عبد الوهاب المسيري

تنبع العلوم الإنسانية الغربية من رؤية غربية للعالم ومن تجربة الإنسان الغربي التاريخية. وقد زعم الإنسان الغربي أن هذه الرؤية "عالمية" و"صالحة لكل زمان ومكان"، وهذا ما يُطلق عليه التمركز حول الذات الغربية، وهذه هي الترجمة الدقيقة لعبارة Euro-centricity.

وبسبب تأييد الاتحاد السوفياتي السابق لحركات التحرير في العالم الثالث، يتصور البعض أن ماركس وإنجلز كانا يؤيدان حركات التحرير ويناهضان الاستعمار، ولكن القراءة المتمعنة لما كتبه هذان المفكران ستبين العكس تماماً، إذ يتضح أن رؤيتهما متمركزة حول الذات الغربية، بل عنصرية. وهذا يعود إلى أسباب عديدة في مقدمتها جهلهما شبه التام بتاريخ الشرق وأفريقيا.

وقد لخص المؤرخ الإنجليزي هوبزبوم معرفة ماركس وإنجلز بالتاريخ في الكلمات التالية: "لقد كانت سطحية تماماً حول مرحلة ما قبل التاريخ، وحول تاريخ أميركا ما قبل التاريخ وكانت معدومة تماماً حول أفريقيا. ولم تكن مبهرة حول الشرق الأوسط خلال العصور الوسطى أو القديمة، لكنها أفضل بكثير حول بعض أجزاء آسيا خاصة الهند، ولم تكن كذلك فيما يخص اليابان. وكانت جيدة حول فترة العصور القديمة والعصور الوسطى في أوربا".

"
كانت معرفة ماركس وإنجلز سطحية تماماً حول مرحلة ما قبل التاريخ وحول تاريخ أميركا ما قبل التاريخ وكانت معدومة تماماً حول أفريقيا, ولم تكن مبهرة حول الشرق الأوسط 
"
وعند دراسة رأي ماركس وإنجلز في المسألة اليهودية، يُلاحظ أنهما كانا لا يعرفان شيئاً عن يهود بولندا وروسيا الذين كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من يهود العالم آنذاك، وأن معرفتهم كانت محصورة بالدرجة الأولى في يهود ألمانيا، وأن تعميماتهم، التي تأثر بها البلاشفة كانت تستند بالدرجة الأولى (والأخيرة) إلى تجربتهم مع يهود ألمانيا. والوضع نفسه ينطبق على تعميماتهم بخصوص كل المجتمعات غير الغربية.

ويبدو أن ماركس وإنجلز قد استمدا معلوماتهما عن المجتمعات غير الغربية من مونتسكيو وهيجل اللذين كانا لا يعرفان بدورهما إلا أقل القليل عن العالم الشرقي، فهما يصنفان المجتمع الهندي بأنه مكون من "مجتمعات فردية هائلة.. قيدت الذهن البشري داخل أضيق إطار ممكن، محولةً إياه إلى أداة طيعة للخرافات وحارمةً إياه من أية طاقات أو حركة تاريخية... إن الحياة في مثل هذا المجتمع حياة غير كريمة راكدة بليدة خاملة، أقرب إلى الموت". ولا يختلف وصفهما للمجتمع الصيني عن ذلك كثيرًا.

وهكذا أصبح العالم غير الغربي معلقاً في فراغ غير تاريخي لعدة آلاف من السنين، "أرض بلا تاريخ، أي بلا شعب"، وأصبحت المجتمعات غير الغربية خالية من أية آليات داخلية للتغير والتطور الاجتماعي، (والأمر المثير حول هذا الادعاء أنه يتناقض تماماً مع الرؤية المادية الجدلية للتاريخ، كما أن الفكرة القائلة إن ثمة مجتمعات إنسانية تكون حركتها الوحيدة منحصرة في تكرار لا ينتهي للوضع القائم هي فكرة مضادة للنظرية المادية الجدلية).

أما السبب الثاني وراء قصور رؤية ماركس وإنجلز فهو أن العنصرية الغربية للرجل الأبيض، التي تشكل الإطار المعرفي للغزو الإمبريالي، وجدت طريقها إلى فكرهما.

ففي كتاب أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة يذهب إنجلز إلى أن الألمان يمثلون "فرعا آرياً كثير المواهب"، ويحاول أن يضفي صبغة "علمية مادية" على هذا الادعاء ويفسر هذا التفوق تفسيراً علمياً مادياً، فيرجعه إلى أن الآريين "عندهم غذاء وافر مكون من اللحوم واللبن".

وقد آمن ماركس وإنجلز بأن العرق هو أحد العوامل المؤثرة في التطور الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية. وهو ما أكده إنجلز بقوله "إننا ننظر إلى الظروف الاقتصادية باعتبارها العامل الذي يحدد في النهاية التطور التاريخي. ولكن العرق في حد ذاته عامل اقتصادي!".

وقد نظر ماركس وإنجلز إلى التاريخ باعتباره حقباً متتابعة تتبع النظام نفسه في كل المجتمعات، وهما في هذا لا يختلفان كثيراً عن أوغست كونت أو أي مؤرخ برجوازي غربي آخر، حيث قسما التاريخ إلى حقب، وذهبا إلى أن الغرب وحده هو الذي سيصل إلى الحقبة الأخيرة (العلمية أو الاشتراكية) وأن على بقية العالم أن تلحق به.

ولكل هذه الأسباب منح ماركس وإنجلز تاريخ الغرب مركزية مطلقة في تاريخ البشرية وجعلا منه النموذج الذي يجب أن يُحتذى.

ولهذا كانا يشيران إلى أوْرَبَة أو "تغريب" بلدان الهند والصين، بدلاً من استخدام مصطلح "التصنيع"، فكأنهما جعلا من "التصنيع" مرادفا "للتغريب"، وبالتالي يكون توسع أوروبا فيما وراء البحار هو الآلية الأساسية للتحديث، أي أن الوضع الاستعماري هو الثمن الذي يجب دفعه لدخول العصر الصناعي، على اعتبار أن الاستعمار الغربي سيدخل النظام الرأسمالي إلى مجتمعات بدائية متخلفة تعيش في ظلال الدكتاتورية.

"
يرى ماركس أن الشرق لن يصحو من غفلته وغبائه الموروث إلا من خلال الهيمنة والسيطرة الإمبريالية الغربية وإدخال الرأسمالية، وهذا يؤدي بدوره إلى ظهور المجتمع الاشتراكي في نهاية الأمر
"
وبالفعل رأى ماركس أن الشرق لن يصحو من غفلته وغبائه الموروث إلا من خلال الهيمنة والسيطرة الإمبريالية الغربية وإدخال الرأسمالية، وهذا يؤدي بدوره، طبقاً لنظرية الحقب التاريخية، إلى ظهور المجتمع الاشتراكي في نهاية الأمر.

لكل هذا كان تأييد إنجلز للاستعمار الفرنسي في الجزائر وتأييد ماركس للغزو البريطاني للهند. وقد كان عصر ماركس وإنجلز هو عصر الحروب الاستعمارية العدوانية، وتجارة العبيد، والازدهار الكامل لنظام مزارع العبيد. لكنه كان أيضاً عصر المقاومة العنيفة من جانب الشعوب المستعمرة والمستعبدة.

ففي أفريقيا والهند وجزر المحيط صارعت الجماهير السوداء ضد الغازي الأبيض، وفي الأميركتين قام العبيد بعدة ثورات مسلحة. وكان ماركس وإنجلز شاهدين ليس فقط على العدوان الغربي (الآري)، ولكن أيضاً على المقاومة في كل مكان. ولكن موقفهما من صراعات التحرر القومية والدفاع عن النفس كان أبعد ما يكون من الثورية والتقدمية والإنسانية.

فلم يعبر ماركس وإنجلز ولو مرة واحدة عن "تأييدهما المعنوي" لحركات التمرد العديدة للسود في الأميركتين، بل تجاهلا تماماً أكبر حدث تاريخي في القرن التاسع عشر، وهو ثورة هاييتي عام 1804، حيث قام العبيد السود بتخطيط وتنفيذ ثورة شاملة، وخلعوا نظام الحكم الغربي المستغل، ووضعوا الأساس لتطوير عمالة حرة وانتصرت الجموع السوداء على مضطهديها الغربيين لأول مرة في التاريخ.

وكان ماركس وإنجلز من الكتاب الدائمين في عدة صحف رائدة في أوربا وأميركا، فلا يمكن اتهامهما بالجهل فيما يخص الصراعات الدائمة في أماكن نائية مثل جامايكا والسودان وغينيا وجنوب أفريقيا والهند. ومما لا شك فيه أنه توافرت لديهما معلومات جيدة عن صراع السود في جنوب أفريقيا تحت قيادة سيتيوايو، وعن مقاومة السودانيين بقيادة المهدي، وعن ثورة السود في الولايات المتحدة بقيادة نات تيرنر، وصراع الغينيين بقيادة ساموري توري، فقد كانت كلها أحداث الساعة في زمن ماركس وإنجلز. ولكنها بالنسبة لهما لم تكن أكثر من مجرد "أحداث زنجية". والشاهد على ذلك هو إشارة إنجلز القصيرة العابرة لحركة التمرد في جامايكا عام 1865 بقيادة بول بوجل.

وكان موقف إنجلز وماركس من مؤسسة الرق في الأميركتين يستند إلى نظرية فائض القيمة، وهي أن العمالة السوداء تنتج فائض قيمة تصب في المجتمع الرأسمالي. فوجود العبودية هو أحد قواعد النمو الصناعي الغربي الحديث، وظهور طبقة العمال أصحاب الأجور في الغرب، وبالتالي تطور الإنسانية نحو الاشتراكية.

وكان التفسير الماركسي للتاريخ يساوي بين نظام العبودية في الأميركتين ونظام العبودية الذي سيطر على المجتمع الإغريقي – الروماني. وقد نظر مؤسسو الماركسية إلى الأخير باعتباره القاعدة المؤسسة للتطور الثقافي والفكري والاقتصادي والتقني للعالم الغربي قبل القرن الخامس عشر.

لكل هذا كان مؤسسا الماركسية يعتبران أن العبيد السود في الأميركتين يساهمون في القفزة الهائلة التي حققها العالم الغربي، فالرق المباشر، في تصور إنجلز "هو أحد مرتكزات الصناعة البرجوازية، شأنها شأن الآلات .. إلخ، فبدون الرق لا يمكن الحصول على القطن، وبدون قطن لا توجد صناعة حديثة.

العبودية هي التي خلقت للمستعمرات قيمة، والمستعمرات هي التي كونت التجارة العالمية، والتجارة العالمية هي المتطلب الضروري لقيام صناعة على نطاق واسع. وعلى ذلك تعتبر العبودية فئة اقتصادية لها أهمية عظمى. فبدون عبودية في أميركا الشمالية، التي تعتبر أكثر بلاد العالم تقدماً، ستتحول أميركا إلى بلد قبلي.

امسح أميركا الشمالية من خريطة العالم، وستجد فوضى، أي الانهيار التام للتجارة والحضارة الحديثة. فإذا اختفت العبودية ستجد أن أميركا قد مُسحت من خريطة العالم تماماً. لذلك فإن العبودية، باعتبارها فئة اقتصادية، عاشت دائماً ضمن المؤسسات الشعبية. فالشعوب الحديثة نجحت فقط في إخفاء العبودية في بلادها، في حين أنها تجاهر بفرضها على العالم الجديد".

وقد روَّج ماركس وإنجلز لوجهة نظرهما المؤيدة للعبودية في وقت كانت فيه سفن العبيد تصل إلى الموانئ الأوروبية. وقد أشارا إلى العبودية باعتبارها نبع التطور الاقتصادي والسياسي والفكري في الغرب.

"
ربط ماركس وإنجلز احتمال الاشتراكية في الغرب باستعباد وقتل ملايين السود وتدمير مجتمعاتهم "الراكدة", ولذلك فليس ثمة غرابة في نظرتهما إلى الإمبريالية وتجارة العبيد ونظام المزارع في الأميركتين باعتبارها "ثورية" و"تقدمية"
"
ولا يمكن فصل مساندة ماركس وإنجلز للاستعمار الغربي وتقليلهما من شأن الرجل الأسود إلى مجرد عبد مملوك كالأثاث عن نظرتهما المتأصلة للتفوق الأبيض.

ويجب أن يُقال الشيء نفسه عن أفكارهما حول التطور التاريخي للمجتمع الإنساني عامة، وعن الدور الإيجابي الذي رسماه للعبودية كنظام للتنظيم الاقتصادي، ثم تبريرهما للعنف العدواني باعتباره عاملاً من عوامل التطور التاريخي.

ويجب التنبه إلى أن هذه الآراء تبلورت في هيكل موسع "لقوانين عالمية" و"مبادئ عامة"، وأنها كانت كلها جزءاً لا يتجزأ من المفاهيم الأصيلة لدى ماركس وإنجلز بشأن "تفوق" عرقهما ومجتمعهما ومنطقتهما الجغرافية.

لقد ربط ماركس وإنجلز احتمال الاشتراكية في الغرب باستعباد وقتل ملايين السود وتدمير مجتمعاتهم "الراكدة". ولذلك فليس ثمة غرابة في نظرتهما إلى الإمبريالية وتجارة العبيد ونظام المزارع في الأميركتين باعتبارها "ثورية" و"تقدمية".

وفي النهاية لابد من طرح هذا السؤال: إذا كانت مثل هذه الأيديولوجية مفصلة حسب النموذج الغربي فقط، ومصممة لخدمة مصالح البروليتاريا الغربية الآرية فقط، ومنشأة بشكل يدعم ويوسع الأفكار الأساسية لتفوق البيض، فهل يمكن لها أن تكون قائداً ومرشداً لهذا الجزء من البشرية الخاضع مباشرة للتفوق الغربي الدولي؟ وهل يمكن لأيديولوجية تتضمن مبادئ فلسفية عنصرية خفية أن تُستخدم كأداة أو سلاح ضد العنصرية؟ والله أعلم.
ــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف