مع إطلالة الثلاثين من يناير/ كانون الثاني الجاري يقف العراقي على مفترق طرق فيما يخص مستقبله ومستقبل أولاده وعشيرته، ليس لكونه سيختار بنفسه، وربما للمرة الأولى، 275 عضواً يشكلون الجمعية الوطنية "البرلمان" العراقي الذي سيحدد مراحل العملية السياسية في العراق، ولكن لأنه سيمارس عملاً سياسياً مختلفاً، أو ربما يكون قد مارسه ولكن في ظروف أكثر وطأة وأقل حرية.
 
ليس لهذا علاقة، بالطبع، بشرعية الانتخابات من عدمها، فالواقع أنها ستتم، والواقع أيضا أنها ستجري تحت رعاية محتل أجنبي لا يهمه من أمرها، سوي الانعقاد لتعويض ما فاته من إنجاز استمر زهاء عامين تحت وطأة عمليات المقاومة العراقية.
 
معضلات الانتخاب
"
العراقي الذي ظل متأهباً للحظة يمارس فيها دوره "المفتقد" في تحديد من يحكمه، يجد نفسه الآن محاصراً بين رغبة عارمة في الإحساس بنشوة الاختيار وبين مخاوف قوية من عواقب هذا الاختيار
"
ربما كان من الممكن لهذه الانتخابات أن تحمل وقعا أفضل في نفوس العراقيين لو جرت في ظل أجواء هادئة وإيجابية تمكن الناخب من أداء مهمته بهدوء نفسي وقدرة واعية على الاختيار، بيد أنها تجري في ظل مناخ أقل ما يوصف به أنه سلبي وغير مشجع، ليس على إرادة الاختيار فحسب، وإنما على الممارسة الفعلية ممثلة في الذهاب لصناديق الاقتراع أصلاً.
 
العراقي الذي ظل متأهباً للحظة يمارس فيها دوره "المفتقد" في تحديد من يحكمه، يجد نفسه الآن محاصراً بين رغبة عارمة في الإحساس بنشوة الاختيار بعد أكثر من ثلاثة عقود عجاف كان يقوم فيها بدور المتفرج، يقابلها مخاوف قوية من عواقب هذا الاختيار، ليس لجهة من سيختار وسط الكم الهائل من الأسماء والقوائم المرشحة فحسب، وإنما أيضا لعواقبه على أمنه وحياته تحت وطأة تهديدات المقاومة العراقية.
 
معضلات عديدة تقف أمام إرادة العراقيين في تحديد مصير بلدهم منها:
- المعضلة الأمنية: فلم تفتأ المقاومة العراقية تهدد وتتوعد بنسف المقار الانتخابية وقتل الناخبين، تحت دعاوى مختلفة، إما تكفيرية أو تحريضية أو إرهابية، تهديدات تدعمها وقائع فعلية جرت في بعض مراكز الاقتراع التي دُمرت خلال الأيام القليلة الماضية، وأوحت برسائل عديدة أقلها أن تحدي التهديد قائم وأن السلامة غير مضمونة. وضع صعب فرض على الناخبين الاختيار بين مجازفة المبادرة والاختيار مهما تكن العواقب، أو إيثار السلامة وعدم الالتفات إلي الحدث برمته، يدعم ذلك سجل طويل من الحرمان إبان العهد البائد. وكأن العراقي الذي عاش دهرا من الزمن يتمنى حرية الاختيار ولا يمارسها، يعيش الآن ممزقا بين طرفين كلاهما يجذبه نحوه، أحدهما يتربص له ببندقية، والأخر يمنيه بلذة المشاركة في تحديد مصيره.
 
- المعضلة التنظيمية: تشير بيانات الهيئة العليا للانتخابات أن على العراقيين الاختيار بين أكثر من 111 كيانا سياسيا،  ونحو 80 قائمة انتخابية، معظمها تشكل بعد سقوط النظام السابق، فضلاً عن تعقيد عملية الاختيار ذاتها والتي ستتم من خلال ورقة انتخابية تتضمن مسمى الكيان السياسي ورقمه وشعاره وليس أسماء المرشحين، بالإضافة إلى أن الانتخابات ستتم على ثلاثة مستويات هي انتخاب الجمعية الوطنية الانتقالية، وانتخاب مجلس المحافظات، إضافة إلى انتخاب المجلس الوطني الكردستاني في إقليم كردستان العراق. وهو ما قد يؤثر على حماس الناخبين في ظل التهديدات الأمنية المستمرة. أي أن النظام الانتخابي يقوم في مجمله على نظام القائمة وهو نظام معيب لا يعطي الناخب قدرة على فرز المرشحين حسب برامجهم وكفاءتهم السياسية وإنما وضع البيض كله في سلة واحدة، الصالح بجوار الطالح.
 
- معضلة المفاضلة: أغلب الكيانات السياسية المرشحة في الانتخابات سواء أفرادا أو أحزابا وتجمعات، تم تدشينها بعد سقوط النظام السابق في العراق، بما يعني عدم وجود تأييد شعبي حقيقي قد تستند إليه في الانتخابات، وهو ما يضع الناخب في مأزق كيفية المفاضلة بين هؤلاء المرشحين، فهو لم ير منهم أي إنجاز سابق، فضلاًَ عن تضارب واختلاط وتشابه البرامج الانتخابية مع بعضها البعض. مما قد يثير عزوفاً عن الاختيار خوفاً من مغبته ونتائجه مستقبلاً. وهو ما يعني من جهة أخرى احتمالات تدعيم العامل القبلي في الانتخاب وما ينطوي عليه من مشاكل مستقبلية تتعلق بالولاءات الطائفية للناخبين والمرشحين.
 
محددات الاختيار
"
يظل تحقيق الاستقرار في العراق من أهم مطالب الناخب العراقي وعلى رأس أولوياته، فهو يغط في مستنقع من العنف والقتل منذ سقوط النظام السابق وحتي اليوم
"
في ظل المعضلات السابقة، تتضح مدى محدودية البدائل التي توفرها العملية الانتخابية أمام الناخب العراقي، وفي ظل وضع كهذا تصبح محددات الاختيار مختزلة في أقل الطموحات والتوقعات لدى الناخبين.
 
فجزء كبير من هذه المحددات يعتمد، كما في أي انتخابات، على القدرة على المفاضلة بين برامج المرشحين من جهة، وعلى التأكد من قدرة مرشح على إنجاز برامجه وتطلعاته من جهة أخرى، وهو ما يظل محل شك كبير في الحالة العراقية، ليس لحال الفوضى السياسية المنتشرة هناك فحسب، وإنما أيضا لوجود عامل خارجي ممثلاً في الاحتلال الأجنبي الذي يشكل قيداً على تطلعات الناخبين والمرشحين على حد سواء.
 
وفي الانتخابات العراقية تتلخص محددات اختيار الناخب العراقي في الآتي:
- الأمن: يظل تحقيق الاستقرار في العراق من أهم مطالب الناخب العراقي وعلى رأس أولوياته، فهو يغط في مستنقع من العنف والقتل منذ سقوط النظام السابق وحتى اليوم، لذا لم يكن غريباً أن يعلو هذا المطلب قائمة البرامج لدى كل المرشحين باعتباره حاجة ضرورية وملحة.
 
بيد أن الكلام شيء والواقع شيء آخر، فمعضلة الأمن في العراق ذات طابع مزدوج: فهي من جهة ترتبط بالقصور والضعف الذي يعتري قوات الشرطة والجيش العراقي، ومن جهة أخرى ترتبط بمساحة التحرك التي توفرها قوات الاحتلال لأي قوة أمنية في العراق، حيث ما زالت قوات الاحتلال اللاعب الرئيسي في تحقيق الأمن في العراق.
 
ولا يرتبط مطلب الأمن بمجرد إيجاد قوات دفاعية، بقدر ما يرتبط بخلخلة جذور عدم الاستقرار ممثلاً في تحقيق أعلى سقف من الطموحات السياسية للشعب العراقي من حيث نزاهة التمثيل وحرية الاختيار وصدق عمليات الاقتراع دون تدخل لمصلحة طرف على حساب الآخر.
 
ويتزايد إلحاح المطلب الأمني في ظل حال التربص التي أعلنها "أحمد الخلايلة" أبو مصعب الزرقاوي وتهديده بتفجير مراكز الاقتراع وتحريضه على عدم المشاركة في العملية الانتخابية. ما يعني أن العامل الأمني سيظل هاجساً لدى الجميع، ومحدداً في مسألة الاختيار بين المرشحين.

- إعادة الإعمار: وهي مسألة مرتبطة إلى حد بعيد بالأمن، فبالرغم من مليارات الدولارات التي تدفقت على العراق عبر مؤتمرات المانحين، لم يلمس العراقي آثار الإعمار حتى الآن، فما زالت نسبة البطالة مرتفعة فضلاً عن النقص الحاد في الخدمات الاجتماعية كالرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية. والأمر لا يتعلق بمجرد رصد مليارات الدولارات بقدر ما يتعلق بتنفيذ خطط فعلية لإعادة الإعمار والقدرة على تنفيذها في ظل التحديات الأمنية المستمرة.
 
- تحسين مستوى المعيشة: هذا المطلب يتضمن فضلاً عن توفير ملاذ آمن لكل العراقيين من مآسي العقود السابقة من حروب وعقوبات، إلى إيجاد مناخ مناسب لممارسة الحياة بشكل طبيعي، فأغلب العراقيين يرزحون تحت معدلات معيشية متدنية نتيجة لحالات الفصل والطرد والحل التي تمت لأغلب مؤسسات الدولة العراقية. 
 
- المستقبل السياسي للعراق: إذا كان هناك اهتمام من الناخب العراقي بالمسائل السياسية، فجُله يتركز في مستقبل العراق السياسي، وشكل معادلة الحكم، وهنا تتباين مواقف الناخبين حسب انتماءاتهم الطائفية. فالشيعة يرغبون في قضم أكبر جزء من الكعكة السياسية تعوض حرمانهم الطويل من ممارسة حقهم الطبيعي في الحكم باعتبارهم الغالبية العظمى من السكان، بغض النظر عن حقوق الآخرين.
 
والسنّة، باعتبار أن جزءاً منهم سيشارك في الترشيح مثل قائمة عدنان الباجه جي، هدفهم إثبات الحضور وتثبيت أكبر قدر ممكن من المكاسب تحت وطأة الانحياز الأميركي للشيعة، وباعتبار أن الانتخابات ستجري بشكل أو آخر. أما الناخب الكردي فيقف أمام برنامج سياسي واضح ومحدد ومعروف سلفاً يشبع كثيراً من لوعة التمييز التي مورست في عهد النظام السابق، فهم يدركون أهمية هذه الانتخابات في تحديد مصيرهم ودورهم في إدارة العراق الجديد، لذا فإن هناك تضامنا شعبيا كرديا واسعا بين المرشحين والناخبين، يدعمه تاريخ مميز من الممارسة السياسية مقارنة بإخوانهم من الشيعة والسُنة.
 
مفارقات الانتخابات
"
يظل الناخب العراقي وبقدر تخوفه من مغبات مساهمته في العملية الانتخابية، مدفوعاً باتجاه قطف أولى ثمار سقوط النظام السابق، بعد عقود طويلة من الحرمان السياسي
"
لم يخل المناخ الانتخابي في العراق من مفارقات عديدة من شأنها التأثير بشكل أو آخر على توجهات الناخب العراقي، لعل أهمها ما يلي:
- برامج أغلب المرشحين لم تتحدث عن مسألة الوجود الأجنبي في العراق، حتى الذين تحدثوا عن المسألة لم يتبنوا موقفاً واضحاً من مستقبل الاحتلال، وهي مسألة أظنها حاسمة في تحديد اختيارات الناخب العراقي، الذي يعلم جيداً مدى ارتباط هذه المسألة بالأمن والاستقرار في العراق. وهو ما يقلل إلى حد بعيد من مصداقية المرشحين، حتى وإن بدا الأمر أكثر تعقيداً مما يدركه الناخبون، فالأمر يتلخص في ضمان استقلال العراق باعتباره مصدراً للمشاكل الحالية.
 
- المفارقة الثانية تتعلق بمدي الاختلاف البيّن في مواقف المرشحين من مستقبل العراق، فرغم أن الجميع يتبنى شعار "عراق واحد .. ووطن شامل" تتناثر مقترحات طائفية في أحاديث بعض المرشحين حول ضرورة تقسيم العراق سياسياً حسب دوائره الانتخابية، كما هو الأمر في تصريحات السيد أحمد الجلبي مرشح قائمة الائتلاف العراقي الموحد، الذي أوصى بضروة إقامة إقليم شيعي في الجنوب "البصرة والناصرية"، وإصرار مسعود البارزاني على ضم كركوك لإقليم كردستان، ما دفع الكثير من العرب إلى إعلان إحجامهم عن المشاركة في التصويت.
 
- مفارقة ثالثة تستدعي التوقف والتمحيص وهي إحجام عدد كبير من عراقيي المهجر عن المشاركة في الانتخابات تصويتاً وترشيحاً، ووفق أرقام المفوضية العليا للانتخابات العراقية فإن جملة الذين سجلوا أنفسهم في سجلات الاقتراع في دول المهجر "14 دولة" لم تتعد 25% "حوالي 230 ألفا من أصل مليون" عراقي مقيم في الخارج. وكان من المفترض أن يبادر هؤلاء إلى المشاركة في العملية الانتخابية باعتبارهم أكثر تأهيلاً وثقافة من إخوانهم في الداخل، ولجهة حرصهم على نجاح أول اختبار حقيقي للديمقراطية في العراق. 
 
وبرغم ما سبق يظل الناخب العراقي، وبقدر تخوفه من مغبات مساهمته في العملية الانتخابية، مدفوعاً باتجاه قطف أولى ثمار سقوط النظام السابق، بعد عقود طويلة من الحرمان السياسي. وكما ضحى العراقيون من قبل في مواجهة القهر والتسلط، عليهم التضحية الآن من أجل مستقبل مختلف لأولادهم وأجيالهم المقبلة.



ـــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة