إبراهيم غرايبة

- العالم يستعيد مشهد عام 1919
- المشروع الأوراسي والعالم العربي والإسلامي
- الجيوبولوتيكا الروسية والعالم الإسلامي

يقول عالم الجغرافيا السياسية الأميركي أشعيا بومان إن الجغرافيا تتغير بسرعة لا تقل عن سرعة تغير الأفكار نفسها أو التغير في مجال التكنولوجيا، أو بتعبير آخر فإن معنى الظروف الجغرافية يتغير، وربما كانت حالة روسيا من أهم الأدلة على تحولات الجغرافيا، فبعد تفكيك الاتحاد السوفياتي بدا كما لو أن روسيا والعالم كله تتغير خريطته سياسيا وجغرافيا أيضا في حالة لا تشبهها في التاريخ إلا الأحداث الكبرى، مثل انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

"
الجغرافيا السياسية العربية تقع في التاريخ السامي وفي الإسلام ونظام الخلافة والإمبراطورية العثمانية والدولة العربية الحديثة وحرب الخليج والصراع العربي الإسرائيلي ليصل أخيرا إلى المشروع الأوراسي
"
العالم يستعيد مشهد عام 1919
ربما تساعد إعادة دراسة المشهد السياسي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى على فهم المشهد القائم اليوم، فقد كان تفكيك الإمبراطورية العثمانية حالة تشبه تفكيك الاتحاد السوفياتي عام 1990، وفي الحالتين فقد انهارت القوة البرية المنافسة للقوة البحرية، وهناك كان مصطفى كمال أتاتورك، وهنا كان ميخائيل غورباتشوف، وفي الحالتين كان العالم العربي والإسلامي أحد الموضوعات المهمة في التركة والحوار والتصفيات.

وشهدت باريس عام 1919 سلسلة طويلة من الحوارات والاتفاقات المعقدة والغامضة والملتبسة التي لم تتوقف تداعياتها حتى اليوم، وقد صدر مؤخرا عن مؤسسة راندوم هاوس كتاب "باريس 1919: ستة أشهر غيرت العالم" من تأليف مارغريت ماكملان، وقد حاز الكتاب على ثلاث جوائز لأفضل كتاب (جائزة صامويل جونسون وجائزة قلم هسل تلتمان وجائزة دف كوبر).

ولأول مرة في التاريخ حضر رئيس أميركي "ودرو ويلسون" الذي تقدم بنقاطٍ أربع عشرة بدت وكأنها تعد بتحقيق آمال الكثيرين وإن كانت جذرت على غير قصد منه مبدأ "حق تقرير المصير" الذي حرك وما زال يحرك العديد من الصراعات في العالم.

لأشهر ستة كانت باريس مركز العالم حيث عكف صناع السلام على تقسيم الإمبراطوريات الهرمة وإنشاء دول جديدة، فدفعوا روسيا إلى الهامش وعزلوا الصين وتجاهلوا العرب، وحاولوا التعامل مع إشكالية كوسوفو والأكراد وإنشاء وطن قومي لليهود.

لكن روسيا شهدت ثورة أكتوبر البلشفية، ثم تحولت بسرعة إلى الاتحاد السوفياتي الذي كان بعد الحرب العالمية الثانية القوة العظمى الثانية المنافسة للكتلة الرأسمالية الأطلسية بقيادة الولايات المتحدة.

"
الإنسانية في القرن الحادي والعشرين يجب أن تعيش ضمن شروط التعددية القطبية لا وحدة القطب لأن العولمة الوحيدة القطب تحمل في ثناياها خطرا مميتا على الإنسانية
"
واليوم يعود السؤال مجددا عن موقع العالم العربي والإسلامي في الإستراتيجية الروسية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، فروسيا تبدو اليوم وكأنها تنظر إلى العالم وفق خريطة جديدة، مختلفة عما كان عليه العالم من قبل جغرافيا، وكأن العالم هو ذلك الجزء الناتئ من القارة الآسيوية، والمسمى أوروبا، لكن هذا الجزء يملك ما كانت تحلم به الإمبراطورية السوفياتية، وكانت مستعدة لأجله للتخلي عن الأحلام الأيديولوجية الاشتراكية والإستراتيجية التوسعية جنوبا نحو المياه الدافئة، تلك الإستراتيجية التي ظلت تحكم السياسة الروسية أكثر من أربعمائة سنة، لتكتشف بعد ذلك أن العالم ليس في الجنوب ولا المياه الدافئة، ولكنه في الغرب والشمال، حيث تقنية المعلومات والتكنولوجيا المتقدمة التي تمكن روسيا من استخراج النفط المخزون في باطن الأرض الروسية والمناطق القريبة منها، والذي لا يقل أهمية عن نفط الخليج العربي، وحيث القطب الشمالي مركز الكون.

فهل تعيد روسيا مسار وتاريخ تركيا التي اتجهت إلى الغرب فلا هي كسبت الشرق ولا هي كسبت الغرب؟ ما موقع العرب والمسلمين في المشروع الجغرافي السياسي الروسي الجديد، والمسمى الأوراسي؟

المشروع الأوراسي والعالم العربي والإسلامي
المشروع الأوراسي للعالم متعدد الأقطاب يرى أربعة أحزمة كونية موزعة على خطوط الطول: الأميركي، الأورو أفريقي، الأوراسي، الباسيفيكي، وكل حزام يتكون من عدة آماد كبرى، والعالم العربي يمثل في هذه اللوحة واحدا من ثلاثة آماد كبرى للحزام الأورو أفريقي، وعلى شماله يقع المدى الكبير لأوروبا، وإلى جنوبه المدى الكبير لأفريقيا السوداء.

والمدى الكبير للعالم العربي يمثل المعسكر الذاتي المكتفي بنفسه والموحد حضاريا وثقافيا ودينيا واقتصاديا وإستراتيجيا، ويتلقى الدعم التكنو–اقتصادي من الشمال، ويدعم النبض المنتنامي باتجاه الجنوب الأفريقي عبر الصحراء.

ويرى المشروع الأوراسي العالم الإسلامي غير العربي مدى كبيرا مستقلا بذاته يرتبط تقينا وفق خطوط الطول بروسيا –الأوراسيا.

"
لا يوجد عالم إسلامي متكامل ومستقر يمكن أن يكون حزاما جغرافيا ممتدا بين الفلبين والمغرب لأنه مجاميع ودول مشتتة سياسيا تتوزعها اتجاهات فكرية وأيدولوجية ومواقف متباينة
"
والعالم العربي اليوم وفق دوغين مؤلف كتاب "مستقبل الجغرافيا السياسية الروسية" على مفترق طرق، ويبحث بألم مضن عن مكانة في العالم الجديد، وقد أضاف الإرهاب (بالمفهوم الأميركي) بعدا جديدا للجيوبولوتيكا في هذا العالم.

فأحداث الحادي عشر من أيلول والحرب الأميركية على العراق، والصراع العربي الإسرائيلي فرضت على العالم العربي أبعادا جديدة إستراتيجية ربما يكون أكثرها خطورة تجاهل الواقع الجغرافي العربي، والإصرار على اعتبار العرب دولا منفصلة تحدد كل دولة ثنائيا مع الغرب والعالم سياساتها ومواقفها ومصالحها التي تكون في أحيان كثيرة متناقضة مع بعضها أو تكون مناقضة لمصالح الدولة نفسها وللمصالح الإقليمية للمنطقة العربية وغير العربية المحيطة بها.

يعتبر المؤلف مداخل فهم الجغرافيا السياسية العربية تقع في التاريخ السامي، وفي الإسلام ونظام الخلافة، والإمبراطورية العثمانية، والدولة العربية الحديثة، وحرب الخليج، والصراع العربي – الإسرائيلي، ليصل أخيرا إلى المشروع الأوراسي بالنسبة للعالم العربي.

والمشروع الأوراسي كما يعرضه دوغين ينطلق من أن الإنسانية في القرن الحادي والعشرين يجب أن تعيش ضمن شروط التعددية القطبية لا وحدة القطب، فالعولمة الوحيدة القطب تحمل في ثناياها خطرا مميتا على الإنسانية، وهو هدف يصعب على الدول القومية أن تحققه باستثناء الولايات المتحدة الأميركية، وليس من حل أو أفق للعمل سوى عمل إقليمي متكامل.

"
محور موسكو-طهران هو المرشح أكثر للاستقرار والفاعلية ويمكن أن يقدم لروسيا الهدف الإستراتيجي الذي ظلت مئات السنين تسعى إليه
"
ثمة تحالف ممكن بين روسيا والعالم الإسلامي في مواجهة العولمة والأمركة والتمرد على الهيمنة الأطلسية على العالم، فالتقليد الإسلامي وفق الرؤية الأوراسية أكثر تسييسا وتحديثا من غالبية المذاهب الدينية الأوروبية الأخرى، والأطلسيون ينظرون إلى العالم الإسلامي كعدو محتمل بالنسبة لهم.

لكن من الناحية الواقعية لا يوجد عالم إسلامي متكامل ومستقر يمكن أن يكون حزاما جغرافيا ممتدا بين الفلبين والمغرب، فهو مجاميع ودول مشتتة سياسيا، وتتوزعها اتجاهات فكرية وأيدولوجية ومواقف متباينة.

الجيوبولوتيكا الروسية والعالم الإسلامي
تبدو إيران في المشهد الحالي مرشحة لأن تكون حليفا للمشروع الأوراسي، وربما الاتجاه العروبي اليساري الذي لم يعد قائما إلا في سوريا، فقد انتهى في اليمن الجنوبي ثم العراق، ويبدو أنه متجه للانحسار في ليبيا، وبذلك فإن محور موسكو – طهران هو المرشح أكثر للاستقرار والفاعلية، ويمكن أن يقدم لروسيا الهدف الإستراتيجي الذي ظلت مئات السنين تسعى إليه، وهو الوصول إلى المياه الدافئة.

وقد نجح الأطلسيون على مدى مئات السنين في حرمان روسيا ووريثها الاتحاد السوفياتي من العبور إلى شواطئ البحر المتوسط أو المحيط الهندي ومن ثم المشاركة في التنظيم السياسي للمناطق الشاطئية لأوراسيا.

والتحدي الإسلامي الآخر لروسيا يقع في آسيا الوسطى التي بدأت بعد انفصالها عن الاتحاد السوفياتي تتنازعها الاتجاهات الأطلسية التركية والأصولية والاتجاه الإيراني الأصولي أيضا، ولا مجال بالطبع لاتجاهات عروبية في آسيا الوسطى، ويبدو صعبا في ظل الاتجاه القومي المتصاعد في هذه المنطقة أن تعود إلى التحالف مع روسيا.

"
السلاح الروسي الذي انتصر به العرب عام 1973 لم يكن ثمنه يساوي شيئا بالنسبة لعشرات المليارات العربية التي دفعت ثمنا للسلاح الأميركي والأوروبي الذي لم يحقق شيئا في الميدان
"
وهنا لا تبدو فرصة لروسيا سوى إيران لتنهض بمهمة التحالف الروسي الإسلامي القاري وحل مشكلة روسيا الجيوبولوتيكية.

والخط الثاني للحلف الأوراسي مع الجنوب هو المشروع العروبي الذي يشمل جزءا من آسيا وشمال أفريقيا للوصول إلى المتوسط والامتداد في أفريقيا، لكن المدى العروبي في التحليل الجغرافي السياسي الأوراسي يبقى مجالا أوروبيا وليس روسيا، وسوف يسلم في حالة إقامة حلف موسكو – برلين إلى الحليف الألماني، ويجب أن يقتصر اهتمام روسيا بالعالم الإسلامي على إيران التي ترتبط بالتحالف معها مصالح روسيا الحيوية، الإستراتيجية والإثنية الضيقة أيضا.

يجب الملاحظة والتذكير هنا أن الاتحاد السوفياتي تلقى ضربات إستراتيجية قاسية في العالم العربي والإسلامي، في مصر عام 1972، وفي أفغانستان، وبسبب المغامرة العراقية في الخليج والكويت ثم الاحتلال الأميركي للعراق، وفي البلقان، وفي الشيشان.

ورغم أن التفكير النظري يقتضي وجود تحالف روسي إسلامي، فإن التطبيق الواقعي يكشف عن تحالف أطلسي عربي إسلامي يضرب روسيا في العمق.

وهنا أقتبس من كتاب النظام العربي المعاصر للأستاذ عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري:

"لقد عمل الاتحاد السوفياتي على دعم دول المواجهة مع إسرائيل عسكريا واقتصاديا وإقامة قواعد مواجهة للقواعد الأميركية في البحر المتوسط والاقتراب من الخليج عبر إيران واليمن الجنوبي".

وتطورت علاقات سوفياتية مع عدة دول عربية مثل مصر وسوريا وعدن وليبيا والجزائر والعراق، وتميزت هذه العلاقات بأنها تحقق مصالح متوازنة للطرفين، ولكن بعض العرب كانوا يريدون السلاح السوفياتي دون السوفيات ودون الاعتراف بالمصالح السوفياتية، ويريدون في الوقت نفسه علاقات متنامية مع الولايات المتحدة.

وبعض العرب لم يحسم موقفه جذريا من قضية الصراع مع إسرائيل وسبل الوصول إلى ردع للعدوان وتحرير الأرض، وضاع الأمل بين بناء قوة عسكرية عبر السوفيات وبين إقناع إسرائيل بالانسحاب عبر الولايات المتحدة.

وكانت مشكلة السوفيات في الأحزاب الشيوعية العربية التي شكلت أحد الحواجز بين السوفيات وبين العالم العربي، وبرغم أن الاتحاد السوفياتي تجاوز هذه الأحزاب في تعامله مع الدول العربية فإنها كانت تواجه حملة من الحكومات وأوقعت نفسها في عداوة مع الإسلاميين والقوميين.

"
السوفيات معنيون بتطوير صناعة النفط والتقنية الغربية أكثر من أي قضية أيدولوجية أو توسعية ويمكن أن يضحوا بالكثير لأجل الحصول على هذا الهدف
"
ويشير الأستاذ محمد حسنين هيكل إلى ملاحظة مهمة، وهي أن السلاح الروسي الذي انتصر به العرب عام 1973 لم يكن ثمنه يساوي شيئا بالنسبة لعشرات المليارات العربية التي دفعت ثمنا للسلاح الأميركي والأوروبي ولم تحقق شيئا في الميدان.

وفي البلقان التي تمثل مصالح حيوية لروسيا، جاء قدر المسلمين أن يكونوا أعداء الصرب الحليف الطبيعي لروسيا في المنطقة، وكان المسلمون والكروات هم حلفاء المشروع الأطلسي.

لكن التقنية كانت أقوى من الجغرافيا والإستراتيجيات أيضا، فقد ظلت هاجس روسيا الشيوعية السوفياتية وروسيا الجديدة الحائرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أحد أهم الأهداف السوفياتية، حتى إن فرد هاليداي كتب في السبعينات تحت عنوان "السياسة السوفياتية في قوس الأزمة"، ويعني بقوس الأزمة المنطقة المحيطة بأوراسيا من الجنوب أي العالم العربي والإسلامي، أو هي الهلال الخارجي حسب وصف علماء الجغرافيا السياسية "إن السوفيات معنيون بتطوير صناعة النفط والتقنية الغربية أكثر من أي قضية أيديولوجية أو توسعية، ويمكن أن يضحوا بالكثير لأجل الحصول على هذا الهدف، وسيحكم على تطلعاتهم بالتوجه إلى الغرب، وربما يفسر هذا التفكير العزوف الروسي عن العالم الإسلامي الممزوج أيضا بالشعور بالمرارة، وربما عدم الاحترام".
________________
كاتب أردني

المصدر : غير معروف