إبراهيم أبو الهيجاء

 

- الفوز لم يكن طفرة

- الاستنتاجات الرقمية

- تراجع حركة فتح الحاد حتى في مواقعها

- اليسار الفلسطيني حجم أقل من التوقعات

- دلالات فوز حركة حماس

- الأفق

 

الفوز لم يكن طفرة

أثارت الانتخابات المحلية الفلسطينية اهتماما إعلاميا بالغا في عصر الفضائيات المفتوحة، وزاد من ذلك الاهتمام تشابك هذه الانتخابات مع الأضواء المسلطة على جدلية المقاومة والتسوية في قطاع غزة، مع حداثة  زعامة عباس التي أتت بعد غياب أو تغييب عرفات عن ساحة التأثير المحلي والإقليمي والدولي.

 

"
الأهم في حدوث هذه الانتخابات هو قياس الأبعاد السياسية لفوز حماس في واقع فلسطيني كل يدعي تمثيله
"
كل ذلك جعل للانتخابات المحلية الفلسطينية وبالتالي فوز حماس فيها، أبعادا هامة في قياس قوة الحركات الفلسطينية من جهة، وإسقاط ذلك على الحضور والبرنامج السياسي الذي تمثله من جهة ثانية.

 

لكن يجدر التذكير بأن فوز حماس بهذه النسبة لم يكن طفرة ولا هو بالمستجد، والمتفحص للانتخابات الجامعية والنقابية الجديدة والقديمة في الضفة الغربية وقطاع غزة كان يجد بسهولة أن قوائم حركة حماس كانت تحصل على نسبة تفوق الـ40%، لكن طمس هذه النتائج وغيابها عن وعي الرأي العام جاء بسبب بروز حركة حماس كحركة عسكرية فلسطينية مقاومة فاعلة، مع أنها من أكثر الحركات الفلسطينية انتشارا في صفوف الفعاليات النقابية والاجتماعية.

 

ولكن مقاطعة حماس للانتخابات التشريعية والرئاسية الماضية وبعدها الرئاسية الجديدة أدى إلى تشويه مواقفها واتهامها بالانغلاق والإرهاب ولاحق الخوف من قياس حجمها في الشارع الفلسطيني، مع أن حماس اشتركت في كل الانتخابات النقابية ليس في ظل السلطة الفلسطينية وحسب، بل في ظل الاحتلال أيضا، لأنها رأت في هذه المواقع شؤونا خدمية لا تلزمها بتقديم أثمان سياسية، بعكس الانتخابات التشريعية والرئاسية التي جاءت على أسس سياسية وبما يمس وينتقص بالتالي من ثوابتها ومواقفها تجاه العلاقة مع الاحتلال والموقف من المقاومة والقدس واللاجئين والحدود.

 

الاستنتاجات الرقمية

ولكن نظرا لأن الانتخابات المحلية غيبت بقرار من السلطة الفلسطينية ذاتها منذ قدومها، بل وبتكريسها مجالس معينة ومحسوبة على حركة فتح، وقبلها غابت هذه الانتخابات بقرار من الاحتلال منذ سنة 1967، فقد غابت حماس عن الساحة.

 

ولكن لما أتيح المجال وحدثت هذه الانتخابات، جاءت مشاركة حماس طبيعية ومنسجمة مع مواقفها تجاه الانتخابات البلدية تحديدا، مع أن الأهم في حدوث هذه الانتخابات هو قياس الأبعاد السياسية لهذا الفوز في واقع فلسطيني كل يدعي تمثيله.

 

فالأرقام المتاحة للمرحلة الأولى لهذه الانتخابات، التي شارك فيها أكثر من 85% من أصحاب حق الاقتراع بعكس الانتخابات الرئاسية التي جاءت هزيلة ولم يشارك فيها أكثر من 44%.

 

يشير هذا إلى فوز غير عادي لحركة حماس تحول دونه ظروف صعبة، فمثلا حماس مثخنة بسبب الضربات الإسرائيلية التي أنهكتها من حيث اعتقال واغتيال أبرز رموزها، والأهم حملة التخويف الدولي من التصويت لها، وكذلك امتلاك حركة فتح لمال وقوة السلطة التي تتحكم أصلا بشروط وإجراءات هذه الانتخابات من حيث تقسيم هذه الانتخابات إلى مراحل، والتحكم باختيار المواقع المحسوبة أصلا على حركة فتح، والأهم إسهام النظام الانتخابي المقر أيضا من قبل المجلس التشريعي في تعزيز العشائرية والقبلية حيث ملعب حركة فتح، بعكس التمثيل النسبي الذي يعزز التصويت للبرامج السياسية حيث ملعب حماس.

 

رغم كل ذلك جاء فوز حماس لافتا وفاق بالفعل التوقعات، وإذا جرت ترجمة هذا الفوز رقميا بمعادلة إجمالي النتائج، يمكننا القول إن حماس تتمتع بوزن تمثيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة يصل إلى حوالي 48%، مقابل نسبة لا تزيد عن 33% لصالح حركة فتح الحركة القابضة على زمام السلطة الفلسطينية.

 

الفاعلية

وزن حماس %

وزن فتح

 %

وزن اليسار %

وزن المستقلين %

المقاطعة والاشتراك في الانتخابات الرئاسية

46.1

28.6

11.6

13.7

الانتخابات الطلابية والنقابية الحالية والقديمة

43

37

10

10

الانتخابات المحلية الأولى في قطاع غزة

65

22

1

12

الانتخابات المحلية الأولى في الضفة الغربية  

36

44

12

8

الإجمالي

47.5

32.9

8.7

10.9

 

احتسب المقاطعون لصالح حركة حماس منقوصا منها 10% أضيفت إلى وزن المستقلين باعتبار أن هناك 10% لا تشترك كمعدل في الانتخابات، حتى لو احتسبت النتائج دون معدل المقاطعة والتصويت في الرئاسية فالنتائج متقاربة جدا.

 

"
التنافس الفعلي قائم بين قوتين حركة حماس وما تمثله من مشروع للمقاومة وحركة فتح والتيار الذي  يؤمن بالتسوية
"
تراجع "فتح" الحاد حتى في مواقعها

تقدم حماس في سياق ما تقدم بدأ تدريجيا ومنسجما مع الانتخابات النقابية التي تجري سنويا، لكن تراجع حركة فتح كان حادا خصوصا في مواقعها التقليدية أيضا.

 

ولا يعكس هذا فشل الحركة في المجالس الحالية وإشكالات الفساد المثارة حولها وحسب، بل يشير أيضا إلى نفور شعبي تجاه طروحات السلطة بشأن الهدنة وربما تخوف من إقدامها على اتفاقات خطيرة، لكن للدقة علينا أن نشير أيضا إلى أن غياب عرفات غيب الكثير من الانسجام والانضباط داخل الحركة التي غدت ممزقة في أهدافها ووسائلها بين خطوط المقاومة والتسوية.

 

لقد أدى هذا التردد إلى تشتت أصواتها وتراجع شعبيتها بأكثر من عشر نقاط توزعت بالدرجة الأولى لصالح المرشحين المستقلين أو المتمردين على قوائمها من حركة فتح نفسها أو أولئك الذين لم ينتخبوا أصلا وكذا اليسار الفلسطيني الذي تمثله الجبهات الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب الفلسطيني، وبالدرجة الثانية لصالح حركة حماس.

 

اليسار الفلسطيني حجم أقل من التوقعات

يشير تردد نسب اليسار الفلسطيني من الأقصى إلى الأدنى بين نقطة واحدة وما لا يزيد عن 12%، إلى تراجع هذا التيار وليس تقدمه، رغم قوته في المنظمات غير الحكومية.

 

إلا أن هذا اليسار كما يبدو بعيد عن الظهور كقوة سياسية شعبية، وهذا ما يبرز انحسار التأثير والتنافس الفعلي بين قوتين، حركة حماس وما تمثله من مشروع للمقاومة وأخرى وطنية فتحاوية تؤمن بالتسوية، لكن يمكننا تفهم ارتفاع وانخفاض قوة تيار اليسار من تسرب أصوات من حركة فتح لصالحه دون أن يعني ذلك بقاءها في جيبه في كل تأثير وموقع، فمثلا أدى وجود منافس يساري لمحمود عباس إلى تسرب أصوات من داخل حركة فتح والمستقلين لصالحه، بينما في ظل وجود قوة فاعلة مثل حركة حماس فإن الكثير من هذه الأصوات اختارت مرشحي حماس وليس اليسار.

 

دلالات فوز حركة حماس

تشير النتائج التي حصلت عليها حركة حماس إلى أنها قوة لا يستهان بها ولا يمكن لطرف محلي أو إقليمي التقليل من وزنها، وهذا يبرر بالتالي حقها بالمطالبة بإشراكها بالقرار السياسي الفلسطيني، وحصولها على نسبة مؤثرة في منظمة التحرير الفلسطينية، إذا تعذرت الانتخابات الشاملة في الداخل والخارج لتكوين أطرها.

 

كذلك يشير فوز حماس إلى تأكيد من الشارع الفلسطيني على تمسكه بالمقاومة على الرغم من أحاديث المراقبين عن إنهاك وتعب الشارع الفلسطيني وتململه من انعكاسات صواريخ القسام، فمثلا فازت حماس في أكثر المناطق تضررا من قضية الصواريخ، وهذا يعكس أن العدوان الإسرائيلي لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج متذمرة أو ناقمة من الصواريخ المستخدمة، كما يتوقع الإسرائيليون وكما روج لذلك الكثير من الساسة العرب والفلسطينيين.

 

"
يشير فوز حماس إلى تأكيد من الشارع الفلسطيني على تمسكه بالمقاومة رغم أحاديث المراقبين عن إنهاك وتعب الشارع الفلسطيني وتململه من انعكاسات صواريخ القسام
"
أهم من ذلك أن هذه النتائج ضربت كل الأوزان الاستطلاعية التي روجت لها مراكز بحثية فلسطينية مرموقة، تعودت لأكثر من عشر سنوات إعطاء حركة حماس نسبة لا تزيد عن نسبة 25%.

 

ويثير هذا التساؤل الجدي عن مدى مصداقية تلك الاستطلاعات، بعد أن كانت الشبهات تثار من قبل حول تمويلها، ما يستدعي بجدية إثارة الاستفهام تجاه علميتها وبالتالي التشكيك في موضوعيتها وربما أهدافها.

 

بقي من الأهمية بمكان القول إن حماس يجب أن تقرأ هي الأخرى النتائج بنوع من الصدق مع نفسها، فهي من جهة أصبحت ذات وزن سياسي ظاهر يجب أن تحسن استغلاله لصالح مشروعها، ومن جهة ثانية عليها أن تضع في اعتبارها أن الثقة الممنوحة لها مرهونة بتمسكها ببرنامجها، ومن المهم أن تكون بديلا مسؤولا بقدر الثقة الممنوحة لها، وثالثا أن تتعظ من تجارب الحركات الإسلامية المجاورة لمحيطها، فلا تتورط في أخطائها.

 

الأفق

رغم أن فوز حركة حماس يحسب لتيار المقاومة الفلسطينية التي يشترك فيها جزء مهم من حركة فتح فهو يحمل الكثير من التحديات التي على المقاومة أن تستعد لها، منها كون فوزها سيؤدي إلى وضعها أمام مغريات تريد إما سحبها نحو التحزب والاشتراك في العملية الديمقراطية حيث لا مقاومة، أو ضربها والتحذير من قوتها المتصاعدة التي إن لم يتم تدجينها كما يريدون فسيصار إلى ضربها والمزيد من القوة والتخويف والتشويه لإضعافها بالتالي منعها من استثمار قوتها كتهديد للسلطة أو التسوية.

 

وسيكون من الخطأ الفادح انجرار حركة فتح وبالتالي السلطة وراء هذا المخطط في زحام التنافس السياسي، لأن فوز حماس يمكن للسلطة الفلسطينية استثماره أيضا في مواجهة أي ضغوط دولية لحملها على ضرب الحركة ومقاومتها أو تقديم تنازلات جديدة وستكون حجتها قوية بأنها لا تملك تطويع الشارع الفلسطيني فعلا للضغوط المحيطة بها.
___________________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف