- أرقام ومفارقات الاقتصاد العربي
- في نقد الحاجة إلى التكتلات الإقليمية
- رهانات للمستقبل

داخل سياق اقتصادي عالمي مطبوع بالتنافسية المحمومة بين القوى الاقتصادية العالمية, وفيما يبدو أن بعض التجارب الاقتصادية في كل من الصين وكوريا الجنوبية إلى جانب كل من ماليزيا وإندونيسيا تمكنت من حرق المراحل وحققت معادلة متوازنة في السوق العالمية، تجد السياسات الاقتصادية العربية نفسها في مفترق طرق.

 

فلا هي استطاعت أن تفيد من عائدات مدخراتها الطبيعية من نفط وغاز وفوسفات داخل السواق العالمية، ولا هي تمكنت من توظيف ثرواتها البشرية أحسن توظيف بما يسمح بالحصول على قيمة مضافة والمساهمة في رسم  مسار الاقتصاد العالمي.

 

إن هذا الوضع الملتبس يدعو المعنيين بالشأن الاقتصادي العربي إلى البحث في مسببات هذا الوضع والآليات القمينة بتغييره وفق روى وتحليلات اقتصادية قادرة على رسم البديل.

 

لكن الواضح أن المعضلة الكبرى التي تواجه التنمية في الاقتصاد العربي هو أنها تخضع بصورة غريبة لعوامل غير اقتصادية.

 

"
محددات التنمية الاقتصادية تتحدد في مثلث متساوي الأضلاع يجمع بين توافر الثروات الطبيعية اللازمة والموارد البشرية المدربة إلى جانب التدبير المحكم والقدرة على الابتكار
"
أرقام ومفارقات الاقتصاد العربي
إن القراءة المتأنية لواقع الاقتصاديات العربية تقود إلى حقيقة صادمة يصعب تقبلها من الناحية الرقمية, لكن ما إن يتم استحضار الخلفيات السياسية المؤطرة للبرامج الاقتصادية والتنموية في الدول العربية حتى يتم التوصل إلى الحقيقة القاسية، وهي آن الدول العربية ككلية واحدة تمثل في أغلبها  دولا غنية من ناحية الموارد الإنتاجية الخام, لكن بمكونات بشرية فقيرة.

 

إن التفسير المنطقي المقبول من الناحية الاقتصادية لا يمكنه أن يخرج عن كون العائق الأكبر الذي تعاني منه الدول العربية هو معضلة سوء توزيع الثروة، فالتوزيع الفاحش للثروات المستخلصة من عائدات المواد المصدرة داخل البلد الواحد يفضي إلى حالة من الاختلال الاجتماعي ويزيد من حدة الفوارق الطبقية.

 

كما أن تباين الموارد من بلد إلى آخر يقود إلى عدم التوازن بين منطقة وأخرى كما هو الحال بين دول الخليج ودول المغرب العربي، إن محددات التنمية الاقتصادية كما هو متعارف عليه دوليا تتحدد في مثلث متساوي الأضلاع يجمع بين توافر الثروات الطبيعية اللازمة والموارد البشرية المدربة إلى جانب التدبير المحكم والقدرة على الابتكار, وهذه العناصر مكتملة لا يمكننا أن نعدمها في أغلب الدول العربية، لكن يبدو أن مكمن المفارقة يجد تفسيره إما في كون بنية الاقتصاديات العربية   في بدايتها انطلقت انطلاقة عير مدروسة بما فيه الكفاية وإما لكون عمليات الإصلاح التي تعتمد لم تكن ناجعة بالشكل اللازم.

 

وقد كشف آخر تقرير صادر عن برنامج التنمية للأمم المتحدة أن معدلات التنمية في الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سجلت في العقد الأخير تدنيا واضحا في معدلات التنمية العامة، بسبب التراجع المسجل في التدفقات المالية العالمية وتقلص معدلات الاستثمار الخارجية.

 

وقد عزا التقرير هذه الحالة إلى غياب حالات الاستقرار السياسي الواجبة لتحقيق وضعية جاذبة للاستثمار, وعدم استمرارية مؤشرات الاستقرار الاقتصادي إن على المستوى الداخلي أو الخارجي، إلى جانب الارتجالية المعتمدة في نهج الإصلاحات الاقتصادية.

 

إن هذا الوضع الجديد الذي اتضحت معالمه بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 قاد إلى تقلص مطرد في حجم  الاستثمارات الوافدة حيث لم تتجاوز التدفقات الاستثمارية في العام الماضي 4.630 مليارات دولار مقابل 5.800 مليارات دولار في العام 2002.

 

بل إن عناصر المفارقة تكبر أكثر عندما نجد أن مجموع الأموال العربية المهاجرة خارج رقعة العالم العربي تصل حسب إحصائيات رسمية إلى 500 مليار دولار، في حين يتضاعف هذا الرقم كثيرا ليصل حسب إحصائيات غير رسمية إلى 800 مليار دولار منها 730 مليار دولار من دول الخليج، في حين أن 365 مليار دولار من هذه الأموال يتم توظيفها في دول الاتحاد الأوروبي في شكل عقارات أو امتلاك سندات في الخزينة أو أسهم في شركات عالمية.

 

"
رغم ما يقال عن ضعف وعدم وجود هيكلة داخل القطاع الخاص العربي فإنه لا مناص من الاستنجاد به، لأنه هو المعني الأول بتحقيق معدلات تنمية جديدة وتجاوز حالات ومظاهر العطب التنموي
"
في نقد الحاجة الى التكتلات الإقليمية

لم تكن فكرة تأسيس تكتلات اقتصادية إقليمية بالفكرة الجديدة في المحيط العربي، فقد كانت فكرة إنشاء سوق عربية مشتركة وليدة العقد الخامس من القرن الماضي لكنها قبرت في المهد بسبب انعدام الوعي الحقيقي بشروط التكامل.

 

إن المحددات الموضوعية للتكامل الاقتصادي في العالم العربي  تبدو متوافرة إلى حد بعيد، فدول الخليج تتوفر على أهم المدخرات النفطية في العالم، في حين أن دول منطقة المغرب العربي مثلا تتوفر هي الأخرى على الموارد الإنتاجية الضرورية لتحقيق الأمن الغذائي، وبالمقابل فإن منطقة الشرق الأوسط وتحديدا دول الشام لديها هي الأخرى ما يكفي من  الموارد البشرية المدربة. وبفعل انعدام المجال الأمثل لإبراز
مؤهلاتها اضطرت للهجرة القسرية إلى حين ظهور بدائل.

 

إن هذا التقسيم الإجرائي للدول العربية يقود إلى تأسيس قناعة راسخة، هي أن "الشراكة الاقتصادية العربية مضمونة النتائج إن تحققت عملية الخروج من الإطار النظري إلى الفعل الاقتصادي القائم على المصلحة المشتركة وتبادل المنفعة".

 

الواضح أن تباين الأنظمة الاقتصادية من بلد إلى آخر وتنامي مصلحة القوى الاقتصادية العالمية في الدول العربية عجلت بقتل مشروع السوق العربية المشتركة ليتم البحث عن بدائل جهوية أخذت هذه المرة شكل تكتلات إقليمية, كما هو الحال في دول مجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي.

 

ومن ناحية الجدوى الاقتصادية وبالرغم من النتائج الجزئية المحصل عليها في تجربة دول الخليج فإن هذه الاتحادات لم ولن يكون بإمكانها أن تحقق قيمة مضافة على مستوى التنمية العربية في أبعادها العامة، وذلك بسبب غلبة الاختيارات السياسية على المصالح الاقتصادية.

 

وبلغة الأرقام فإن سيطرة الاتحاد الأوروبي على 30% من معدل التجارة العالمية والنمو المطرد لمستقبل التجارة العالمية في حوض البحر المتوسط سيزيد من قوة وهيمنة الاتحاد الأوربي، وذلك على حساب التجارة العربية أولا والمنافسة مع الولايات المتحدة الأميركية ثانيا.

 

وإذا علمنا أن التجارة البينية داخل العالم العربي لا تتجاوز 10% من مجموع التجارة العربية مع دول العالم فإن نجاح الاتحاد الأوروبي في انتزاع علاقات تفضيلية جديدة مع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال امتيازات جمركية سيزيد من قوة الاتحاد الأوروبي كأول قوة اقتصادية عالمية, ويزيد من تأزم وضعية الاقتصاديات العربية.

 

إن البديل الوحيد والممكن في تحقيق تكتلات اقتصادية عربية لا يمكن إلا أن يكون منبثقا من داخل القطاع الخاص، لأن الصيرورة الاقتصادية العالمية اقتضت ذلك. ورغم ما قد يقال عن ضعف وعدم وجود هيكلة داخل القطاع الخاص العربي فإنه لا مناص من الاستنجاد به، لأنه هو المعني الأول بتحقيق معدلات تنمية جديدة وتجاوز حالات ومظاهر العطب التنموي.

 

وقد وعى المشرفون على منتدى دافوس الاقتصادي العالمي محدودية التعاون على مستوى الحكومات في العالم العربي, ليتم الاستنجاد بالقطاع الخاص العربي, وكان من  نتائج هذا التوجه إنشاء منتدى لرجال العمال العرب الذي انعقدت أشغال دورته الأولى بمدينة مراكش المغربية مؤخرا، وتمخض عن تبني خطة عمل موحدة تقوم على جملة مفاصل مركزية هي:

 

- أن التنمية في العالم العربي ستظل اختيارا مؤجلا إلى حين التخلي عن غلبة الخيارات السياسية على المصالح الاقتصادية.

 

- أن التنمية فعل مشترك بين الدولة والقطاع الخاص، كل حسب موقع عمله.

 

- أن تحقيق معدلات جديدة في التنمية رهين بتحقيق تنافسية جديدة للاقتصاديات العربية وتحرير متزايد للتجارة البينية, وتأسيس الشروط اللازمة لجذب الاستثمارات الخارجية  واستعادة الرساميل العربية المهاجرة.

 

"
الحل الأمثل في مسيرة الانتقال التنموي في العالم العربي تتم عبر قنوات الفعل الممنوحة للقطاع الخاص ومزيد من عمليات التخصيص في القطاع الخدماتي تحديدا
"
رهانات للمستقبل

إن التحدي الأكبر الذي يواجه السياسات الاقتصادية العربية في السنوات العشر المقبلة هو إيجاد ما يربو عن 100 ألف فرصة عمل جديدة, والواضح أن القطاع العام ليس بإمكانه بأي حال من الأحوال تحقيق هذا الرهان بحكم ضغط نفقات التسيير،  

وتعدد بند الأجور الناجم عن تضخم الوظائف في القطاع العام، بسبب غياب رؤية عقلانية لتدبير الموارد البشرية حسب احتياجات السوق الداخلية في علاقتها بتحولات السوق العالمية.

 

إن القطاع الخاص هو المعني بخلق الفرص الاستثمارية اللازمة بما يساعد على استحداث فرص شغل جديدة للطوابير المعطلة من حاملي الشهادات الجامعية واليد العاملة المدربة.

 

إن الحل الأمثل في مسيرة الانتقال التنموي في العالم العربي تتم عبر قنوات الفعل الممنوحة للقطاع الخاص ومزيد من عمليات التخصيص في القطاع الخدماتي تحديدا، في حين تتكلف الدولة بتكاليف التسيير ومعاشات الموظفين والدين الخارجي الذي بلغ في مجمل الدول العربية إلى 560 مليار دولار.

 

إن توزيع الأدوار بطريقة عقلانية قد يكون الحل الأمثل لتحقيق المراد، فما عجزت عنه الدولة قد يقوم به القطاع الخاص. فدولة بحجم المغرب مثلا ورغم التقلبات التي تعرفها السوق العالمية من طفرة على مستوى ارتفاع أسعار النفط والصراع المحموم على مستوى العملات تمكن من العام الماضي من تحقيق معدل نمو بلغ 5.5% وهذه النتيجة تبدو أكثر من إيجابية.

 

والسبب الرئيس في هذه النتيجة يعود إلى اعتماد سياسة حصحصة مفتوحة على السوق الداخلي واحتياجاته، ورغم أن جهات اقتصادية تبدي مخاوف متزايدة من هذه العمليات بدعوى أنها تقتل القطاع العام.

 

وحقق المغرب عائدات استثمارية مباشرة في هذا القطاع بلغت خمسة مليارات دولار في أقل من أربع سنوات, في حين أن رقم معاملات شركة اتصالات المغرب اليوم يزيد عن 7.7مليارات دولار. والرقم مرشح للارتفاع مع دخول الشركة إلى سوق الأوراق المالية بكل من بورصة الدار البيضاء وباريس.

 ـــــــــــــــ
كاتب مغربي

المصدر : غير معروف