتهازية (بالمعنى السلبي للكلمة)، وهنا نجد أن بدائلها هي كاريكاتيرات عنها، مما يجعل ما بعدها يستحق ترحما على ما كانت هي فيه.
 
وهنالك الأنا المتفوقة التي لا تجد مكانا بين العاديين فتتضخم إلى درجة البارانويا (جنون العظمة)، وهنالك الأنا المتكيفة والواقعية الممنوعة من أن تأخذ أي دور لا من ذوي الإمكانات المحدودة ولا من ذوي البارانويا المانعة.
 
باختصار هذا مجتمع متحجر، يتعذر عليه  الخروج من الدوران في الدائرة إلى الحلزون الذي يرفعه درجة. ويزيد في احتجازه ما يترافق مع ذلك من ثقافة الحقد والوتر والقنوط، وإشاعة أساليب الالتفاف والتسلط ومنع النجاح، بل ومحاربته بالغيبة والنميمة والتقول، نعم، هذا مجتمع يتجاوز الاحتجاز الداخلي إلى منع النجاح، وبالتالي منع التعلم.
 
"
السلطة اليوم هي أبعد بمسافات عن التسلط الذي عرفناه سابقا لكن المجتمع يعاني أكثر من سلطة المجتمع نفسه
"
هذا المجتمع لم يعد يعاني اليوم من السلطة كدولة (رغم أننا لا ننكر التسلط كبقايا عابثة في الزمن الضائع وبقوة العطالة)، لكن المفارقة أن السلطة اليوم هي أبعد بمسافات عن التسلط الذي عرفناه سابقا لكن المجتمع  يعاني أكثر من سلطة المجتمع نفسه.
 
ليس في هذا فذلكة أو إحباط أو تكرار ببغاوي لتوصيف الكثيرين لوضع المجتمع  السوري واستعصائه على التغيير والإصلاح. ولا يكفي أن نقف عنده لندير (بكائية) من الماضي ولنحمل الدولة وممثليها المسؤولية عن إنتاج كل ذلك، فهذا قد حدث، لكننا الآن أبناء اليوم، ولدينا مشروع للإصلاح، وإرادة  رئاسية عالية لهذا الإصلاح ونحتاج أن نخرج من هذا الدور (period) الخطير، فهل نستطيع إلى ذلك بالإرادة الفردية سبيلا؟ ربما، ولكنها لا تكفي، ولهذا فنحن لسنا من المؤمنين بأن تغيير الأفراد سيفضي إلى الحلول السحرية، إنه يلبي غريزة التغيير في أحسن الأحوال.
 
نعم نحتاج إلى بطولات فردية وإلى إطلاق الكفاءات النادرة الإبداعية، ولكن من المُصلح ومن الذي سيُصلح إذا كان المُصلح الذي يوكله الرئيس بالإصلاح يحتاج إلى إصلاح، أي إذا كانت أغلبية الكوادر التي يتم الاعتماد عليها اليوم غير مؤهلة إما شخصيا أو علميا أو إداريا أو نزاهة أو بكل ذلك.
 
لن نكتفي هنا بالنقد إذ قد يكون لدينا كأفراد و جماعات مشاريع بديلة، وسنكتفي بعرض مشروع يتألف من عدة خطوات وفق تقديرنا المبدئي، لأن الزمن بات يلاحقنا ونحن محكومون إن لم نكن قادرين على وضع مشروع زمني، بابتكار البدائل خشية أن نجد أنفسنا نتلمس نفس المشكلات بعد عشرة أعوام:

1- الإسراع بالبحث عن الكفاءات النادرة والمتفوقة الخام، وإرسالها إلى دول يُحترم علمها وليست كتلك التي باعتنا أسلحة وبعناها عقول شعبنا.

2- ضخ الكفاءات المتوفرة والنادرة حاليا في المناصب القيادية ومنحها الصلاحيات وحمايتها، والشرط الأخير ضروري كي لا تحترق كما احترق أمثالها.
 
ولا نعني بالحماية هنا العودة إلى نماذج الشللية والمحسوبية والاقطاعيات الوظيفية، ولكن حمايتها ممن هم فوقها وتحتها!!. الخطير كل الخطر هو عدم الإيمان بالمؤسساتية في العمل، ولكن الخطر الأكبر يكمن في الاعتماد على المؤسساتية وحدها في مجتمع متخلف ليس فيه تراكم للخبرة المؤسساتية. هنا لا بد من العمل على خطين الأول: مؤسساتي والثاني: شخصي- كاريزماتي.
 
وفي الأخيرة موضع البحث في مسألتي الحماية والصلاحيات اللتين تتنافيان مع المؤسساتية.  ولكن الأخيرة لا تنهض إلا بهما. فلتكن الصلاحيات والحماية مترافقتين مع رقابة صارمة بحيث لا تتحولان بالمسؤول إلى ديكتاتور صغير أو إلى فاسد جديد.
 
نعم المهمة صعبة للغاية ولكن لا حل لمشكلة عدم الارتقاء بالمؤسسات إلا بهما، كما نعتقد أنه لا حل لحالة انعدام الوزن، أي غياب القدرة على اتخاذ القرار في أغلب المؤسسات وبالتالي تعطيل العمل والاقتصاد والإصلاح إلا بهذا التشكيلة التوليفية.
 
"
الخطير هو عدم الإيمان بالمؤسساتية في العمل لكن الأخطر يكمن في الاعتماد على المؤسساتية وحدها في مجتمع متخلف
"
هذا ليس تنظيرا، هذه محاولة لإيجاد مخرج من هذا الدور الذي عطل مسيرة الإصلاح أربع سنوات، لدافع نبيل هو المؤسساتية التي يُراد لها أن تتجذر بالتراكم،  إذ لا يمكن الركون إلى المؤسساتية  المأمولة تاريخيا، ولا يمكن بذات الوقت الركون إلى التسلط الذي حول في كثير من الأحيان الدولة إلى مزارع وإقطاعيات.

3- تشكيل لجان يتم الاعتماد فيها على كفاءات علمية وخبرات من الداخل والخارج لتقييم مستويات وخبرات وأداء المسؤولين الحاليين ومن ثم ما يتم  طرحه كبدائل عبرهم، إذ يجب علينا أن نعترف اليوم أن لدينا مشكلة مع المُقيِّم قبل المُقيَم. والسؤال الذي تطرحه المؤسساتية هنا هو: ما هي معايير التقييم ومن هو المُقيّم؟
 
يجب أن نعترف بهذه المشكلة وبضرورة الاستعانة بالخبرات من الخارج أيضا بدون عقد الوطنية الشكلية التي لا تنبعث إلا متى كان هنالك مس بالمصالح ومتى تم الضغط بالأنامل على نقاط الضعف.
 
فالحياة (مثاقفة). ومن كانت هويته متحددة ومتجذرة ،لا يكون لديه في الاعتماد الجزئي أو حتى أحيانا الكلي على كوادر خارجية أو مغتربة أي مشكلة فهذه الاعتمادية تزيد من تجذير هذه الهوية، لأنه يخرج جذرها العفن من التربة ويستبدله بما يتيح الاستمرارية.
 
فنحن لسنا في العالم وحدنا، وإذا كنا قد اعتدنا على العيش وحدنا في الساحة لسنوات فإن علينا أن نتعلم بأن الساحة ليست لنا وحدنا، إنما هي للجميع وخاصة لكل السوريين.
 
ثم إننا في عالم وسعَ دوائر الساحات وأصبحت متداخلةً بصورة لا تسمح لنا بدفن رؤوسنا في التراب. يجب أن نكون في ساحات القيادة والعمل معا، مثلما نحن في المجتمع وفي سوريا معاً. هذا ليس مجرد خيار. هذا قدر يجب التعامل معه، الأمر الذي يستوجب تغيير عدتنا.
 
4- يجب علينا الحث كل من موقعه أو منصبه، على الدفع بمن نراه كفاءة تصلح للمرحلة الحالية، نحو الأمام، ويجب أن يكون لهذا الدفع تجزية وحافز من صاحب القرار، إذ لا ينبغي أن نبقى مدى الحياة نعيش على أولئك الذين يتصورون أنفسهم باقين إلى الأبد في مناصبهم.
 
"
لا يمكن الركون إلى المؤسساتية المأمولة تاريخياً، ولا يمكن بذات الوقت الركون إلى التسلط الذي حول في كثير من الأحيان الدولة إلى مزارع وإقطاعيات
"
فإذا كان رئيس البلاد نفسه يصرح لإحدى وسائل الإعلام الغربية بأنه سيأتي يوم لن يكون فيه في منصبه أو سيقبل بمنافسين على هذا (المنصب – المسؤولية)، فإنه ليس لأحد أن يكون في وضعية امتياز لامحدودة، الأمر الذي يستوجب رسم برنامج في كل المؤسسات يطرح فيه كل مسؤول مجموعة من الكفاءات البديلة أو الرديفة على أن يخضع كل هؤلاء لتقييم تلك اللجان المقترحة في البند الثالث.
 
لقد قلنا مراراً إن الرئيس الأسد يشكل حالة نادرة جداً في العمل السياسي فهو رأس السلطة وزعيم المعارضة بآن. هذا ما اعترض عليه البعض بتسرع شكلي، وأوضحنا أن المعارضة هي نقد للأخطاء، وبرنامج للتغيير، ومعرفة بالمعطيات الدقيقة وامتلاك للأدوات، ووحده الرئيس الأسد من يمتلك كل هذا، ولديه الفرصة كي يفعل شيئاً ما.
 
وإذا ما كان الوجه الثاني للمعارضة هو التداول على السلطة، فالمفارقة الكبرى هنا أننا نكاد لانعرف مسؤولا في الدولة لا نسمع منه نقداً أعنف مما لدى المعارضة المسماة بهذا المصطلح الحصري.
 
والأهم أن المعارضين الذين نراهم من الداخل يمتلكون المعطيات والأدوات والمشاريع، أي أن التداول على السلطة ممكن أيضا في ظل الرئيس نفسه ومن داخل التركيبة ومن خارجها أيضا، لأن الفارق شكلي بين من هم خارجها ومن هم داخلها من حيث اللغة وإن كان الفارق عميقا من حيث الإمكانية، وذلك ممكن في سياق من التفاعل بين جميع الأطراف دون أن تنصب فئة نفسها بديلا تعارضيا أكثر مما تمتلك السلطة نفسها.
 
وفي ظل هذا التوصيف الذي ربما لن يعجب البعض أنا أيضا معارض، وليس لأحد امتياز على معارضتي إلا بالحقد، فهو ما لا أعرفه ولا اعتقد أنه وسيلة مُثلى للعمل السياسي.
 
5- يجب أن نعترف بأن الخبراء والكفاءات التي يجب الدفع بها إلى السطح، وبعضها يجب استدعاؤه من الاغتراب، لا يمكن مقاربتها في الخانات الوظيفية من حيث الراتب المعاشي مع الآخرين.
 
لا يمكن أن تعيش الخبرات والكفاءات برواتب متدنية. فالراتب المعقول يعطيها القدرة على أن تعيش كما ينبغي، ويحميها من الفساد ويدفعها للعمل بطاقتها العليا.
 
(خيار وفقوس)؟ سيتساءل البعض. ليكن. فالمساواة الشكلية في الرواتب باسم تحقيق المساواة العليا والعدالة هي عمليا مجرد وهم إنساني قاد إلى الفساد وإلى هروب الخبرات خارج البلاد.
 
في أية دولة في العالم، تعطى الرواتب للخبرة والكفاءة، بل وأحياناً يعطى للمسوؤل جزء من الأرباح وجزء من المناقصات في القطاع العام وإذا حقق للدولة الأفضل والأرخص، وهي رواتب مضاف إليها (ثمن) المستوى الذي وصل إليه.
 
هذا يستوجب أن تكون هنالك لوائح  للإمكانيات وللكفاءات. وأعطي على ذلك مثالاً: لا يمكننا مثلاً أن نقبل أن ُيرفض مشروع قانون يرفع رواتب أساتذة الجامعة فيحميهم ويحمي النظام التعليمي من الفساد على اعتبار أن هذه الرواتب ستكون أعلى من رواتب الوزراء بصورة لا سابق لها أيضا.
 
"
المساواة الشكلية في الرواتب باسم تحقيق المساواة العليا هي عملياً مجرد وهم قاد إلى الفساد وإلى هروب الخبرات خارج البلاد
"
نعم، يجب أن نعترف أن هنالك لغة نخبوية بالمعنى  الوظيفي تفرض نفسها مهما كانت الدواعي النظرية على قاعدة المساواة الشكلية لا تقبلها.
 
صحيح أن من بين أساتذة الجامعة من لا ينطبق عليه توصيف النخب، إلا أننا نستطيع أن نضع معايير ونشكل لجان امتحان كفاءات كما طرحناها سابقاً لتوصيف النخب واختبار نخبويتها بالمعنى العلمي والإداري والكاريزماتي، وبالتالي اختبار فاعليتها، وتقاس عليها مقدار الزيادات المفترضة، على أن تكون مفتوحة لكل حالة تقدم.
 
أما إذا كنا أمام مواجهة واقع أن بعض أساتذة الجامعة لا يصلحون، وبعضهم أصبح دكتورا بقرار وآخر أصبح كذلك بشهادات عابرة من الجامعات، (ونعني بعضهم فقط ومن به مسلة ستنغزه)، فأولئك يجب تطبيق قواعد صارمة تجاههم، فإما أن يتطوروا أو أن يخرجوا من حقل إعادة استنساج سلبياتهم في جيل سيكون عبئا على الوطن، أقله ليفسحوا في المجال أمام من يتجاوزهم، وهم اليوم عقبة كأداء أمامهم.
 
بهذا المثال تحدثنا عن قطاع نعيش جزءا من إشكالياته، وهو يقارب كل القطاعات النخبوية ويمكن سحب طريقة التعامل معه عليها.
 
ربما قد يرى البعض ممن لا يريد التغيير أو يخشى على بقائه الأبدي المتوهم أننا أوغلنا في الحلم أو التنظير، لكننا لا نعتقد أننا نتحدث خارج معادلة الواقع. يكفي أننا لم نكتف بتنظير المشكلة، أو بلعن الظلام، ونعترف أننا لا نملك كل صور الواقع، ولكننا نقدم بهذا لغة أخرى.. من الداخل ومعنية كليا باستمرار الدولة ونجاح إصلاحها.
 
لا ينبغي لما تقدم ذكره أن يعجب الجميع. ولا ينبغي أن يكون تطرية لأحد او تسويقا للذات، لكنه محاولة للتفكير بالإصلاح على طريقة نعتقد أنها مستمدة من طريقة الرئيس الأسد.
_______________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة