التاريخ يعيد نفسه!. فمثلما أبى عام 2003 أن ينتهي بسلام حين زلزلت في 26 ديسمبر منه مدينة بم الإيرانية مخلفة ما يقرب من 30 ألف قتيل و100 ألف مشرد، أبى كذلك عام 2004 أن يختم أحداثه بأمان، فتزلزل المحيط في ذات التاريخ، لكن بإيقاع أشد وبتداعيات أسرع وأقسى، تزلزل قاع المحيط قبالة جزيرة سومطرة، ليتولد منه طوفان كبير أتى في لحظات على مدن وقرى كاملة، مخلفاً بذلك مأساة إنسانية رهيبة وكارثة مروعة يصعب أن تُمحى من الذاكرة ويندر أن يشهد مثلها التاريخ.

 

"
بالنظر إلى حجم الخسائر الناتجة في الأموال والمنشآت والأرواح، يبقى تسونامي سومطرة هو الأكثر فتكاً عبر التاريخ
"
كانت الصورة بحق مَهيبة، موجات مد زلزالي أو تسونامي متتابعة طغت فجأة على مناطق شاسعة مأهولة بكل أشكال الحياة لتغمرها في لحظات محيلة إياها إلى بحر هادر، ليس قوامه الماء أو الكائنات البحرية كما هو معتاد، بل أشلاء ضحايا وحطام بيوت وأطلال مدن وقرى بائدة.

 

أما أكثر المشاهد مأساوية فكان مشهد انتزاع موجات المد للرضع والأطفال من صدور الأمهات وأحضان الآباء، كان مشهد سلب الأمواج لكل ما هو نفيس ورخيص أمام أعين الأشهاد.

 

وعلى هذا النحو عم الدمار وحل الخراب بجنوب آسيا، كما تحولت المأساة إلى كارثة عالمية، نتيجة امتداد آثار الطوفان لسواحل أكثر من 12 دولة غير إندونيسيا، ونتيجة أيضاً لهلاك حوالي 4500 سائح أجنبي قدموا للمنطقة من 14 دولة غير آسيوية، ليلقوا حتفهم إثر ذلك الطوفان الرهيب.

 

تسونامي.. ثورة المحيط

"تسونامي" كلمة يابانية معناها الحرفي المجرد "موجة الميناء"، وإن كان يقصد بها ضمناً "موجات البحر الزلزالية"، هذا رغم أنها قد تنتج من عوامل أخرى غير الزلازل، مثل ثورات البراكين والانهيارات الصخرية وتساقط المذنبات والأجسام الكونية الضخمة في البحر أو المحيط.

 

والفرق بين أمواج البحر العادية وأمواج تسونامي هو أن الأولى تُستمد من تأثير حركة الرياح، في حين تُستمد الثانية من طاقة النبضات السيزمية المنطلقة عن الزلزال.

 

وبينما لا يتجاوز ارتفاع الأمواج التقليدية أمتاراً معدودة، قد يصل ارتفاع موجة تسونامي إلى أكثر من ثلاثين متراً. والأمر كذلك من حيث الفرق في السرعة وطول الموجة، وعلى هذا فهي من القوة بحيث تستطيع إحداث دمار شامل فى أعتى وأقوى المنشآت الساحلية. 

 

وخطورة موجات تسونامي تنبع من ضخامتها وقوتها، حيث تبدو كموجة عادية عندما تقترب من الشاطئ، لكنها تطغى فجأة على كل ما هو موجود على الساحل محيلة إياه في لحظات إلى مجرد ركام وأطلال.

 

ومما يزيد من خطورتها قدرتها على إحداث الضرر حتى على بعد آلاف الأميال من مركز انطلاقها، وهو ما شهدناه بالفعل في زلزال سومطرة الحالي.

 

ويعد الزلزال الأخير واحداً من أكبر الزلازل البحرية خلال أكثر من مائة عام. وبالنظر إلى حجم الخسائر الناتجة في الأموال والمنشآت والأرواح، يبقى تسونامي سومطرة هو الأكثر فتكاً عبر التاريخ.

 

وتعود أسباب هذا الزلزال إلى حدوث تصادم بين أجزاء القشرة الأرضية تحت المحيط في موقع بالقرب من جزيرة سومطرة، الأمر الذي أدى إلى انطلاق طاقة هائلة نتج عنها موجات مد زلزالي مدمرة، وصل ارتفاعها إلى أكثر من عشرة أمتار، لتنطلق من مركز الزلزال في جميع الاتجاهات بسرعة بلغت 500 كلم في الساعة لتضرب كل ما يقابلها من سواحل.

 

وهنا تجدر الإشارة إلى أن قشرة الأرض الخارجية مقسمة إلى عدة ألواح صخرية، يطلق عليها عادة "صفائح تكتونية" وهي تتحرك ببطء في اتجاهات مختلفة بالنسبة لبعضها بعضا، ما يعني إمكانية حدوث تصادم بين لوحين منها، لتنتج عن ذلك زلازل أرضية أو بحرية تختلف في القوة بحسب شدة ونمط التصادم أو الانزلاق الحادث.

 

غير أن الزلازل يمكن أن تحدث أيضا نتيجة حدوث صدع أو شرخ فجائي في مكان ما بقشرة الأرض، الأمر الذي ينتج عنه انزلاق وسقوط كتلة صخرية تحت أخرى محررة بذلك طاقة كامنة تسبب ارتجاجاً زلزالياً، عادة ما تتبعها حركات ارتدادية أقل شدة حتى يتم استقرار الكتلتين المنزلقتين.

 

وفي حالة زلزال سومطرة، فإنه تم تسجيل عدد كبير من الهزات الارتدادية، بلغ قوة إحداها 3.7 درجات على مقياس ريختر، ولعل هذا هو ما أثار مخاوف متزايدة من حدوث هزة قوية جديدة في المنطقة تقود إلى تسونامي ثانية مدمرة.

 

"
اختفت مئات القرى والمدن في كل من إندونيسيا والهند وسريلانكا بما فيها من سكان ودواب. وبعد أقل من خمسة أيام على بداية المأساة بلغ عدد الضحايا أكثر من 125 ألف قتيل
"
زلزال سومطرة.. الآثار والتداعيات

تعجز في الحقيقة كل الكلمات والتشبيهات عن وصف حجم المأساة أو حصر تداعياتها، فقد كانت موجات المد الناتجة من زلزال سومطرة تتسابق على ما يبدو مع نفسها لابتلاع كل ما خف وزنه وما ثقل.

 

كما كانت عقارب الساعة تتصارع أيضاً مع بعضها لتحصد كل ثانية فيها آلاف الضحايا، في حين كانت دموع أهالي الضحايا والمتأثرين بالكارثة تتساقط متتابعة لتكون طوفاناً آخر، وإن خلا هذه المرة من أي دمار سوى دمار النفوس والذكريات.

 

ربما تستطيع لغة الأرقام أن تبين هول وفداحة الكارثة، فقد اختفت مئات القرى والمدن في كل من إندونيسيا والهند وسريلانكا بما فيها من سكان ودواب. وبعد أقل من خمسة أيام على بداية المأساة بلغ عدد الضحايا أكثر من 125 ألف قتيل.

 

غير أن عدد المشردين كان بالملايين، وكانت إندونيسيا بخاصة في إقليم آتشه أكثر الدول تضرراً، تلتها سريلانكا ثم الهند ثم تايلند.

 

أما الخسائر الاقتصادية فلا تقف عند حد ككلفة إعادة بناء المدن والقرى البائدة أو إصلاح المرافق المتضررة أو تعويضات الناجين، بل يمتد الأمر إلى جوانب أخرى ليس أقلها تباطؤ النمو الاقتصادي في الدول المنكوبة وتقلص بعض الأنشطة الاقتصادية مثل السياحة والصيد بسبب الأضرار الناتجة، هذا فضلاً عن فقد آلاف الوظائف التي كانت تكفي لإعالة وتوفير مورد رزق لعشرات الألوف من أبناء المنطقة.

 

بيد أن الأمر لا ينطوي على خسائر بشرية واقتصادية فقط، ففي الخلفية تداعيات أخرى صحية وبيئية بل وجغرافية لم تكن أبداً منظورة أو متوقعة.

 

فمن الناحية الصحية تنتظر المناطق المنكوبة طوفانا آخر لكنه هذه المرة من الأوبئة والأمراض نتيجة تعفن الجثث وتلوث مياه الشرب وانخفاض مستوى النظافة ونقص وسائل التدفئة.

 

أما عن الآثار البيئية فهي تشمل تهدم قطاعات عريضة من الشعاب المرجانية الضحلة وأشجار المانغروف التي تمثل للشواطئ حائط صد أول ضد الأمواج العاتية، هذا فضلاً عن هلاك أعداد كبيرة من الكائنات الحية البحرية والبرية.

 

وفي هذا الصدد ربما لخص مشهد نفوق عشرات الحيتان والدلافين -التي لا تعرف في حياتها سوى البحر وحرفتها مصارعة الأمواج- نفوقها على شواطئ القارة الأسترالية، أي على بعد آلاف الأميال من مركز الزلزال، ربما لخص مقدار الخسارة التي ألمت أيضاً بالحياة الفطرية في المنطقة. هذا عن الحيتان أضخم الكائنات، فما حال باقي الكائنات إذن!.

 

من جهة أخرى تمثل الألغام الأرضية التى زرعت إبان الحرب الأهلية في سريلانكا خطراً إضافياً قد يودي بمزيد من الضحايا سواء من أهالي المنطقة أو من فرق الإغاثة، حيث نَزعت الأمواج هذه الألغام وكذلك العلامات الإرشادية والتحذيرية المحيطة بها من أماكنها، لتزرعها في أماكن جديدة غير معلومة.

 

ولم تسلم خارطة المنطقة ولا جغرافيتها أيضاً من التغيير!. فبحسب تأكيدات علماء أميركيين، فإن الزلزال سيؤدي إلى تحرك عدد من الجزر الصغيرة في المحيط الهندي بعيداً عن مكانها الحالي.

 

ويبدو أن هذه التقديرات صحيحة تماماً، فالتقارير تشير إلى تحرك جزيرة سومطرة بالفعل عن موضعها المعهود باتجاه الجنوب الغربي بمقدار 26 متراً، كما تزحزحت الجزر الأخرى المجاورة في نفس الاتجاه، وإن لم يكن بنفس القدر.

 

من جهة أخرى قلص زلزال سومطرة من سرعة دوران الأرض حول نفسها وإن كان بنسبة ضئيلة جداً، ليقل بذلك طول اليوم بمقدار جزء من الثانية، في حين تأثر محور الأرض لتتغير زاوية ميله بمقدار 2.5 سم مقارنة بوضعيته السابقة.

 

فداحة الكارثة وتضافر العوامل المساعدة

لا جدال في أن موجات المد الزلزالي هي ظاهرة طبيعية مدمرة، لا يمكن الوقوف أمامها أو التحكم فيها شأنها شأن باقي الظواهر الطبيعية الخارقة مثل الأعاصير والبراكين وغيرها.

 

"
كان هناك متسع من الوقت لتحذير الناس من قدوم المد العاتي، ولا شك في أن هذا كان كفيلاً بخفض أعداد الضحايا وتقليل نسبة الخسائر إلى حد كبير
"
كما يجدر القول بأنه رغم التقدم العلمي وظهور تقنيات حديثة ومخترعات من كل شكل ولون، فإن العلم قد فشل حتى الآن في إمكانية التنبأ بحدوث مثل هذه الكوارث.

 

وكل ما تم في هذا الشأن لا يتعدى كونه اجتهادات لا يمكن الاعتماد عليها، لكن هذا لا يعني في نفس الوقت أن نركن أو نتوكل، فلا جدال في أنه بشيء من الاستعداد وبعمل خطط طوارئ وإنشاء شبكة إنذار مبكر، يمكن تقليل حجم الخسائر الناتجة ويمكن تجنب تداعيات قد يكون من الصعب علينا التعامل معها لاحقاً.

 

وفي حالة زلزال سومطرة، فإن فداحة الخسائر الناتجة يمكن أن يعود إلى عدة أسباب، أهمها قوة الزلزال البحري وبالتالي عنفوان الطوفان الحادث، إضافة إلى عدم وجود نظام إنذار مبكر يساعد في إجلاء السكان.

 

فبحسب التقارير الواردة كان هناك متسع من الوقت لتحذير الناس من قدوم المد العاتي، ولا شك في أن هذا كان كفيلاً بخفض أعداد الضحايا وتقليل نسبة الخسائر إلى حد كبير.

 

من أسباب فداحة الخسارة أيضاً توقيت الحادث، إذ ضرب الطوفان السواحل فجراً والناس نيام، هذا فضلاً عن قرب المنشآت والمنازل من الشواطئ، وتَكون معظمها من أدوار منخفضة مصنوعة من مواد خشبية أو دعامات خفيفة لا تقوى على مقاومة موجات المد الزلزالي المتلاحقة.

 

من الأسباب التي لا تنكر أيضاً استقطاع أجزاء عريضة من الشعاب المرجانية واقتلاع نباتات المانغروف من قبل سكان المنطقة والمستثمرين فيها بغرض إقامة منازل أو مشاريع سياحية أو مزارع روبيان وهي أنشطة منتشرة في المنطقة المنكوبة.

 

ولقد كانت هذه الموائل الطبيعية كفيلة بتقليل حجم الخسائر، إذ تعمل كصدادات طبيعية أمام الأمواج والعواصف المدمرة.

 

يضاف إلى كل هذا انبساط الساحل في معظم المناطق المنكوبة وعدم وجود تضاريس عالية أو حواجز بحرية يمكن أن تقلل من عنفوان أو شدة الموجات القادمة.

 

ثورة طبيعية أم غضبة إلهية أم حكمة؟

من واقع حجم الخسائر وبلاغة التداعيات يمكن تصنيف تسونامي سومطرة بأنه واحد من أقسى الكوارث الطبيعية التي ألمت بالبشرية.

 

"
مفهوم العولمة يجب ألا يقتصر تطبيقه على الاقتصاد والتجارة العالمية فقط، بل أيضاً على مواجهة شطحات قوى الطبيعة لأن الكوارث ليس لها حدود ولا تعترف بجنس أو لون
"
أما الأكثر قسوة فهو احتمال تعرض المنطقة لمزيد من تلك الموجات. وعلى هذا النحو يختلط الهلع والفزع وغموض المستقبل بمشاعر الحزن والأسى والنحيب على كل ما هو مفقود، تماماً كأننا في يوم قيامة صغير!

 

وربما تكمن هنا الحكمة الإلهية، فقد رق مثلاً قلب السيد بوش أخيراً لحال بعض المعذبين في الأرض، ما دعاه إلى إنشاء ائتلاف دولي من أجل التخفيف من آثار الكارثة، وإلى إقامة نظام إنذار مبكر يعصم شعوب العالم من شرور موجات المد الزلزالي.

 

إن آثار كارثة زلزال سومطرة وتداعياته لم تتضح بالكامل بعد، وهو مثال لما يمكن أن يلم بأي أرض جراء أي ثورة أو غضبة أخرى مفاجئة.

 

لذا فإنه يجب أن نخرج من تلك الكارثة ببعض العبر والدروس، فيجب مثلاً أن تتوحد جهود العالم من أجل بناء البشرية وليس من أجل تفتيتها، يجب أن ننأى عن الحروب والنزاعات لأن بؤساء العالم ليسوا بحاجة الآن لمزيد من الشقاء.

 

إن مبادرة السيد بوش وتبرعات دول العالم ومساعدتهم فنيا ولوجستياً للمناطق المنكوبة وتكاتفهم في هذه المحنة، هو مثال لما يجب أن يكون عليه العالم دائماً وأبداًً.

 

مفهوم "العولمة" يجب ألا يقتصر تطبيقه على الاقتصاد والتجارة العالمية فقط، بل أيضاً على مواجهة  شطحات قوى الطبيعة، فالكوارث ليس لها حدود ولا تعترف بجنس أو لون.

 

تلك هي قوانين الطبيعة، وهي ليست في الحقيقة إلا صورة مصغرة من قانون الخالق الأعظم، فيها جبروت وسطوة مثل ما فيها عدل وحكمة. وفي هذا عبرة لمن يعتبر.


________________
كاتب مصري

المصدر : غير معروف