صالح محمد النعامي

- مظاهر تشوه الواقع الاجتماعي الاقتصادي
- تهاوي سياسة الرفاه
- إستراتيجية جديدة
- دور انتفاضة الأقصى
- العولمة والاتجاه إلى اقتصاد السوق
- الطبقات الفقيرة تتعلق بمن يمس بها
- خطر وجودي

المعطيات المثيرة للاهتمام التي قدمتها مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية حول الفقر في الدولة العبرية تدل بشكل لا يقبل التأويل على تشوه الواقع الاجتماعي الاقتصادي في الدولة العبرية. فحسب هذه المعطيات فإن عشرين بالمائة من سكان الدولة هم تحت خط الفقر. لكن إزاء هذه المعطيات القاتمة فإن معطيات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي تؤكد في المقابل أن معدل الدخل السنوي للفرد في إسرائيل يبلغ ثمانية عشر ألف دولار!!. فكيف يمكن فهم هذه المعطيات المتناقضة؟ ومن جهة أخرى كيف يمكن تفسيرها واستقراء تداعياتها على واقع الدولة العبرية ومستقبلها؟

مظاهر تشوه الواقع الاجتماعي الاقتصادي
معدل الفقر العالي لا يمثل فقط معطى ثابتا في الدولة العبرية، بل واقعا متفاقما باستمرار.

"
منذ 1998 وحتى 2003 ازداد الفقراء في إسرائيل بنسبة 35%، في حين زادت نسبة الأطفال الفقراء بـ50%
"
فمنذ عام 1998 وحتى عام 2003 ازداد الفقراء بنسبة 35%، في حين زادت نسبة الأطفال الفقراء بـ50%. وما يدل على تعقيد الواقع الاجتماعي الاقتصادي في الدولة العبرية هو حقيقة أن تعاظم مستويات الفقر لا يرتبط فقط بمعدلات البطالة العالية نسبياً كما يدعي مبلورو السياسات الاقتصادية وعلى رأسهم وزير المالية بنيامين نتنياهو.

حسب معطيات اتحاد النقابات العامة في إسرائيل "الهستدروت" فإن 40% من الفقراء في إسرائيل هم من الملتحقين بسوق العمل!!. وهناك مظهر آخر من مظاهر التشوه في الواقع الاجتماعي الاقتصادي، وهو تقلص الطبقة الوسطى التي كانت دائما يمثل اتساعها دليلا على صحة الواقع الاجتماعي الاقتصادي في الدولة العبرية.

فحسب بحث أعده "معهد أدنا للعدالة الاجتماعية"، فقد تقلصت الطبقة الوسطى في إسرائيل خلال السنوات الخمس الماضية بنسبة 25%.

تهاوي سياسة الرفاه
إذا كانت الدول بشكل عام تأخذ على عاتقها مساعدة الطبقات الفقيرة فيها عبر تقديم مخصصات الضمان الاجتماعي على اعتبار أن ذلك جزء من التزام الدولة نحو مواطنيها، فإن الدولة العبرية جعلت سياسة الرفاه والضمان الاجتماعي جزءا لا يتجزأ من نظريتها الأمنية الشاملة.

ولما كانت الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين تمثل أبرز عوامل البقاء بالنسبة للدولة العبرية، فقد حرص مبلورو السياسات الاقتصادية على جعل الواقع الاقتصادي الاجتماعي عامل جذب لليهود من جميع أرجاء العالم لإغرائهم بالهجرة إلى الدولة العبرية.

لذا كان هناك التوسع في سياسة الرفاه والضمان الاجتماعي بشكل يقنع حتى اليهود الذين يفدون من دول غنية بالهجرة إلى إسرائيل والاستقرار بها.

وما يعكس بشكل واضح موقع سياسة الرفاه الاجتماعي ضمن النظرية الأمنية الإسرائيلية هي حقيقة أن الموازنة التي كانت تخصصها الدولة لتوفير مخصصات الضمان والرفاه الاجتماعي، قد فاقت الموازنة التي تخصصها للأمن، مع كل ما تثيره قضية الأمن من حساسية في إسرائيل.

لكن منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي بدأت الحكومات الإسرائيلية تقليص الموازنات المخصصة للرفاه والضمان الاجتماعي.

في نفس الوقت شرعت في خصخصة الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم والمواصلات، وتم تحويل المجمعات الصناعية والمرافق الاقتصادية التي تملكها إلى سيطرة القطاع الخاص الذي قام بدوره بتنفيذ خطط لإعفاء هذه المرافق، الأمر الذي تطلب الاستغناء عن عشرات الآلاف من العمال، مما زاد معدلات البطالة وفاقم مشكلة الفقر.

"
نتنياهو يعتقد أن إسرائيل ليس بوسعها ضمان استقلال قراراتها إلا باستغنائها عن المساعدات الخارجية، ومنها تلك المقدمة من الولايات المتحدة
"
إستراتيجية جديدة
فوز بنيامين نتنياهو المفاجئ بانتخابات عام 1996 شكل نقطة تحول فارقة في الإستراتيجية الاقتصادية للدولة العبرية. هذا الفوز منح نتنياهو الفرصة للبدء بتنفيذ ما آمن به دوماً وهو ضرورة استغناء إسرائيل عن المساعدات الاقتصادية الخارجية، وتحديداً من الولايات المتحدة.

نتنياهو كان ولايزال يعتقد أن إسرائيل ليس بوسعها ضمان استقلال قراراتها المتعلقة بوجودها، إلا باستغنائها عن المساعدات الخارجية، ومن ضمن ذلك تلك المقدمة من أوثق حلفائها، الولايات المتحدة.

في أول زيارة له للولايات المتحدة كرئيس للوزراء أخبر نتنياهو قادة الكونغرس أن إسرائيل بصدد القيام بخطوات تكفل في النهاية الاستغناء عن المساعدات المدنية الأميركية.

المثير للاهتمام أن الذي نصح نتنياهو في ذلك الحين بتبني هذا الطرح تحديدا هما دوغلاس فايث مساعد وزير الدفاع الأميركي حاليا، وريتشارد بيرل رئيس المجلس الاستشاري في وزارة الدفاع سابقا، وهما من منظري المحافظين الجدد في الولايات المتحدة.

نتنياهو أدرك أن تحقيق هذا الطموح يعني تقليص مخصصات الرفاه الاجتماعي للطبقات الفقيرة، وقرر في حينه الشروع في سياسة تقنع مزيدا من الإسرائيليين بالالتحاق بسوق العمل بدلا من الارتهان لمخصصات الضمان الاجتماعي.

الواقع السياسي في إسرائيل الذي يتيح للأحزاب الأرثوذكسية الدينية هامش مناورة كبيرا لابتزاز الحكومات الإسرائيلية، تصدى لإستراتيجية نتنياهو الجديدة، على اعتبار أن قاعدة هذه الأحزاب هي أكبر المستفيدين من مخصصات الرفاه الاجتماعي.

لكن منذ ذلك الوقت بدأت تتقلص مخصصات الضمان الاجتماعي. وقد وصلت التقليصات أكبر معدل لها في عهد حكومة شارون الحالية التي استثنت الأحزاب الأرثوذكسية من المشاركة فيها.

وقد نجح نتنياهو الذي يشغل منصب وزير المالية فيها في تمرير الكثير من التقليصات في مخصصات الرفاه الاجتماعي.

"
انتفاضة الأقصى أصبحت مبرراً مقنعاً للقائمين على وضع السياسات الاقتصادية الاجتماعية الإسرائيلية لتقليص مخصصات الرفاه الاجتماعي والمس بالطبقات الفقيرة
"
دور انتفاضة الأقصى
شكلت انتفاضة الأقصى مبرراً مقنعاً للقائمين على وضع السياسات الاقتصادية الاجتماعية لتقليص مخصصات الرفاه الاجتماعي والمس بالطبقات الفقيرة.

فقد اقترنت الانتفاضة بتعاظم نفقات الأمن، التي تتم تغطيتها بشكل أساسي عن طريق تقليص هذه المخصصات، وإلى جانب تزايد نفقات الأمن تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لضربات موجعة بفعل المقاومة الفلسطينية.

فقد تراجع الكثير من المرافق الاقتصادية، وبالذات السياحة والصناعات التي تعتمد على عدد كبير من الأيدي العاملة، الأمر الذي أدى إلى التحاق مزيد من الإسرائيليين بجيش البطالة.

هذا الواقع كان يفترض أن تزيد معه مخصصات الرفاه الاجتماعي، لكن ما حدث هو أنها تعرضت لمزيد من التقليص.

العولمة والاتجاه إلى اقتصاد السوق
إلى جانب الاعتبارات الأيديولوجية والواقع الأمني، فإن التغيرات البنيوية التي تركتها العولمة على الاقتصاد العالمي تركت تأثيرها على الاقتصاد الإسرائيلي، وكان لها دور في تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي، وجعلها انتقائية بشكل كبير.

فقد تأثرت إسرائيل بهذه التغيرات بشكل دفعها نحو اقتصاد السوق، واتباع السياسات الليبرالية، لاسيما الخصخصة وتقليص دور الدولة في مجال توفير الخدمات العامة من أجل بناء اقتصاد على أسس تنافسية.

ومن أجل ذلك حدث تغير في سلم أولويات الحكومات، تمثل في دعم رؤوس الأموال والمستثمرين بحجة العمل على تحقيق نمو اقتصادي وخلق مناخ استثماري مناسب.

اتجهت الدولة لتقديم تسهيلات كبيرة لرؤوس الأموال والمستثمرين، وهذا ما ضاعف مداخيل الطبقات الغنية التي تسيطر على المرافق الاقتصادية، وهذا بالضبط ما يفسر حقيقة كون 20% من سكان الدولة تحت خط الفقر، في الوقت الذي يبلغ فيه معدل الدخل السنوي للفرد 18 ألف دولار.

إلى ذلك كان للعولمة دور مهم في تدفق العمالة الأجنبية إلى إسرائيل وبروز دور شركات العمل التي توفر عمالا بشروط بسيطة جداً، الأمر الذي جعل أرباب العمل يفضلون العمال الأجانب على الإسرائيليين الذين يضعون عادة شروطاً أصعب بكثير من أجل الموافقة على الالتحاق بسوق العمل، مع العلم بأن الإسرائيليين لا يقبلون تحت أي ظرف العمل أجراء في بعض المرافق الاقتصادية، وبالذات الزراعة والبناء.

أدت العولمة إلى تعاظم دور التجمعات الاقتصادية الصناعية مقابل انخفاض دور وتأثير القطاع العام والاتحادات العمالية، الأمر الذي انعكس سلباً على قدرتها على الدفاع عن حقوق العمال والطبقات الفقيرة، وتمثيلها أمام الحكومة، الأمر الذي يعكس ضعف هذه الاتحادات وعدم قدرتها على تنظيم الإضرابات التي كانت تشل الدولة وتجبر الحكومات على التعاطي بشكل أكثر جدية مع مطالب العمال وتحسين ظروف تشغيلهم.

"
رغم أن حكومات حزب الليكود هي التي شرعت في تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي المقدمة للطبقات الفقيرة فإن هذه الطبقات تمثل بشكل أساسي القاعدة الجماهيرية لهذا الحزب
"
الطبقات الفقيرة تتعلق بمن يمس بها
من المفارقة التي ينتبه إليها كل من يراقب الأوضاع في الدولة العبرية هي حقيقة أنه على الرغم من أن حكومات حزب الليكود هي التي شرعت في تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي المقدمة للطبقات الفقيرة، فإن هذه الطبقات تمثل بشكل أساسي القاعدة الجماهيرية لهذا الحزب.

من المعروف مثلا أن سكان مدن التطوير التي تنتشر في شمالي وجنوبي الدولة العبرية، وكذلك الأحياء الشعبية في المدن الكبرى هي من أكثر المناطق معاناة من ظاهرة الفقر، إلا أنها في المقابل تمثل الجمهور الانتخابي لحزب الليكود.

ومن المعلوم أن سكان هذه المناطق يحتجون بشدة على السياسات الاجتماعية والاقتصادية لحكومات الليكود، إلا أنه عند ساعة الاختبار في الانتخابات يتجه هؤلاء مرة ثانية لانتخاب الليكود وممثليه.

علماء الاجتماع السياسي في إسرائيل فشلوا في وضع تفسير مقنع لهذه الظاهرة، لكن في نفس الوقت يمكن أن يعني هذا أن هذا الواقع مرشح للتواصل على اعتبار أنه لا يواجه بممانعة جدية.

خطر وجودي
على الرغم من المسوغات الأيديولوجية التي توضع لتبرير المس بالطبقات الفقيرة وتقليص مخصصات الرفاه الاجتماعي المقدمة لها، فإن هناك الكثير من الدلائل التي تؤكد أن هذه السياسات تؤدي إلى نتائج سلبية بالنسبة لمستقبل الدولة.

وهذه النتائج تنتظم لتشكل في مجملها خطرا وجوديا على مستقبل الدولة، إذ إن تقليص هذه المخصصات يعني أن الدولة العبرية لم تعد كما كانت مناخاً لجذب اليهود، وقد ساعد على ذلك أيضا تدهور الأوضاع الأمنية.

"
تقليص مخصصات الرفاه بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية يعني أن الدولة العبرية لم تعد كما كانت مناخاً لجذب اليهود
"
هذا الواقع أدى إلى بروز ظاهرة الهجرة العكسية، بحيث إن مزيداً من اليهود في الدولة باتوا يتركونها بحثاً عن واقع اجتماعي وأقتصادي أفضل.

في العام الماضي كان اليهود الذين يغادرون الدولة أكثر من الذين يهاجرون إليها، وفي حال تواصلت هذه الظاهرة فإن ذلك سيحقق كابوس الخطر الديموغرافي الذي يقض مضاجع القائمين على دائرة صنع القرار في الدولة العبرية، حيث يتوقع أن يتفوق الفلسطينيون على اليهود من حيث عدد السكان في المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

لهذه الأسباب جاء التحذير من مغبة مواصلة الإستراتيجية التي شرع في تنفيذها نتنياهو رئيساً للوزارء قبل ثمان سنوات، ويواصل تطبيقها حالياً وزيرا للمالية.

المحلل الاقتصادي سيفر بلوتسكر يقول إن معطيات الفقر للعام "تعكس سياسة متطرفة لم تميز كما ينبغي بين الإصلاح والهدم، بين الإشفاء والخنق، بين الإصلاح في الرفاه وبين تآكل أسسه".

ويضيف " أصبح الفقر قنبلة موقوتة وطنية لإسرائيل، لا توجد في أي مجال من مجالات حياتنا المدنية مشكلة تتلظى أكثر من الفقر، إنه جرح نازف وخطير. والنضال من أجل تقليص الفقر يجب بالتالي أن يقف على رأس جدول الأولويات المدنية للدولة".
______________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف