تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الحجاج هذا العام بلغ مليونين بينما الأرقام غير الرسمية تقول إنهم وصلوا إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين، وهذا هو أكبر تجمع عالمي تعرفه البشرية في كل تاريخها، ومشهد الحجيج وهم يقفون في أرض واحدة بمنى أو على صعيد عرفات مرتدين ملابسهم البيضاء التي لا مخيط فيها وكأنها أكفانهم ينقل لنا نحن الذين نشاهد الحجاج صورة حية عن معنى الحشر يوم القيامة بينما يعايش الحاج نفسه هذا المعنى الكبير قبل أن يفاجئه يوم القيامة.

 

وللحشر علاقة قوية بالبعث بعد الموت، والحج هو أيضاً عملية بعث وتجديد  تخرج الحاج من عالم الغفلة والطمع واللهاث وراء متاع الدنيا وزخرفها إلى عالم الحرية الحقيقية حيث يكون عبداً لله وحده، فهو يذبح إسماعيله (نسبة إلى نبي الله أبي العرب إسماعيل) علي صخرة التوحيد القوية التي تحرره من كل الصغائر والأهواء وتجعله محض عبد لربه، كما فعل إبراهيم عليه السلام حين امتثل لأمر ربه بذبح ابنه ولم يطع الشيطان الذي حاول أن يصرفه عن أن يكون حرا بتحقيق عبوديته الكاملة لربه.

 

"
عملية الحج هي منطقة التماس بين النفس والمجتمع وبين الفرد والأمة وبين الدنيا والدين وبين الغيب والشهادة، ولذا تمتلك تأثيرها العميق الذي يتجاوز لحظة أداء الفريضة إلي ما وراءها في حياة الحاج ومجتمعه كله
"

والواقع أن عملية التغيير تبدأ من الإنسان والنفس وحين يتحرر الحاج من سجن الهوى والذات والطبيعة والتاريخ فإن عملية التغيير تبدأ في نفسه وتكون انطلاقة نحو عالم جديد أفضل جدير بالإنسان في العالم الإسلامي والدنيا كلها "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". ويجب عدم الاستهانة أبداً بعودة الإنسان إلى ذاته وتحريرها من السجون الخطيرة الخانقة التي أفرزتها الحضارة المعاصرة.

 

وفي العلوم الاجتماعية الغربية ما بعد الحداثية مسألة تحرير الإنسان من الاستلاب والاغتراب والأنانية والفردية والاستهلاكية والعدمية هو جوهرها، وعلي سبيل المثال يمكن مراجعة آراء أنطوني جيدنز ويورغن هابرماس وآلان تورين وغيرهم، حيث يمثل أمر إعادة الإنسان للمعنى ولذاته ولوجوده الذي قضت عليه الحضارة الغربية المعاصرة المعضلة الكبيرة التي لا تجد هذه حلاً.

 

وعلى سبيل المثال يتحدث تورين عن الفاعل الاجتماعي والفعل الإنساني كجوهر للحركة الاجتماعية وللوجود الإنساني، وفريضة الحج التي فرضها الإسلام على المسلمين مرة في العمر تحول الإنسان بعد الحج إلى كائن جديد كيوم ولدته أمه، هذه الولادة الجديدة التي يعيشها الحاج بعد عودته إلى مجتمعه وبلده تجعل منه فاعلاً اجتماعياً لا يقف مما يحدث حوله سلبياً أو أنانياً أو مغروراً أو معينا للظالمين والطغاة، فهو بعد الحج يصبح إنساناً جديداً ذا هوية مختلفة بروح وثابة نحو الفعل الإنساني الذي يعلي قيم الحق والخير والجمال داخل النفس والمجتمع والحضارة.

 

ودارسو حركات الإحياء والنهضة والبعث في العالم الإسلامي يجعلون من عدد الذين يذهبون إلى الحج أحد المؤشرات الهامة على التحول نحو المرجعية الإسلامية، فعملية الحج هي منطقة التماس بين النفس والمجتمع وبين الفرد والأمة وبين الدنيا والدين وبين الغيب والشهادة، ولذا تمتلك تأثيرها العميق الذي يتجاوز لحظة أداء الفريضة إلى ما وراءها في حياة الحاج ومجتمعه كله.

 

ومسرح القيام بفريضة الحج في البيت العتيق (بمعني العتق أي الحرية) كما أسلفنا، والكعبة والصفا والمروة وعرفة ومنى ورمي الجمرات واستحضار حالة الشيطان، إنما تعني الصلة المعاصرة بين المسلم اليوم وبين تاريخه القديم الذي تأسس في هذه الأماكن المباركة، فهنا عملية إحياء لمسار إمام الأمة وأبيها إبراهيم عليه السلام والذي كان أمة وحده، وابنه إسماعيل وأمه هاجر ثم محمد صلى الله عليه وسلم, فالحاج يعيد صلته بتاريخه الحقيقي ونسبته إلي رهط الموحدين الكرام من الأنبياء المسلمين.

 

هنا التاريخ لم ينقطع، فهو موصول وحاضر أبداً في وجدان الحجيج ووعيهم وفي سلوكهم وممارساتهم، ولذا فمحاولة قطع هذه الأمة عن تاريخها وإسلامها هو عمل بائس محكوم عليه بالفشل.

 

"
الحج هو الفريضة التي تجعل من المسلم مقاوماً أو فاعلاً اجتماعياً, وهو الجسر الذي يربط بين العبادات في صورتها الفردية إلى الفرائض في صورتها المجتمعية وهو بلا ريب أكثر الفرائض تماساً مع فريضة الجهاد
"

بل إن وجدان أمة المسلمين وتاريخها الحقيقي هو تاريخ مستمد من دينها، ومن ثم فعمليات النهوض والبعث ومحاولات التغيير لهذه الأمة لا يمكن أن تكون مخاصمة لدينها، أو مفارقة لمرجعيتها المستمدة من الإسلام، وكل المحاولات العلمانية التي تصور منتحلوها أنهم سيحققون المنازلة والمقاومة لوضع قدم هذه الأمة على أرض محترمة بين الأمم لم تفلح.

 

واستحضار حالة الشيطان وهو عدو الإنسان الأول كما كان عدو أبيه آدم، ورجمه بالحصيات في أرض منى يذكر الإنسان المسلم باستحضار حالة المقاومة والمجاهدة على المستوى الفردي مع نفسه وعلى مستوى قضايا الأمة كلها، فهذه الأمة أمة مجاهدة مقاومة لكل الأشكال المعاصرة للشيطان والتي تحل في قوى الظلم والاستكبار التي تحاول أن تفرض قيمها بالقوة على العالم.

 

فالحج هو الفريضة التي تجعل من المسلم مقاوماً أو فاعلاً اجتماعياً بتعبير تورين، وإذا تأملنا الحج من بين أعمدة بناء الإسلام الكبير نلاحظ أنه الجسر الذي يربط بين العبادات في صورتها الفردية إلى الفرائض في صورتها المجتمعية وهو بلا ريب أكثر الفرائض تماساً مع فريضة الجهاد بمعنى القتال في سبيل الله.

 

وصورة الحجيج وهم مجتمعون في مسرح أرض الحج إنما يمثلون صورة الأمة المسلمة، فالحج أجلى صور تجسيد معنى الأمة "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله". فالمسلمون جميعا وقد جاؤوا من كل فج عميق من كل البلدان والأوطان والعشائر والألوان يجمعهم نداء الله "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر".

 

تراهم جميعاً يصدرون عن مناسك واحدة وشعائر متفقة، مسيرتهم وقبلتهم وكعبتهم وطوافهم وسعيهم ورميهم وتلبيتهم  كلها واحدة، صراط مستقيم لا اعوجاج فيه ولا تعثر، واعتصام قوي بحبل الله المتين الذي يؤكد حقيقة ساطعة تشرق على كل جنبات الدنيا وهي أن هذه الأمة أمة واحدة وأن وحدتها في منسكها ومشعرها ووعيها ومرجعيتها "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون". فكما أن الله واحد فهذه الأمة واحدة، ووحدتها مرآة لوحدانية خالقها.

 

 

"
وحدة الأمة وشريعتها وقبلتها وعقيدتها وأصولها ومصادرها هي جزء من إيمان المسلم، لا يهزه ولا يبطله محاولات التجزئة والتفتيت عبر مشاريع العلمنة والتغريب
"

وإذا كانت وحدة هذه الأمة تعرضت للتجزئة على المستوى السياسي بإحياء المشاريع القُطرية والقومية والطائفية والعصبية الجاهلية فإنها باقية على مستوى الشعور والوجدان والإحساس الديني والإيماني والعقدي، فوحدة الأمة وشريعتها وقبلتها وعقيدتها وأصولها ومصادرها هي جزء من إيمان المسلم، لا يهزه ولا يبطله محاولات التجزئة والتفتيت عبر مشاريع العلمنة والتغريب.

 

ويبقى إحياء هذه الوحدة عبر بناء مؤسساستها على جميع الأصعدة هو واجب شرعي يلزم من بيدهم القرار والسلطة كل في مجاله وفي حدود سلطاته.

 

وحدة الأمة على المستوي السياسي أو المؤسسي قد تواجه الخطر لكن على مستوى الإيمان وعلى مستوي العقيدة والتصور والإدراك والشعور والوجدان هي ثابتة باقية لأنها جزء من وجودها وحياتها واستمرارها، والاجتماع الإسلامي والعربي ممثلا في الأمة العربية المسلمة بكل تعبيراتها الحضارية والمجتمعية قرن الله بقاءه بالذكر أي القرآن، ولم يقرنه بمؤسسة أو إمام أو كارزيما أو أي شخص كان "إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون".

 

وكما سبق في علم الله وقدره حفظ الذكر، فإن هذه الأمة محفوظة هي الأخرى به، أي بالقرآن المحفوظ. وكم شهدت الأمة في تجلياتها السياسية تحولات ودولا وحكاما ومدنا وعواصم بل وحتى انهيارا لكنها بقيت حية على مستوى الإيمان والعقيدة لأنها محفوظة بالذكر والقرآن.

 

والحج ومناسكه هو تعبير عن استمرار بقاء هذه الأمة ووحدتها، فكل عام يجتمع المسلمون الحجاج في أكبر مؤتمر عالمي ليؤكدوا أن هذه الأمة لن تموت وهي باقية رغم كيد الماكرين وسطوة المتربصين.

 

وللحج سورة في القرآن هي من أوائل السور التي نزلت بالمدينة، وظل النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين لا يحج، فهو من الفروض التي يجوز تأجيلها. حتى إذا كان العام العاشر الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الناس بالحج، وعلم الناس مناسكه وشعائره، وهي المناسك والمشاعر التي يفعلها الناس اليوم تأسياً بإمامهم النبي محمد وأبيهم إبراهيم عليهما الصلام والسلام. 

 

وبالحج أتم الله الدين وأكمل النعمة "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً". وفي حجته الوحيدة والأخيرة وضع النبي وهو يخطب الناس بعرفة قانون الأمة ووحدتها، فكان مما قاله النبي الأكرم "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". فحرم النبي صلى الله عليه وسلم قتال وقتل المسلمين لبعضهم، وأكد على حرمة الدم المسلم.

 

"
في الحج يتجلى معنى المساواة بين أبناء أمة الإسلام فهم جميعا يرتدون نفس الزي الأبيض الذي يحرر الإنسان من طبقته الاجتماعية ومن غناه ومن وجاهته واهتمامه بملبسه وزيه
"

كما حرم ظلم المسلمين لبعضهم باغتصاب الأموال، وأكد على حرمة مال المسلم، وأوصي النبي في خطبته بالنساء خيراً فقال "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" فأي دين أنصف النساء مثل الإسلام الذي جعل النبي يوصي في خطبته بآخر حجة له بهن، ويعتبر ظلمهن من أمر الجاهلية. ثم أرشد الأمة إلى أن مرجعها هو كتاب الله فقال "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبداً إن اعتصمتم به كتاب الله" فمخرج الأمة وهدايتها ونصرها وتمكينها وعزها الاعتصام بكتاب الله.


وفي الحج يتجلى معنى المساواة بين أبناء أمة الإسلام، فهم جميعا يرتدون نفس الزي الأبيض الذي يحرر الإنسان من طبقته الاجتماعية ومن غناه ومن وجاهته واهتمامه بملبسه وزيه، فالملابس كما هو معلوم هي عنوان الثقل والقوة الاجتماعية لمن يرتديها، لكن في موسم الحج كل الناس يرتدون نفس الملبس -الكفن- تجردوا من أي تمييز أو علو كان يميزهم بين أقوامهم، فلا يوجد سادة وعبيد أو حكام ومحكومون، بل الجميع سواسية كأسنان المشط لا فرق بين عربي ولا عجمي أو بين أحمر أو أسود أو أبيض إلا بالتقوى، فالناس جميعا من أصل واحد "كلكم لآدم وآدم من تراب" وهو أعظم تعبير عن المساواة بين أبناء الأمة المسلمة.

 

الحج ليس رحلة للزيارة ولكنه تعبير عن معاناة ومعايشة لمعان جديدة لا يمكن للمسلم أن يستشعرها إلا بالحج، وفي تحليل عرفاني لمعاني الوقوف بعرفة ثم المشعر الحرام ثم منى التي تمثل معراج الحاج إلى حيث أعلى المراقي في السماوات.

 

يقول المفكر الإيراني علي شريعتي إن عرفة يعني المعرفة، والمشعر الحرام يعني الوعي والشعور، ومنى تعني الحب والإيمان، والمعرفة والشعور والوعي والحب والإيمان هو الذي يحتاجه المسلم اليوم وتحتاجه الأمة المسلمة، ورحلة الحج هي استجابة لهذه الحاجة وتعبير عنها، وسلوك المسلم والأمة المسلمة يجب أن يكون استلهاما حقيقيا وحيا للمعرفة والوعي والحب.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

 

المصدر : غير معروف