بشير موسى نافع

 

يشهد هذا الشهر عقد انتخابات رئاسية وأخرى عامة في ساحتين عربيتين بالغتي التأزم وتعيشان أوضاعاً غير عادية على الإطلاق: فلسطين والعراق.

 

تعقد الانتخابات في منطقة الحكم الذاتي الفلسطينية لاختيار رئيس جديد للسلطة الوطنية يخلف الرئيس عرفات، وذلك وسط تباين في الرأي بين من يعتقد أن عرفات مات مقتولاً ومن يرى أنه مات بفعل المرض والشيخوخة، وتباين آخر حول محمود عباس المرشح الرئيس لخلافته.

 

"
القوى الوحيدة المهيأة لتشكيل المعادل الجاد والموضوعي للاحتلال هي تلك القوى المقاومة أو تلك التي عارضت عقد الانتخابات
"
وتعقد الانتخابات العامة في العراق لتأسيس برلمان عراقي وإضفاء الشرعية على النظام السياسي المولود من رحم الاحتلال، وذلك وسط دعوات عراقية واسعة لمقاطعة الانتخابات.

 

ولكن الظروف التي ستعقد فيها الانتخابات في الحالتين هي أعقد بكثير من حسم قضية موت عرفات أو دعوات المقاطعة، وهذا التعقيد هو ما أطلق توقعات بأن تؤدي الانتخابات لاندلاع حربين أهليتين في العراق وفلسطين.

 

فقدت السلطة الفلسطينية سيطرتها على مناطق الحكم الذاتي منذ الشهور الأولى للانتفاضة. وحتى قبل اندلاع الانتفاضة في خريف 2001 كانت سيادة السلطة على مناطق الحكم الذاتي محدودة وغير مستقرة.

 

وبالرغم من إعلان الإسرائيليين عزمهم على الانسحاب من مدن الضفة والقطاع خلال الأيام القليلة التي ستعقد فيها الانتخابات، فليس لدى أحد أي وهم بأن انتخابات الرئاسة الفلسطينية وما سيليها من انتخابات بلدية وتشريعية هي انتخابات حرة بالكامل من تدخل الاحتلال.

 

ستكون سلطة الاحتلال طرفاً ضمنياً في تحديد نتائج الانتخابات، وليس مقتضيات الجانب الإجرائي المتعلقة بالحملة الانتخابية فحسب، فلن يسمح الاحتلال بحركة مرشح يعارض مشروع التسوية أوالدولة العبرية بشكل جذري، ولا يمكن توقع أن يسمح لمثل هذا المرشح بالنجاح.

 

ولكن الأخطر هو الافتراق الكبير في الرؤى الفلسطينية من مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية، فإن كان أبو مازن الذي يرجح فوزه بالرئاسة سيعتمد سياسة وقف النشاط المسلح الذي تقوم به قوى المقاومة الفلسطينية كرد فعل على الاحتلال، فإن هذه السياسة قد تؤدي إلى انفجار العنف الفلسطيني الداخلي.

 

أما في العراق، فإن القوة الرئيسية ماتزال هي قوة الاحتلال الأميركي، وإن كان ثمة رئيس عراقي مؤقت، ورئيس وزراء وحكومة من وزراء داخلية ودفاع ومالية، ولكن القوة العسكرية الكبرى في البلاد هي قوة الاحتلال التي تصل إلى أكثر من 170 ألف جندي مدججين بكافة أنواع الأسلحة.

 

الاحتلال هو الذي نصب العراقيين الحاكمين في مواقع السلطة، وهو الذي يحميهم، وهو الذي يشكل قاعدة إسنادهم.

 

أما القرار الأمني العراقي فهو قرار أميركي، ومفاتيح الثروة والاقتصاد العراقي يتحكم فيها المسؤولون الأميركيون، وهم في الحقيقة طرف مباشر في الانتخابات العراقية، ليس لأنهم سنوا القوانين التي ستجري الانتخابات على أساسها فقط، وليس لانهم وضعوا في مواقع التأثير المتحالفين معهم فقط، وليس لأن الانتخابات ستقام ضمن إطار تقسيمي وطائفي، وضعت فيه قوى الشعب العراقي وفئاته ضد بعضها البعض فقط؛ بل أيضاً وأساساً لأن ميزان القوى السياسي في العراق قد اختل منذ بدء الاحتلال لصالح القوة المحتلة.

 

"
ليس ثمة انتخابات في أي منطقة من العالم أدت إلى انقلاب جوهري في الواقع السياسي الاجتماعي لبلد ما
"
كل القوى السياسية العراقية المشاركة في الانتخابات، إضافة لأولئك المكلفين بالإشراف على العملية الانتخابية، تعمل داخل ميزان القوى وفي ظله وعلى أرضيته.

 

القوى الوحيدة المهيأة لتشكيل المعادل الجاد والموضوعي للاحتلال هي تلك القوى المقاومة أو تلك التي عارضت عقد الانتخابات؛ وهذه جميعاً ليست طرفاً في العملية الانتخابية.

 

بإجراء الانتخابات في العراق، سيقود المجلس النيابي والحكومة القادمة ولجنة صياغة الدستور الدائم قوى متحالفة مع الاحتلال، أو قوى على استعداد للمساومة على ثوابت الاستقلال العراقي الوطني.

 

وفي ظل المقاطعة الواسعة المتوقعة للانتخابات من قوى وفئات ومناطق بأكملها، فإن الدولة العراقية التي ستأتي بها الانتخابات ستؤدي هي الأخرى إلى تصعيد انفجار العنف الداخلي باتجاه الحرب الأهلية.

 

ليس ثمة انتخابات في أي منطقة من العالم أدت إلى انقلاب جوهري في الواقع السياسي الاجتماعي لبلد ما.

 

تعكس الانتخابات واقعاً قد استقرت ملامحه وتوجهاته إلى حد كبير، تتفاوت فيه رؤى القوى حول الجزئيات والوسائل وليس حول القضايا الكبرى التي يمكن أن تؤدي إلى انقلاب جذري.

 

الخلافات التي تفصل حزبي العمال والمحافظين في بريطانيا، أو تلك التي تفصل الاشتراكيين والديغوليين في فرنسا، أو الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة، لا تتعلق بأسس النظام والدولة بل بتفاصيل الحكم ووسائل التوصل إلى أهداف القوة والرفاه والاستقرار الاجتماعي.

 

ليس ثمة خلاف مثلاً، حول ضرورة تحصيل الموارد لميزانية الدولة، ولكن الخلاف يقع حول أنصبة مساهمة الفئات الاجتماعية المختلفة في هذه الميزانية، حول الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وحول أولويات مصارف الدولة.

 

"
بغض النظر عن الأبعاد بالغة التعقيد لإشكال الشرعية فلا الانتخابات الفلسطينية ولا العراقية ستلد واقعاً فلسطينياً أو عراقياً جديداً
"
وحتى فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فمن الوهم تصور وجود خلافات جوهرية بين القوى السياسية في الديمقراطيات الغربية حول الأهداف والمصالح القومية الرئيسية التي ينبغي تحقيقها وحمايتها.

 

الخلافات هي حول الوسائل الأفضل التي ينبغي توظيفها لتحقيق هذه الأهداف وحماية هذه المصالح.

 

لم تكن الانتخابات هي التي أسقطت الأنظمة الشيوعية في بلدان الكتلة الشرقية، بل سقطت تلك الأنظمة بفعل انهيار الاتحاد السوفياتي الحارس الأكبر للمنظومة وبفعل الانتفاضات الشعبية.

 

وما إن وقع ما يشبه الإجماع على إقامة أنظمة ليبرالية- ديمقراطية في هذه البلدان حتى أعادت الأحزاب الشيوعية تشكيل بنيتها الداخلية وصياغة خطابها لتصبح جزءاً من الإجماع الجديد.

 

منذ أن انفجرت قضية إيرلندا الشمالية في ستينيات القرن الماضي، شهدت المقاطعات المضطربة سلسلة من الانتخابات البرلمانية المحلية والبرلمانية البريطانية، ولكن أياً منها لم تنجح في وضع نهاية للعنف أو التوصل لحل المسائل الكبرى التي يدور حولها الصراع.

 

وكان على إيرلندا الشمالية أن تنتظر حتى توصلت أطراف النزاع المختلفة إلى اتفاق سلام شامل يؤسس للاستقرار ويفتح الباب أمام عملية سياسية وانتخابات ذات معنى. وبغض النظر عن الأبعاد بالغة التعقيد لإشكاال الشرعية فلا الانتخابات الفلسطينية ولا العراقية ستلد واقعاً فلسطينياً أو عراقياً جديداً.

 

الانتخابات الفلسطينية، حتى وإن أدت إلى فوز كبير للسيد محمود عباس، فلن تحسم الخلاف الداخلي حول الموقف من اتفاق أوسلو والدولة العبرية، أو الصراع على فلسطين.

 

وحتى فيما يتعلق بالتيار الفلسطيني الساعي إلى التوصل لتسوية تفاوضية للصراع، والذي أسمعته واشنطن الكثير حول إصلاح السلطة والديمقراطية كشرط لاستئناف عملية السلام، فسيكتشف قريباً أن تسوية نهائية تستجيب لما تبقى من الثوابت الفلسطينية غير ممكنة في ظل توازنات القوى الحالية.

 

ياسر عرفات كان بالطبع رئيساً منتخباً وتمتع دائماً بدعم شعبي لا يستهان به، حتى إن قورن بالمقاييس الديمقراطية الغربية، كما أن الفساد الذي استشرى في جنبات السلطة الفلسطينية تم السكوت عنه سنوات طوال عندما كانت السلطة تلعب دورها المرسوم في حماية الأمن الإسرائيلي وفي فتح أبواب المنطقة للتطبيع.

 

ولم يأت قرار الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بفعل تطورات إصلاحية وديمقراطية في السلطة، بل للعبء الأمني والعسكري الذي بات القطاع يمثله لنظام الاحتلال.

 

"
ما يراهن عليه شارون هو أن تؤدي خطوة الانسحاب من قطاع غزة إلى تراجع الضغط والاهتمام الدوليين بالوضع في ميدان الصراع العربي الفلسطيني
"
وليس من المتوقع على الإطلاق أن تؤدي الانتخابات لاستقرار سياسي في العراق، إذ إن عقد الانتخابات لن يجعل القوى التي قاطعتها تقر بشرعية نظام سياسي أقامه الاحتلال، ولن يقنع المقاومين بوقف تصديهم للاحتلال وحلفائه.

 

وفوز قوة أو قوى ما في الانتخابات لن ينجم عنه إقرار عراقي وطني بشرعية هذه القوة، بل سيعزز هذا الفوز على الأرجح الانقسام الواقع فعلاً بين المعارضين للاحتلال والمتعاونين أو المتحالفين معه.

 

أما إن توهمت القوى الممثلة في الهيئة البرلمانية الجديدة أن الانتخابات أعطتها الحق في التوقيع على اتفاقات أمنية مع المحتلين تطيل أمد الاحتلال، أو صياغة دستور عراقي دائم يؤسس لتجزئة البلاد ويعلي فئة على أخرى، فإن حالة الانقسام السياسي ستزداد عمقاً، كما أن الفرز السياسي سيشمل قوى وفئات لم تكن طرفاً فيه من قبل، وسيكون على العالم بالتالي أن ينتظر سنوات طوالا وربما عقوداً، قبل أن يأمل في إعادة بناء الاستقرار في العراق.

 

بيد أن هذا لا يعني أن شعبي العراق وفلسطين مقبلان على حرب أهلية بل الحقيقة أن العراق وفلسطين قد خرجا، إلى حد كبير، من دائرة خطر العنف الأهلي.

 

يدرك أبو مازن والمجموعة التي ستعمل معه في قيادة السلطة أن رفض عرفات التنازل عن قضايا القدس واللاجئين والسيادة على الضفة والقطاع قد وضع سقفاً سياسياً لمن يأتي بعده، لاسيما أن زعيماً فلسطينياً لن يستطيع اكتساب الشرعية والالتفاف الشعبي الذي اكتسبه عرفات.

 

من ناحية أخرى من الصعب تصور وجود استعداد إسرائيلي للتوصل مع القيادة الفلسطينية الجديدة لتسوية تأخذ في الاعتبار المطالب الفلسطينية.

 

ما يراهن عليه شارون هو أن تؤدي خطوة الانسحاب من قطاع غزة إلى تراجع الضغط والاهتمام الدوليين بالوضع في ميدان الصراع العربي الفلسطيني.

 

إن أخذنا تاريخ هذا الصراع في الاعتبار، فإن معركة الضفة الغربية ستستغرق عقدين أو ثلاثة بعد الانسحاب من قطاع غزة؛ بينما قد يستمر الصراع ربع قرن آخر قبل أن يصل إلى نتيجة حاسمة ونهائية.

 

في مثل هذه المعطيات التي تدركها القوى الفلسطينية المختلفة، أو سرعان ما ستدركها، ليس ثمة من مبرر لصراع فلسطيني داخلي على سياسات لن تجد سبيلها إلى التحقق.

 

وبالرغم من العنف الهائل الذي يشهده العراق، فليس من المتوقع أن يتحول هذا العنف إلى عنف أهلي.

 

ليس هناك من شك في أن المعارضة العربية السنية للاحتلال أكثر انتشاراً ووضوحاً وتبلوراً، بعد أن تعرض الشيعة العرب لابتزاز طائفي طويل وواسع النطاق من كوادر الأحزاب الشيعية الوافدة من الخارج.

 

ولكن نجاح المؤتمر الوطني التأسيسي المعارض للاحتلال في أن يكون إطاراً لقوى وشخصيات سنية وشيعية ذات وزن كبير، وانخراط التيار الصدري في صفوف مقاومة الاحتلال، ثم إعلانه مقاطعة الانتخابات، ساهمت جميعاً في كسر الحائط الابتزازي بين الشيعة والسنة.

 

أما المسألة الكردية في العراق فلم تكن يوماً مسألة أهلية، بل مسألة نزاع بين القوى الكردية السياسية والدولة المركزية.

 

"
عندما ينتهي الضجيج حول هذه المواسم الانتخابية سيصحو الناس على حقيقة يصعب تجاهلها وهي أن الانتخابات كانت حدثاً عادياً جداً وأن شيئا لم يتغير في صبيحة اليوم التالي
"
وفوق أننا لا نعرف على وجه اليقين مدى شعبية الحزبين الكرديين الرئيسيين، فإنه من المستبعد أن تلجأ هذه الأحزاب إلى إشعال معركة أهلية داخلية.

 

كانت حركة الأحزاب الكردية القومية دائماً أسيرة لميزان القوى الإقليمي والدولي، وهي تدرك أن معركة ضد الأكثرية العربية من الشعب العراقي هي معركة خاسرة على كل الأحوال.

 

العنف المتصاعد في العراق سيظل في أغلبه، وإلى أمد طويل، عنف الصراع بين المعارضين للاحتلال والمتواطئين معه.

 

وسيكون هناك دائماً من يحاول إشعال حرب أهلية، لاسيما بين الأحزاب الشيعية التي فقدت الكثير من مصداقيتها ولم يبق لها إلا الاحتماء بالكهف الطائفي، ولكن تلك المحاولات ستصطدم بعلاقات الدم والتاريخ والوطن التي تربط العراقيين منذ قرون طويلة.

 

عندما ينتهي الضجيج الذي أثير حول هذه المواسم الانتخابية سيصحو الناس على الحقيقة التي سيصعب تجاهلها وهي أن الانتخابات كانت حدثاً عادياً جداً، وأن هناك القليل مما تغير في صبيحة اليوم التالي.



______________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف