مؤمن بسيسو

 

- نتائج محسومة

- برامج المرشحين.. رؤية وتقويم

- تجاوزات دعائية

- حظوظ المرشحين

 

مع اقتراب ساعة الحسم لانتخابات الرئاسة الفلسطينية في التاسع من الشهر الجاري، تبدو النتائج وحظوظ المرشحين محسومة سلفاً، ولا تحتمل كثيراً من المفاجآت التي يمكن أن تقلب التوقعات وتبدل موازين الرأي العام.

 

إلا أن استعار التنافس على استقطاب أصوات الناخبين بين بعض المرشحين يختزل في ثناياه أجندة هامة ومآرب خاصة، تتجاوز كرسي الرئاسة إلى فضاء مستقبلي غير بعيد، قد يحمل تغيرات شتى تتسق مع تفاصيل المشهد الفلسطيني المائج بالاضطراب والتقلبات.

 

"
أكثر ما يميز البرامج الانتخابية لهؤلاء المرشحين اقترابها في كثير من بنودها وجزئياتها من لغة الشعارات وافتقارها إلى الآليات العملية والواقعية اللازمة للتطبيق
"

نتائج محسومة
عملياً، تشير مختلف المؤشرات والتقديرات إلى فوز مؤكد ومضمون لمرشح حركة فتح محمود عباس (أبو مازن) ولن يغير من هذه الحقيقة سوى أحداث قدرية جسيمة، أو تطورات سياسية دراماتيكية، كدخول حركة حماس على خط تأييد أحد المرشحين مثلاً، وهي توقعات تقترب من حكم المستحيل.

 

فيما تؤشر الوقائع إلى منافس عملي وحيد لأبو مازن هو الدكتور مصطفى البرغوثي، لكنه لا يشكل بحال تهديداً جدياً يؤثر على فرص الفوز من عدمه، بقدر ما يشكل حالة جذب واستقطاب للعديد من الأصوات الانتخابية التي يرغب أبو مازن في استمالتها وتسمين سجلاته بها، ضماناً لاكتساب أقصى قدر ممكن من الشرعية الانتخابية.

 

برامج المرشحين .. رؤية وتقويم
تختلف الأفكار والوعود التي طغت على برامج المرشحين السبعة الذين اجتازوا الشروط الانتخابية التي أهلتهم لدخول حلبة المنافسة الرئاسية بحسب اختلاف توجهاتهم السياسية ومشاربهم الفكرية.

 

ورغم عدم انخراط حماس في سباق الرئاسة كتعبير عن التيار الإسلامي الفلسطيني، فإن الطيف الجامع للمرشحين السبعة حمل ممثلين لكافة التيارات الفكرية على الساحة الفلسطينية، ومن بينهم مرشح أو أكثر يحمل تعاطفاً لحماس، ويعتبره كثيرون مقرباً منها.

 

ولعل أكثر ما يميز البرامج الانتخابية لهؤلاء المرشحين اقترابها في كثير من بنودها وجزئياتها من لغة الشعارات، وافتقارها إلى الآليات العملية والواقعية اللازمة للتطبيق، مما ينتقص من قدرها، ويحرمها من بلوغ درجة مقدّرة من المصداقية والصراحة والشفافية التي تستلزمها القضية الوطنية الفلسطينية وسط زحام التحديات التي تتهدد حاضرها ومستقبلها.

 

ومع ذلك، يمكن تفحص أهم مضامين برامج المرشحين السبعة والظروف والعوامل المؤثرة فيها على النحو التالي:

 

أولاً: محمود عباس (أبو مازن)
كان لافتاً مدى وحجم تمسح أبو مازن بالرئيس الراحل ياسر عرفات، وهو ما انعكس على شعاراته وصوره وبرنامجه الانتخابي.

 

إذ عمدت الآلة الدعائية لمرشح فتح والتي يقودها الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة، إلى تسويق أبو مازن في الوعي الشعبي الفلسطيني كوريث أمين لعرفات، وخليفة شرعي لأفكاره وثوابته وخطه السياسي، رغم الخلافات البيّنة بين نهج ومواقف الرجلين التي فرقت بينهما وعصفت بعلاقتهما في أوقات مختلفة، كان أبرزها إبان تولي أبو مازن مقاليد رئاسة الوزراء عام 2003م.

 

وكان لافتاً تماماً مدى الالتفاف الذي حظي به أبو مازن داخل فتح، وحالة الإجماع التي استقرت عليها مؤسسات الحركة تجاهه كمرشح وحيد لها، وتجاوزها لكثير من التجاذبات والتناقضات داخل صفها التنظيمي، واحتدادها الصارخ مع أية محاولة لكسر قراراتها أو إضعاف موقفها، كما هو الحال مع ترشح مروان البرغوثي، في مواقف بدت غريبة إلى حد كبير عن واقع الحركة المضطرب، الذي يعج بالصراعات وتشتت المواقف والمرجعيات.

 

ومع ذلك، تبدو هذه المحاولات أشبه ما تكون بمسكنات وقتية تلبي أغراضاً ومطامح آنية، فالمواقف الحقيقية التي يتبناها أبو مازن لا تخفى على أحد، وسرعان ما تستبين للواقعين في شرك الدعاية الراهنة فوارق النهجين والشخصين، ويتأكد الواهمون أن أبو مازن ليس كأبو عمار، وأن زمن أبو مازن ليس بحال كزمن أبو عمار، وأن الأمر لا يعدو كونه لعبة انتخابية يعلو فيها الصوت الانتخابي المجرد على قيم الشفافية والصراحة والوضوح.

 

وقد لا يكون مستغرباً أن تأتلف فتح بكافة أجنحتها بشكل مدهش لمواجهة الاستحقاقات الراهنة، فهواجس البعثرة والانقسام، وصعود حماس، مخاوف مشروعة لها ما يبررها، ويجعل من مواجهتها أولوية رئيسية لا فكاك منها.

 

"
المواقف الحقيقية التي يتبناها أبو مازن لا تخفى على أحد وسرعان ما تستبين للواقعين في شرك الدعاية الراهنة ويتأكد الواهمون أن أبو مازن ليس كأبو عمار
"

إلا أن هذا الائتلاف لا يعكس تآلفاً حقيقياً ووحدة تنظيمية رصينة، بقدر ما يعكس ترحيلاً للخلافات إلى أوقات لاحقة، والتقاءً آنياً في المصالح العليا الضامنة لوحدة الحركة من التشتت والضياع والانقسام، لا يُتوقع له أمد بعيد، قياساً إلى عمق الترهل والخلاف التنظيمي داخل فتح، وحجم التجاذب الذي يحدّ المحاور والأطراف الرئيسية فيها.

 

ويعتمد أبو مازن في سياق حملته الانتخابية على خطابين متناقضين، أحدهما موجه إلى الشعب الفلسطيني، والآخر إلى الاحتلال الإسرائيلي.

 

فخطاب المحافظة على الثوابت الوطنية ومكافحة الفساد والفوضى وإصلاح الوضع الداخلي، يشكل سمتاً مميزاً للحملة الدعائية التي تستهدف المواطن الفلسطيني، فيما تبدو قضايا العسكرة ورفض المقاومة المسلحة ومحاولة نسف منطقها والأسس التي تستند إليها، والتأكيد على ضبط السلاح وإلزام الجميع باحترام هيبة السلطة وسيادة القانون عقب الانتخابات، أبرز مضامين الخطاب الموجه إسرائيلياً.

 

ويكتسب خطاب أبو مازن أهمية استثنائية في معالجته للوضع الداخلي تمس أوتار قلوب بعض المواطنين الذين أرهقتهم الفاقة والمعاناة، حين يؤكد على محاربة الفوضى والفساد، والتقليل من أسعار المواد الاستهلاكية، في محاولة لاستنساخ تجربته إبان رئاسته للوزراء التي خفض فيها أسعار المحروقات والمواد الأساسية، ونال بسببها نوعاً من التأييد المصلحي من قبل بعض الشرائح الفقيرة داخل قطاع غزة.     

 

ولا ريب في أن السياسة التي يحملها أبو مازن ويعد بتطبيقها عقب انتخابه، والقائمة على التهدئة مع الاحتلال، والانفتاح على الواقع الداخلي، قد ضمنت له ولاء كثير من أرباب التجارة والاقتصاد، والاتحادات والمؤسسات المهنية والاقتصادية.

 

إلا أن أعظم الأخطار تتمثل في بعض الشرائح الفقيرة داخل المجتمع الغزّي الذي سيدلون بأصواتهم لصالح أبو مازن، دون قناعة بشعاراته أو برامجه المرفوعة، وإنما أملاً في تغيير ما، غير مضمون، يحسن مستوى معيشتهم، واعتقاداً أن هذه المرحلة لن يصلح لقيادتها سوى شخص كأبو مازن، يستحوذ على الرضا العربي والقبول الإسرائيلي والدعم الأميركي والدولي.

 

ثانياً: مصطفى البرغوثي
لا شك أن النشاط الواضح والفعاليات المتعاقبة التي تميز بها الدكتور مصطفى البرغوثي، سواء على الصعيد الطبي الإغاثي أو على صعيد حشد حملات التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني، قد وضعه في مصاف الشخصيات الوطنية ذات القبول الشعبي، وجعل منه شخصية إعلامية ذات أهلية لتبوؤ منابر محلية وإقليمية ودولية للدفاع عن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

 

ورغم خلفيته اليسارية الواضحة، وعضويته القيادية السابقة في حزب الشعب "الشيوعي" الفلسطيني، وما تحمله من مواقف سياسية تناوئ عسكرة الانتفاضة وغيرها، فإن البرغوثي تميز بذكاء غير عادي في التصدي للمنابر الإعلامية، وقدرة واضحة على التواؤم مع المزاج الشعبي الفلسطيني، والعزف على الوتر الذي يطربه أو يريحه، دون أي انزلاق إلى متاهات إدانة المقاومة أو تبني مواقف مناهضة لبعض أشكالها.

 

ويحمل البرنامج الانتخابي للبرغوثي تأكيدات بالمحافظة على الثوابت الوطنية، ومناهضة مشاريع التصفية للقضية الفلسطينية، وانتهاج سياسة الإصلاح والتغيير الديمقراطي.

 

ويعتبر البرغوثي نفسه مرشح الأغلبية الصامتة والقطب الديمقراطي في المجتمع الفلسطيني، وهي المساحة الممتدة بين حركتي حماس وفتح القطبين الرئيسيين في الساحة الفلسطينية، لذا فإنه يعوّل كثيراً على الأصوات التي تندرج خارج إطار الحركتين.

 

"
يحمل البرنامج الانتخابي للبرغوثي تأكيدات بالمحافظة على الثوابت الوطنية ومناهضة مشاريع التصفية للقضية الفلسطينية وانتهاج سياسة الإصلاح والتغيير الديمقراطي
"

ويرى مراقبون أن البرغوثي يحظى بدعم الاتحاد الأوروبي مقابل الدعم الأميركي والعربي لمحمود عباس، فقد موّل الأوروبيون جزءاً من دعايته الانتخابية، لكونهم يرون فيه المرشح الأفضل الذي يقترب إلى حد ما من الرؤية الأوروبية لحل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ويحقق لهم نوعاً من التمايز عن الموقف الأميركي.

 

إلا أن ذلك لا يعني افتراقاً في الرؤية الأوروبية–الأميركية، بقدر ما يعكس محاولة أوروبية، ولو محدودة، للفكاك من أسر وهيمنة الأميركيين على الملف الفلسطيني-الإسرائيلي برمته.

 

ويبدو أن ثمة قناعة لدى البرغوثي بصعوبة الفوز وقهر أبو مازن، إلا أنه يعوّل على انتصار معنوي يحقق له نسبة انتخابية عالية، تكرسه كشخصية مستقلة قوية على المستوى السياسي، وتفتح له آفاقاً سياسية مديدة، وتؤهله لأدوار هامة على الساحة السياسية الفلسطينية مستقبلاً.

 

ثالثاً: تيسير خالد

مرشح الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين المعارضة لاتفاقية أوسلو، ويشغل عضوية مكتبها السياسي، ويحمل برنامجه الانتخابي كباقي المرشحين دعوة إلى التغيير والإصلاح ومحاربة الفساد.

 

ويعتبر خالد شخصية ذات وزن هامشي في الميزان الانتخابي بحسب الاستطلاعات، ويعتقد أن ترشيحه لم يكن إلا نوعاً من إثبات الذات التنظيمية.

 

رابعاً: بسام الصالحي
مرشح حزب الشعب الفلسطيني، ويشغل موقع أمينه العام، ويحمل برنامجه الانتخابي شعارات مكرورة تعنى بإصلاح الوضع الداخلي ومكافحة كافة أشكال الفوضى والفساد، فضلاً عن توافق كامل مع أفكار أبو مازن إزاء رفض عسكرة الانتفاضة، وردها إلى طابعها الجماهيري البحت.

 

وهو كسابقه، لا يحظى بسوى وزن هامشي للغاية على الحلبة الانتخابية، ويبدو أن ترشيحه لم يكن إلا نوعاً من إثبات الذات التنظيمية.

 

خامساً: عبد الحليم الأشقر وعبد الكريم شبير وسيد بركة
مرشحون مستقلون ذوو توجهات إسلامية، ولا وزن لهم، تحمل برامجهم الانتخابية شعارات عديدة ذات أصول إسلامية وسياسات تقترب من مواقف حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إلا أن ترشيحهم ينبع أساساً من الرغبة في تحقيق مآرب شخصية، كالمرشح الأشقر الذي يعاني من فرض الإقامة الجبرية عليه في الولايات المتحدة، وأهداف إعلامية دعائية للمرشحين الآخرين.

 

"
مستوى التجاوزات الذي أخلّ بقانون الانتخابات الفلسطيني كان كبيراً فقد سجلت لجنة الانتخابات المركزية والمؤسسات الحقوقية التي تراقب سير حملات المرشحين الكثير من الخروقات ارتكبتها الحملة الانتخابية لمحمود عباس
"

تجاوزات دعائية
بالرغم من اللوائح الصارمة التي قيدت ونظمت الحملات الدعائية للمرشحين، فإن مستوى التجاوزات الذي أخلّ بقانون الانتخابات الفلسطيني كان كبيراً، فقد سجلت لجنة الانتخابات المركزية والمؤسسات الحقوقية التي تراقب سير حملات المرشحين الكثير من الخروقات ارتكبتها الحملة الانتخابية لمحمود عباس، كتجيير وتوظيف السلطة وأجهزتها الأمنية ومبانيها ومؤسساتها وموظفيها لدعمه، ولصق الملصقات في المؤسسات العامة، وتمزيق ملصقات المرشحين الآخرين أو إلصاق الصور والمواد الانتخابية عليها، مما يؤشر على حجم الخلل الذي يعتري العملية الدعائية، ويطرح علامات استفهام موضوعية حول مدى سلامة الإجراءات الخاصة بالعملية الانتخابية يوم الاقتراع!

 

حظوظ المرشحين
لا ريب أن دعم حركة فتح لمرشحها أبو مازن، والحملة الدعائية الضخمة التي تهدف لتسويقه في الشارع الفلسطيني، وميل بعض الشرائح الغزّية الفقيرة للتصويت لصالحه، سوف يضمن له فوزاً مؤكداً، بنسبة تقترب من 60% من أصحاب حق الاقتراع حسب أرجح التقديرات.

 

فيما سيحوز الدكتور البرغوثي على نسبة تتراوح بين 20-30% ، مدعوما من الدكتور حيدر عبد الشافي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فيما سيحوز تيسير خالد على نسبة مئوية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، يليه بسام الصالحي، فيما تتوزع النسبة الباقية على المرشحين الثلاثة الآخرين.

 

ومن المتوقع أن تؤتي دعوات المقاطعة أكلها، خاصة أن حركة بحجم ووزن حماس قد تعهدت بمقاطعة الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، مما يعني أن الجمهور العريض المتعاطف معها لن يكون حاضراً في مجمله يوم الاقتراع، وهو ما يقدر بحوالي 40% من أصحاب حق الاقتراع، أي أن نسبة المشاركة لن تتعدى 60% حسب أرجح التقديرات، مما يطرح علامات استفهام قوية حول مدى قوة الشرعية الشعبية التي تحملها الانتخابات الفلسطينية.

 

"
فوز أبو مازن بنسبة 60% من أصحاب حق الاقتراع ومقاطعة 40% للانتخابات يعني أن نسبة تمثيله للشارع الفلسطيني لا يتجاوز 36% مما يحيله إلى رئيس ضعيف ذي شرعية جماهيرية محدودة
"

ففوز أبو مازن بنسبة 60% من أصحاب حق الاقتراع، ومقاطعة 40% للانتخابات، يعني أن نسبة تمثيله للشارع الفلسطيني لا تتجاوز 36%، مما يحيله إلى رئيس ضعيف ذي شرعية جماهيرية محدودة، لن يكون قادراً معها على القفز بعيداً في مضمار السياسة الفلسطينية، أو انتهاج مواقف وسياسات جدلية قد تؤثر على حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية.

 

باختصار، فإن الانتخابات الرئاسية الفلسطينية التي أريد لها طيّ صفحة الماضي، والتأسيس لمستقبل جديد مفتوح على خيارات جديدة، لن تكون قادرة على اكتساب شرعية وافرة تؤهلها لاستيعاب مخططات ومتطلبات المرحلة القادمة التي لم يبذل أبو مازن وشخوصها الأساسيون أي جهد لمواراتها أو إخفاء مضامينها.


________________

كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف