من المؤكد أن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه بعد موت ياسر عرفات لا يتعلق بالسلطة الفلسطينية وإنما بحركة فتح، فالأولى هي نتاج الثانية وليس العكس، فقد انبثقت السلطة عملياً عن اتفاقات أوسلو التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر/ أيلول 1993، فيما وصلت الطريق المسدود أثناء قمة كامب ديفد التي عقدت برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في يوليو/ تموز 2000. وما هو معلوم لدى القاصي والداني أن فتح هي الحركة المهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية، فيما كانت كلتاهما تحت السلطة المطلقة لياسر عرفات.
 
"فتح" هي حركة التحرير الوطني الفلسطيني، واختصارها "حتف" فكان أن قلبت لتغدو "فتح" (الفاء من فلسطين، والتاء من تحرير، أما الحاء فمن حركة)، كما هو حال منظمة التحرير الفلسطينية التي اختصرت كما هو معروف برمز (م.ت.ف). والنتيجة أننا لم نكن إزاء حركة أيدولوجية أو حزب سياسي بل أمام حركة تحرير وطني.
 
ومعلوم أن كثيراً من حركات التحرير الوطني المعروفة قد أخذت لها لوناً أيدولوجياً، حيث مال معظم حركات التحرير في نهاية النصف الأول من القرن الماضي وحتى الستينات والسبعينات إلى اللون اليساري، قبل أن يبدأ اللون الإسلامي بالبروز في عدد من بؤر التوتر.
 
وتشكل الحالة الفلسطينية جزءًا من هذه الظاهرة، فقد مالت معظم المنظمات الفلسطينية إلى اللون اليساري متراوحة بين التشدد والانفتاح داخل إطار اللون المذكور (الجبهة الشعبية، الديمقراطية، الشعبية–القيادة العامة، الصاعقة..إلخ)، ولم يبرز اللون الإسلامي إلا مع النصف الثاني من الثمانينات بسرايا الجهاد ومن ثم حركة الجهاد وحركة المقاومة الإسلامية (حماس).
 
وحدها حركة فتح التي شذت عن القاعدة المذكورة.. حدث ذلك رغم مجيء عدد من مؤسسي الحركة من المربع الإسلامي الذي كان قوياً خلال النصف الأول من القرن الماضي، وذلك أثناء دراسة عدد منهم في القاهرة (ياسر عرفات، صلاح خلف، خليل الوزير، سليم الزعنون وآخرون).
 
لكن قادة الحركة الذين قرؤوا وجهة الرياح في ظل زعامة عبد الناصر المعادي للحركة الإسلامية، وبخاصة في لونها الإخواني الذي خرجوا من عباءته، كما قرؤوا الحالة العربية والدولية عموماً، كانت لهم وجهة أخرى. فقد عملوا على إنشاء حركة تحرير وطني فلسطيني لا تلبس ثوباً أيدولوجياً يدخلها في صدام مع أي أحد، فكانت الحركة علمانية الطابع لا تتورع عن قبول أي أحد في صفوفها، يسارياً كان أم شيوعياً أم إسلامياً، أم لادينياً، أم عادياً لا يحمل أية أيدولوجيا، وبصرف النظر عن مستوى التزامه الفكري، وربما الأخلاقي أيضاً، بمعنى أن التدخل في الخصوصيات الفكرية والأخلاقية لم يكن عرفاً في حركة فتح التي كان يتجاور في ثكناتها ومكاتبها المسلم والمسيحي والشيوعي، فضلاً عن المصلي والسكير!!
 
"
وحدها ابتعدت حركة فتح عن اللون الأيدولوجي الذي ميز الحالة الفلسطينية, رغم مجيء عدد من مؤسسيها من المربع الإسلامي, فكانت علمانية الطابع تقبل منتسبيها بغض النظر عن الانتماء الفكري والديني وربما الأخلاقي
"
ليس هذا تأريخاً لحركة فتح، وإنما محاولة للتأكيد على أن الأيدولوجيا التي جمعت ذلك الخليط غير المتجانس في كثير من الأحيان في تلك الحركة هي أيدولوجيا فلسطين التي ينبغي أن تتحرر من الاحتلال، بل إن الحشد الأساسي الذي قامت عليه كان يركز على ثقافة اللجوء التي تحرك أصحابها نحو العمل من أجل العودة إلى ديارهم بعد تحريرها، ولذلك لم يكن غريباً أن يتشكل العصب الأساسي للحركة من أبناء الشتات الفلسطيني في الأردن ولبنان وسوريا، سيما وهي الحركة التي بدأت نواتها الأساسية من عدد من الرموز في الكويت.
 
كان الأصل في حركة فتح أنها أسست من أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني (من البحر إلى النهر). وقد كان ذلك أمراً طبيعياً، لأن الضفة الغربية وقطاع غزة لم تكونا قد احتلتا بعد، وهما لم تحتلا إلا بعد سنوات من تأسيس الحركة التي أطلقت رصاصتها الأولى مطلع العام 1965، فيما كانت نواتها قد تأسست قبل ذلك بسنوات.
 
بعد ذلك سيطرت حركة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت موجودة، وأصبح زعيم فتح (ياسر عرفات) هو ذاته زعيم المنظمة. ومضت الحالة المذكورة حتى الاحتلال الثاني عام 1967، حيث اضطر النظام العربي الرسمي بزعامة جمال عبد الناصر إلى الاعتراف بقرار 242، الأمر الذي بدا نوعاً من الاعتراف بوجود الدولة العبرية وبعدم إمكانية إزالتها ضمن ميزان القوى الراهن.
 
من الممكن القول إن اعتراف عبد الناصر بالقرار المذكور قد دشن بداية رحلة منظمة التحرير وحركة فتح نحو ذات الخط السياسي، لكن الأمر كان في حاجة إلى بعض الوقت، لاسيما أن معظم كوادر الحركة -كما أشرنا- هم أبناء الشتات الذين احتلت مدنهم وقراهم عام 1948 وليس عام 1967. وقد جاء عام 1974 ليشهد النقلة التي بدت متوقعة، حيث دخلت المنظمة في السرب العربي وباتت تناضل من أجل تحرير الأراضي المحتلة عام 1967.
 
لكن التغيير المشار إليه لم ينسحب على طبيعة الحركة التي نحن بصددها (فتح)، فقد ظلت على حالها حركة تحرير وطني، واستمر بنيانها الداخلي على حاله قائماً على ثقافة التحرير وليس على أية أيدولوجيا أخرى، الأمر الذي لم يتغير إبان حقبة صعود اليسار الفلسطيني في السبعينات، حيث لم تتجاوز حصة منظمات اليسار المختلفة المنضوية في إطار منظمة التحرير نسبة الثلث في أحسن الأحوال، فيما كان عرفات يستغل تشرذمها كي يجعل تأثيرها في قرار المنظمة أقل من ذلك.
 
هذا الواقع الذي كانت تعيشه حركة فتح لم يكن حكراً على الشتات الفلسطيني، وحيث تتركز القيادة ومن ثم الكوادر الذين أصبحوا أقرب إلى جيش في الأردن ثم في لبنان، فقد كان الحال هو ذاته في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما غاب النشاط عن الأراضي المحتلة عام 1948، بغض النظر إن كان عجزاً في البداية، أم بقرار بعد ذلك عندما أصبحت الرؤية حيال فلسطينيي تلك المنطقة مختلفة بعد عام 1974.
 
في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت الأيدولوجيا السائدة في الحركة هي ذاتها في الخارج، أي ثقافة التحرير وجمع الشمل من أجل النضال ضد الاحتلال وتحرير الأرض، وهو ما تواصل عملياً. بل تصاعد إثر ازدياد حضور الداخل الفلسطيني في منظومة الصراع خلال الانتفاضة الأولى التي اندلعت نهاية العام 1987، والتي تزامنت مع بروز قوة شعبية مهمة هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ومعها شقيقتها الأصغر حركة الجهاد الإسلامي التي سبقت في التأسيس.
 
أثناء الانتفاضة الأولى حصلت حركة فتح على دفعة معقولة قبل أن تبدأ بالتراجع بعد ذلك إثر تراجع الانتفاضة "السلمية" ولجوء حماس إلى العمل المسلح، والأهم إثر بداية القفزة الجديدة في مسار التسوية (مؤتمر مدريد 1991، ثم اتفاق أوسلو 1993) والتي أفرزت سلطة فلسطينية على الأرض، حيث جاء عشرات الآلاف من كوادرها من الخارج.
 
"
بعد عام 1994 تحولت حركة التحرير إلى حزب سلطة مدجج بالفساد، وبرزت يومها مقولات الداخل والخارج وجماعة تونس، الأمر الذي تواصل بشكل درامي وصولاً إلى قمة كامب ديفد وانتفاضة الأقصى عام 2000 
"
هنا برزت الإشكالية الأولى في مسيرة الحركة، فبينما بدا أن اتفاق أوسلو يمكنه أن يحقق شيئاً مقبولاً بعد تأسيس السلطة عام 1994 ومجيء زعيمها من الخارج، عاد الوضع إلى الانتكاس في السنوات التالية حيث تحولت حركة التحرير إلى حزب سلطة مدجج بالفساد، وبرزت يومها مقولات الداخل والخارج، وجماعة الداخل وجماعة تونس، الأمر الذي تواصل بشكل درامي وصولاً إلى قمة كامب ديفد عام 2000 وصولاً إلى اندلاع انتفاضة الأقصى نهاية سبتمبر/ أيلول من ذات العام.
 
خلال الأعوام المشار إليها كانت حركة فتح تتراجع في الشارع الفلسطينيى رغم كادرها الضخم، فقد أصبحت بالفعل حزب سلطة لا يختلف بحال عن أحزاب السلطة المعروفة في عدد من الدول العربية، بل إن طبيعة الشارع المسيّس والجريء جعلتها ورموزها موضع تندر بل وهجوم شرس، خاصة أن الصحافة الإسرائيلية غالباً ما كانت تتسلى بقصص فساد قادتها.
 
في تلك الفترة تراجعت شعبية حركة فتح وزاد رصيد حركة حماس التي كان فعلها العسكري يتراجع بعد صعود كبير خلال سنوات 1994 و1995 و1996، قبل أن يأخذ في التراجع تحت وطأة ضربات السلطة والاحتلال وصولاً إلى اندلاع انتفاضة الأقصى.
 
كانت الانتخابات الطلابية والنقابية مؤشراً على ذلك، فرغم العمل الحثيث من قيادة السلطة ووجود عدد كبير من كوادر حماس وقادتها في سجون الاحتلال وسجون السلطة، فإن الحركة كانت تسجل للمرة الأولى تفوقاً منظوراً على حركة فتح في أوساط الطلبة والنقابات المهنية.
 
استمر ذلك حتى اندلاع انتفاضة الأقصى التي شكلت محطة مهمة بالنسبة لحركة فتح استطاعت خلالها ترميم ما تهدم من بنيانها الشعبي عبر استعادة جزء من وجهها الأصلي كحركة تحرير بعدما أخذت وجه حزب السلطة. وقد حصل ذلك بعد بروز جناحها المسلح (كتائب شهداء الأقصى) وانحيازها الجزئي نحو الخيار المقاوم كمسار للضغط على الاحتلال لتحسين شروط التفاوض.
 
في هذه الآونة لم تخلع حركة فتح ثوب السلطة، بل ظلت ترتديه وبذات اللون الفاسد في كثير من الأحيان، لكن أجواء انتفاضة الأقصى المميزة قد همشت ذلك إلى حد ما، وذلك في ظل بروز الوجه الآخر المقاوم بشهدائه وأسراه، الأمر الذي ينطبق على الحركات الأخرى، وتحديداً حركة حماس والجهاد الإسلامي وإلى حد ما الجبهة الشعبية.
 
من هنا تبدأ أسئلة الحركة بعد عرفات بالبروز، ذلك أن لعبة الجمع بين التفاوض والانتفاضة، أو بين السلطة والثورة كانت بشكل أساسي لعبة عرفاتية، بل إن اللعبة المذكورة هي ذاتها التي جرت عليه الويلات الأميركية الإسرائيلية وحشرته في مبنى المقاطعة في مدينة رام الله.
 
واللافت أن خليفته محمود عباس هو من اللون الآخر تماماً، أي ممن رفضوا بقوة تلك اللعبة، إذ لم يتوقف عملياً منذ أربع سنوات عن هجاء "عسكرة الانتفاضة" التي جرت برأيه المصائب على الشعب الفلسطيني.
 
ليس هذا هو الجانب الوحيد في شخصية أبو مازن، أي الإيمان بالتفاوض وحده من دون مقاومة، فهناك الجانب الآخر ممثلاً في ازدراء التنظيم، بل وازدراء الجماهير أيضاً، تلك التي لا تدرك مصالحها ولا تعقيدات السياسة أيضاً، وهو ما يفسر بالضرورة عدم تمتعه بالحد الأدنى من الشعبية التي يحوزها القادة الآخرون في حركة فتح، الثوار منهم أم غيرهم.
 
لعل ذلك هو ما دفع قادة فتح إلى ترتيب أوراق الخلافة على النحو الذي جرى، بحيث أصبح محمود عباس رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وفاروق القدومي رئيساً للجنة المركزية لحركة فتح، وروحي فتوح رئيساً مؤقتاً للسلطة بوصفه رئيس المجلس التشريعي.
 
"
في ظل الوضع الجديد ستدخل حركة فتح طور حزب السلطة المحسوم الوجهة، فيما تلقي خلف ظهرها زمن حركة التحرير الثورية، حتى لو بقيت تسعى إلى التحرير في واقع الحال من خلال مسارات سياسية
"
لكن بقاء هذه التوليفة وفعلها الحقيقي على الأرض يظل موضع تساؤل، ذلك أن محمود عباس هو من سيقود السلطة لاحقاً بحسب أرجح التقديرات، بانتخابات أو من دونها في حال تعذر إجرائها، والسبب هو تراتبية فتح التقليدية في ظل عدم وجود القدومي في الداخل، فضلاً عما هو أهم من ذلك ممثلاً في قوة الدفع العربي والدولي من خلفه.
 
وحين يحدث ذلك فإن وضع القدومي على رأس حركة فتح سيغدو شكلياً لأن معظم كوادرها هم من متفرغي السلطة، فضلاً عن هيمنة محمد دحلان -حليف محمود عباس- على معظم كادر قطاع غزة.
 
في هذا السياق يمكن القول إن حركة فتح في ظل الوضع الجديد ستدخل طور حزب السلطة المحسوم الوجهة، فيما تلقي خلف ظهرها زمن حركة التحرير الثورية، حتى لو بقيت تسعى إلى التحرير في واقع الحال من خلال مسارات سياسية.
 
والحقيقة أن جملة المعطيات المتوقعة تشير في واقع الحال إلى تكريس فتح كحزب سلطة، أو لنقل كحزب سياسي. ولما كان الحزب المشار إليه من دون نكهة أيدولوجية مقنعة، فإن واقعه لن يختلف عن واقع أحزاب السلطة في الفضاء العربي، والتي تهيمن على كل شيء بأدوات كثيرة ليس من بينها الحرية والبرنامج المقنع على مختلف الأصعدة.
 
قد يرى البعض أن قفزة جديدة في الحركة ربما تحدث بعد ذلك كما حصل بعد مسيرة أوسلو من خلال انتفاضة الأقصى، وقد يكون ذلك صحيحاً، لكن الأمر سيبدو مختلفاً عن المرة الماضيةً، لما يعنيه من أن الحركة قد جرت الفلسطينيين نحو متاهة جديدة تشبه متاهة أوسلو مع أن مسار المقاومة كان على وشك النضوج وتحقيق الإنجازات وهو الذي أثبت فاعليته، أقله من وجهة نظر قوى المقاومة والغالبية من الجماهير.
 
قصارى القول أن حركة فتح في ظل الوضع الجديد ستفقد نكهتها التحريرية التي حملتها طوال عقود، فيما لا يتوقع لها تحقيق الكثير من خلال التفاوض. أما الأهم فإن نظرية حزب حاكم يحبه الناس لم تثبت صحتها حتى الآن في فضائنا العربي، الأمر الذي لا يتوقع له أن يتحقق في الواقع الفلسطيني، ما يعني أن فتح ستغدو حزب سلطة من اللون السائد في الدول العربية، والمصيبة أن يحدث ذلك من دون تقدم على صعيد تحرير الأرض. أما حدوثه في ظل تسوية غير مقبولة فسيكون محطة أسوأ في تاريخ الحركة.
 
يبقى أن نعيد التذكير بما أشرنا إليه سابقاً من أن تعيين فاروق القدومي على رأس الحركة هو التعبير الفتحاوي عن هواجس المرحلة الجديدة، لكن قدرته على فعل شيء تبدو محدودة في ظل ضعف إمكاناته القيادية ووجوده في الخارج وتفرغ معظم كوادر الحركة ضمن إطار السلطة.
 
أما الاحتمال الثوري الآخر، ممثلاً في انتخاب أو تعيين رجل فيه بعض النفس المقاوم لرئاسة السلطة فلا يمكن تجاهله حتى لو كان احتماله ضئيلاً، وفي هذه الحال قد تبقى الحركة في حال المراوحة القائمة التي تضعها جنباً إلى جنب مع حماس في صدارة القوة الشعبية مع تمتعها هي بالغطاء العربي والقبول الدولي.

ــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف