عادل لطيفي

 

- إشكالية المفاهيم

- إشكالية المنهج

- تحلل الدين في سياق حداثة اليوم 

 

كان بالإمكان عنونة هذه المساهمة على الطريقة التي اعتدنا عليها كلما طرحت مسألة البحث في واقع الإسلام الحالي وفي موقعه في الحياة العامة وفي محيطه العالمي، من مثل "الإسلام والحداثة" أو "الإسلام في مواجهة الحداثة".

 

لكن مثل هذه العناوين تحيل على فهم معين لعلاقة ما بين ثنائية مركبة من نقيضين هما الإسلام من جهة ثم الحداثة من جهة ثانية.

 

المشكل الأول هنا أن مثل هذه العناوين توحي بأننا نمتلك معرفة كافية عن طبيعة هذين المعطيين وما يبقى هو فك رموز العلاقة الغامضة بينهما فقط.

 

والحقيقة أن هذا الخلط ناتج عن كون العلوم الاجتماعية هي ضحية الاعتقاد بأنه بإمكاننا إدراك الأشياء من وجهة نظر معرفية بمجرد تسميتها، فالإسلام معروف لأنه يوجد شيء ما اسمه الإسلام وكذلك الحداثة.

 

المشكل الثاني في مثل هذه العنونة أنها تحصر العلاقة بالضرورة في بوتقة التعارض والتصادم، وفي سياق علاقة الأنا بالآخر، في حين تغض الطرف عن بعد آخر قد يكون حاسما بالنسبة لغد الإسلام والمسلمين، إنه بعد التفاعل والتأثير والتأثر بينهما.

 

هذا يعني أن واقع المواجهة المفترضة التي توحي بها أغلب الكتابات تبدو في جانب كبير منها مجرد عملية بناء تخميني لبعض الدارسين والكتاب أكثر من كونها تحيلا لواقع فعلي.

 

وللوصول إلى تكوين معرفة عقلانية حول هذه العلاقة الحركية وفهم أبرز التغيرات، نجد أنفسنا مجبرين على إخراج الإسلام، كموضوع يمكن التفكير فيه، من سطوة الرؤية الوجدانية والإحيائية إلى فضاء المعرفة الصارمة، فبإمكان المقاربة السوسيولوجية أن تقدم للمسلم الوسائل المعرفية الكافية ليتصالح مع ذاته قبل أن يتصالح مع الآخرين. 

 

"
القول بغربية الحداثة فيه الكثير من التعدي على الدور التاريخي لتجارب شعوب وثقافات أخرى أسهمت ولو من بعيد في بلورة هذه الحداثة
"
إشكالية المفاهيم

إن دراسة التغيرات الدينية عموما تعد مغامرة بالغة الصعوبة، لكن الأمر يزداد حساسية في حالة دراسة تغيرات الإسلام بسبب طبيعة حضوره في الصراع السياسي داخل الفضاء الإسلامي، ثم بسبب موقعه من الوضع الجيوإستراتيجي العالمي.

 

فقد فرض الإسلام نفسه، بطريقة أو بأخرى، كجزء من المشهد العالمي، ما أدى إلى تضخم الدراسات التي اتخذت منه موضوعها الأساسي.

 

ولئن أسهمت أغلب هذه الكتابات في إثراء رصيد المكتبات وفي حث القراء على مزيد من المطالعة فإنها أسهمت في الوقت نفسه في تشويش الرؤية حوله بدلا من توضيحها.

 

لقد تأكد الحضور الإشكالي للإسلام، كموضوع لعديد من الدراسات، ليس بسبب التطور الداخلي للمعرفة حوله، أي لضرورات إبستيمولوجية، بل بسبب الأحداث السياسية التي رمت به في واجهة الإعلام.

 

نتج عن هذا الوضع أن انفرد الإعلاميون والسياسيون وعلماء السياسة بهذا الموضوع على حساب نماذج أخرى من المعارف القادرة على تقديم إضافات حاسمة، مثل علم اجتماع الأديان وعلم تاريخ الأديان المقارن والأنثروبولوجيا والتاريخ، التي ما زالت تبحث لها عن موطن في البلاد العربية والإسلامية.

 

وفي هذه النقطة خاصة يشترك الإعلام العربي والإعلام الغربي في كيفية تناول موضوع الإسلام، حيث جرت العادة هنا وهناك على استدعاء علماء الدين والدعاة أو بعض الصحفيين، دون التمييز بين الحديث عن الإسلام والحديث باسمه.

 

 لماذا هذا الوضع؟ لأنه في كلتا الحالتين يقدم الإسلام على أنه منظومة إيمانية كلية لا تترك أي مجال للنسبية، مع تناسي الأبعاد التاريخية والاجتماعية والثقافية.

 

في السياق نفسه تقدم الحداثة في كلتا الحالتين على أنها حداثة وحيدة ووليدة الغرب، وعلاقتها بالإسلام تبقى رهينة احتمالين، إما أسلمة الحداثة وإما تحديث الإسلام، وهو ما يعد نوعا من التحجيم لواقع أكثر تعقيدا وخصوبة.

 

إن الرؤية التاريخية الرصينة تبين أن جذور الحداثة التي نعيشها اليوم تتجاوز هذا الغرب الجغرافي وحتى الثقافي، لأنها جاءت في سياق تفاعل تاريخي انبثق في عصور الأنوار بعد أن تراكمت المعرفة العلمية لدى الإغريق، الذين كانوا شرقيين آنذاك وأخذوا عن الشرقيين الآخرين، والرومان ثم العرب المسلمين.

 

لذلك أعتقد أن القول بغربية الحداثة فيه الكثير من التعدي على الدور التاريخي لتجارب شعوب وثقافات أخرى أسهمت ولو من بعيد في بلورة هذه الحداثة.

 

كل هذه التجارب التاريخية المذكورة تشكل حداثات أخرى تبلورت وفعلت في ظرفيات تاريخية مغايرة، فمن وجهة نظر التاريخ لا توجد حداثة واحدة بل حداثات، والحداثة الغربية اليوم هي إفراز لتراكم هذه الحداثات السابقة.

 

يوصلنا هذا إلى الفكرة المعروفة وهي أن لكل عصر منطقه، والأصل العميق لهذه الفكرة هو أن لكل عصر حداثته، أي ذلك الإطار الكلي الذي يعيش فيه الإنسان ويفعل فيه ككائن اجتماعي.

 

هنا نقطة الالتقاء وفي الوقت نفسه موطن الخلاف بين الحداثة والدين، أي ذلك الطابع الكلّي لكليهما الذي يجبر هذا أو ذاك على تغيير موقعه وتغيير الحدود الفاصلة بينه وبين الجانب الآخر.

 

"
دراسة التغيرات الدينية معضلة لغياب المؤشرات.. والظاهرة الدينية وفي هذه الحالة الإسلام هي ظاهرة غير حسابية أي غير قابلة للقياس
"
إشكالية المنهج

تطرح دراسة التغيرات الدينية على علم الاجتماع تحديات جمة، ليس أقلها شرعية تطبيق نظم معرفية وضعية على ظاهرة تقدم نفسها على أنها متعالية عن التجربة البشرية، أي متعالية عن أطر الزمان والمكان.

 

ويزداد الأمر تعقيدا في حالة المجتمعات العربية والإسلامية حيث إنه من الصعب انتشال الإسلام من حيز الوجدان والرباط العاطفي نحو فضاء التجربة المعرفية العقلانية، وهذه النقطة بالذات تفسر حساسية العرب والمسلمين تجاه العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة التي تفرض فصلا صارما بين الإسلام كتجربة وجدانية فردية أو جماعية والإسلام كتجربة تاريخية ثم الإسلام كمنظومة اجتماعية.

 

المشكل الثاني يتمثل في ضبط مؤشرات التغيرات الدينية، فلو أخذنا مثال البلدان الإسلامية وأردنا دراسة التغيرات الاجتماعية لأمكننا ذلك عن طريق تتبع مختلف أشكال الرفض الاجتماعي والإضرابات، أو تتبع تغير أنماط المعيشة.

 

ولو أردنا دراسة التحولات السياسية لأمكننا ذلك أيضا بسبب وجود مؤشرات عليها مثل الانقلابات العسكرية والثورات والانتخابات وغيرها.

 

أما في حالة دراسة التغيرات الدينية فإننا نجد أنفسنا أمام معضلة غياب مثل هذه المؤشرات، وقبل ذلك هل تتغير الأديان أم لا.

 

فالمشكل الأساسي إذن هو أن الظاهرة الدينية، وفي هذه الحالة الإسلام، هي ظاهرة غير حسابية أي غير قابلة للقياس، وحتى الثورات التي تقدم على أنها إسلامية أو الانتخابات التي تمكن الإسلاميين من البروز، لا تعد مؤشرا على التغير الديني، أي ما يسمى بالصحوة الإسلامية أو بعودة الإسلام، بقدر ما تؤشر إلى تغير الوضع الاجتماعي والسياسي وبالتالي تغير موقع الاعتقاد الديني ووظائفه في هذه الأوضاع.

 

غير أن مثل هذا القول لا يعني أن الأديان لا تتغير، ففي حالة الإسلام نرى أن الكثير من أنماط الاعتقاد التي سادت خلال الفترة الكلاسيكية، أو التأسيسية، لم تعد هي نفسها اليوم.

 

إن مثل هذه الملاحظات المنهجية ضرورية لفهم حساسية دراسة الأنماط التي يخضع لها الإسلام اليوم في سياق وجوده في الفضاء الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والتقني لحداثة اليوم.

 

فلا بد من التنبيه إلى أن هذه المغامرة المعرفية تعني الفصل بين مختلف الأبعاد المشكلة للإسلام، بما فيها البعد الإيماني والبعد الرمزي والبعد القيمي الوظيفي.

 

"
ضعف مؤسسة الدولة باعتبارها إنتاجا للحداثة أو انهيارها تماما مثل حالة الصومال والعراق يؤدي إلى استعادة أنماط الهوية التقليدية كالدين والعرق والعشيرة
"
تحلل الدين في سياق حداثة اليوم

سبق أن وقعت الإشارة إلى أن حداثة اليوم، باعتبارها واقعا تاريخيا كليا، هي الإطار الكلّي لفعل الإنسان ولحركية الحياة البشرية في مختلف أوجهها بما في ذلك الحياة الدينية.

 

والإسلام بدوره شهد العديد من التغيرات في سياق وجوده في فضاء الحداثة، وهي تغيرات مفروضة بسبب نزوع إنسان اليوم إلى عقلنة نمط حياته.

 

ما هذه التغيرات؟ 

1- على مستوى الاختلاف الوظيفي نلاحظ أن العديد من الأنشطة الاجتماعية والثقافية انتقلت من المؤسسات الدينية التي كانت تشرف عليها إلى مؤسسات غير دينية تماما أو إلى الدولة.

 

أبرز مثال على ذلك في البلدان العربية والإسلامية هو التعليم، حيث إن تعميمه على مختلف السكان أدى إلى ضرورة قيام "المجموعة الوطنية" بتنظيم هذه الخدمة والإشراف عليها لأن حجمها يتجاوز طبيعة المؤسسات الدينية التقليدية.

 

وربما أمكنني القول هنا إن إشراف العديد من المؤسسات الدينية على التعليم، مثل حالة الأزهر في مصر، تعد متعارضة مع طبيعة حاجيات السكان المتغيرة التي تخضع لمنطق العصر، أي للحداثة، أكثر من خضوعها لاعتبارات دينية.

 

2- على مستوى عولمة الروابط البشرية، يلاحظ أن الحداثة تقطع الروابط الدينية (communautarisme) التي تؤسس على مبدأ الاعتقاد المشترك في الإسلام، لتؤسس هوية جديدة للمجموعات تعتمد على مبدأ الأرض أو الدولة، أي تلك الهويات الوطنية الخاصة بكل دولة.

 

وفي ظل هذه الأطر الجديدة يعد الإنسان مواطنا بدرجة أولى ثم مؤمنا في درجة ثانية، هذا إن سمح له بغير ذلك.

 

في هذا الإطار يمكننا أن نفهم كيف أن ضعف مؤسسة الدولة باعتبارها إنتاجا للحداثة، كما حصل في الجزائر خلال بداية التسعينيات والسودان، أو انهيارها تماما مثل حالة الصومال والعراق، يؤدي إلى استعادة أنماط الهوية التقليدية، كالدين والعرق والعشيرة.

 

هذه حال الصومال مع العشائر وحال عراق اليوم مع الشيعة والسنة ومع المكونات العرقية الأخرى.

 

3- على مستوى العقلنة، نلاحظ أن حداثة اليوم وسعت من دائرة فعلها بسبب عقلنة حاجات الإنسان ونمط عيشه، فالتنظيم الإداري مثلا أصبح ضرورة لا بد منها في كل البلدان لضمان التصريف العقلاني للخدمات، والمشكل هنا أن هذا المنحى العام نحو شمولية التنظيم الإداري يتعارض في طبيعته مع الصبغة الشمولية للإسلام كغيره من الأديان.

 

ولتوضيح المسألة أكثر نحيل القارئ إلى الجدل في أحد البلدان العربية حول إصدار هويات للنساء أو تصويرهن أو إلى ضرورة الكشف عن وجه المرأة أمام رجال الشرطة أو في الإدارات للتثبت من هويات الأشخاص ومنع التلاعب الإداري.

 

نقول هنا إن هذه النزعة نحو عقلنة أنماط العيش والتنظيم في البلاد العربية والإسلامية، كغيرها من بلدان العالم، من شأنها بالضرورة أن تحد من فضاء فعل الإسلام.

 

وهنا نفهم الوضعية الحساسة لمؤسسة الدولة في الفضاء الإسلامي، حيث إن هذا الجهاز الإداري الرئيسي يجد نفسه ممزقا بين ضرورة ضمان فاعلية التسيير والمراقبة، وهي الضامنة لاستمرارية الدولة والحكم ومن يشرف عليه، والتمسك بما يرى أنه من صلب الدين لأنه يضمن الشرعية الإلهية للحكم، هذا حال السعودية مثلا.

 

نفس هذه الملاحظة نسوقها في سياق علاقة السياسة بالإسلام، فالسياسة تخضع أكثر لاعتبارات بشرية وضعية بما فيها النسبية، في حين يؤسس الإسلام شرعيته، كالأديان الأخرى، على مفهوم الحقيقة المطلقة، والجمع بين الاثنين يؤدي إما إلى تقديس السياسة، أي فرض حكم مطلق، أو تسييس الدين وإفراغه من محتواه الوجداني، كما تفعل الحركات الإسلامية.

 

إن هذا المنحى نحو عقلنة الإسلام لا يأتي فقط من السياق العام لتنظيم المجتمع والمؤسسات، بل كذلك من خلال إخضاعه المنهجي للتفكير النقدي، إذ أصبح بالإمكان اليوم، ولو بشكل محتشم، التعامل مع الإسلام كموضوع لإنتاج معرفة علمية حوله، على خلاف ما كان عليه الوضع خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 

"
الحداثة في الأديان بما فيها الإسلام تتجه نحو إضعاف الحدود الفاصلة بين المجموعات الدينية وبالتالي نحو فرض نوع من الاعتراف بوجود ديانات لا دين فقط
"
في الوقت نفسه نشهد منذ فترة نوعا من العقلنة الداخلية للإسلام في شكل محاولات تفسير جديدة تحاول إعطاء نوع من الحيوية للفكر الإسلامي.

 

يبرز هذا من خلال طرح إشكاليات جديدة مثل العلاقة مع معتنقي الديانات الأخرى أو حتى حول خصوصيات الحياة الجنسية للمتزوجين (رغم أنه لا يعد موضوعا جديدا بأتم معنى الكلمة) أو كذلك من خلال بعض الانفتاح على العلوم الأخرى. لكن هذا المجهود يبقى محدودا لأنه لا يطرح المسائل الجوهرية للبحث بل إنه يعطي المسلم شعورا بالطمأنينة والرضا عن النفس لا أكثر.

 

4- على مستوى فرض التعددية، نلاحظ أن فعل الحداثة في الأديان بما فيها الإسلام تتجه نحو إضعاف الحدود الفاصلة بين المجموعات الدينية، كما رأينا، وبالتالي نحو فرض نوع من الاعتراف بوجود ديانات وليس دين فقط.

 

وهذا يعني ضمنيا تخلي الأديان عن الانفراد بالحقيقة المطلقة، فيصبح الإسلام إذن حقيقة أخرى من بين الحقائق المتوفرة، إنه جانب متقدم من عقلنة العقل الديني.

 

إن الهدف الأساسي من الكتابة السيوسيولوجية عن الإسلام هو طرح الإشكاليات الجوهرية التي تواجه مسلمي اليوم، إذ من الضروري تفكيك معرفتنا عن الإسلام وعن الحداثة لإنتاج نمط جديد من الفهم القادر على تقديم وسائل فعالة للمسلمين، تتجاوز التضخم الإحيائي الذي يعيشونه.

_______________

كاتب تونسي

المصدر : غير معروف