داق هيربيورنسريد

- الإندونيسيون إيجابيون
-
الأميركيون يفضلون الحياد 
- لماذا العلاقة الحميمة بين الحكومة الأميركية وإسرائيل؟

أثبتت استطلاعات الرأي أن الأوروبيين الغربيين متحدون ضد بوش، وهذا يجب أن يبعث الأمل عند المسلمين وغيرهم لأنه يوضح أن ما يروج له البعض من صدام للحضارات ليس سوى صراع سياسي حاد داخل دولنا.

فليست هناك دولة في العالم ستحتفي بخسارة بوش في الانتخابات الأميركية القادمة أكثر من النرويج، وحتى سكان الدول الإسلامية كانت آراؤهم حول بوش أكثر توازنا وأقل انتقادا من النرويجيين، علما بأن النرويج عضو في حلف شمال الأطلسي ودولة مسيحية معلنة في أقصى شمال أوروبا.

"
32 من أصل 35 بلدا فضلت كيري على بوش، ولم يتمن إعادة انتخاب بوش سوى نيجيريا والفلبين وبولندا
"
قد يكون هذا مفاجئا للكثيرين بل قد يعتبره البعض محض هراء، لكن هذا هو الواقع الذي أثبتته آخر المصادر الموثوق بها.

فقد نشرت غلوبسكان وبيبا (برنامج قياس الرأي السياسي في العالم) نتائج استطلاعهما المسمى "الرأي العام العالمي" الذي شمل 34 ألف شخص من 35 بلدا طلب منهم التعبير عن آرائهم إزاء السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وكان أهم ما خلص إليه الاستفتاء هو أن 32 من أصل 35 بلدا فضلت كيري على بوش، ولم يتمن إعادة انتخاب بوش سوى نيجيريا والفلبين وبولندا.

لكن هذه النتائج أظهرت أنماطا لم يكن أغلب الناس يتوقعها، فمثلا لا يؤيد بوش سوى 7% من النرويجيين مقابل 74% يؤيدون كيري.

الإندونيسيون إيجابيون
أظهر الاستفتاء أن النرويجيين أكثر تأييدا لكيري حتى من الفرنسيين والألمان، لكن الأعجب هو أن سكان إندونيسيا -أكثر الدول الإسلامية سكانا- أكثر إيجابية إزاء بوش من 10 دول أوروبية شملها الاستفتاء, فـ34% من الـ220 مليون إندونيسي يؤيدون إعادة انتخاب بوش.

ولو صدقنا نتائج الاستفتاء فإن هذا يعني أن 70 مليون إندونيسي يؤيدون بوش، وهذا العدد يتجاوز عدد كل مؤيديه في الدول الأوروبية العشر، ومع ذلك يبقى كيري الرئيس المفضل بالنسبة للإندونيسيين بنسبة 57%.

يجب هنا أن نأخذ في الاعتبار أن إندونيسيا بلد آسيوي، وآسيا هي القارة الأقل انتقادا للإدارة الأميركية الحالية حسب بيبا، ففي الهند مثلا تتساوى نسبة المرشحين بوش وكيري.

من المدهش أيضا أن نكتشف أن تركيا وكزاخستان الدولتين المسلمتين الأخريين اللتين شملهما الاستفتاء انقسمتا إلى حد ما بين المرشحين.

"
سكان إندونيسيا -أكثر الدول الإسلامية سكانا- أكثر إيجابية إزاء بوش من 10 دول أوروبية شملها الاستفتاء, فـ34% من الـ220 مليون إندونيسي يؤيدون إعادة انتخاب بوش
"
فقد أيد 40% من الأتراك المرشح كيري بينما أيد 25% منهم المرشح بوش، أما في كزاخستان فكانت النسبة 40% لكيري مقابل 12% لبوش، وهذه نسبة مماثلة للتي حصل عليها كل من المرشحين في المملكة المتحدة.

ويلاحظ هنا أن ربع الأتراك وربع الكزخ لا يعني لهم أي من المرشحين شيئا، ويفسر البعض ذلك بأن بغض هؤلاء المسلمين للأميركيين وصل حدا جعلهم لا يهتمون بالذي سيستلم زمام الأمور هناك.

وهذا وضع مغاير تماما لوضع النرويج, البلد الذي أعيش فيه, فقد اختار 81% من النرويجيين مرشحهم في انتخابات الولايات المتحدة بينما لم يصوت في الانتخابات الحكومية في النرويج نفسها عام 2001 سوى 74%، مما يظهر أن النرويجيين أكثر اهتماما بالسياسة الأميركية منهم بسياسة حكومتهم.

ولم تختلف نتائج الاستفتاء أيضا عند الإجابة على سؤال بيبا: هل جعلتك سياسة بوش تنظر بصورة "أفضل" أم "أسوأ" إلى الولايات المتحدة؟

فلم يجب بـ"أفضل" سوى 3% من النرويجيين بينما أجاب 74% بـ"أسوأ". وهنا أيضا لم يعبر سكان أي دولة أخرى عن موقف أكثر سلبية تجاه الحرب على الإرهاب التي يقودها الأميركيون من النرويجيين.

غير أن مواقف الأوروبيين الآخرين لم تكن أكثر إيجابية، حتى البولنديين الذين كانوا أقل الأوروبيين عداوة إزاء هذه الحرب لم يجب منهم بـ"أفضل" سوى 15% مقابل 41% أجابوا بـ"أسوأ".

لكن المرء يقف حائرا مرة أخرى أمام إجابات سكان الدول الإسلامية الثلاث، فقد قال 44% من الإندونيسيين بأن الولايات المتحدة "أفضل" بسبب سياسات بوش الخارجية مقابل 49% قالوا "أسوأ". أما الأتراك فكانوا أكثر إيجابية من أي بلد أوروبي آخر بينما ظلت النسبة في كزاخستان كمثيلتها في بريطانيا تماما.

قد يعتقد البعض أن هذه النظرة السلبية المحدودة للولايات المتحدة تخص الدول الإسلامية ذات الحكم المركزي الديمقراطي كتركيا وإندونيسيا، لكن استطلاعات للرأي أجريت هذا الربيع  في أفغانستان أثبتت أن 64% من الأفغان يعتقدون أن بلدهم يسير في الاتجاه الصحيح وأن نسبة مماثلة عبروا عن تأييدهم للوجود العسكري الأميركي في بلادهم.

الأميركيون يفضلون الحياد
"
أبرز المفكرين الأوروبيين ظلوا يرفضون الثقافة والقيم وأنماط الحياة الأميركية خلال القرنين الأخيرين حتى أن 71% من الفرنسيين يرون أن انتشار الأفكار والعادات الأميركية أمر سيئ
"
من جهة أخرى استنتجت استطلاعات للرأي أجريت في بعض دول العالم العربي أن أغلب سكان تلك الدول يرفضون السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

لكن يجب أن لا ننسى أولا أن صورة الأميركيين كانت أفضل بكثير قبل 11 سبتمبر/ أيلول، ما يعني أنها قد تتحسن لو غيرت أميركا بعض سياساتها.

ثانيا، علينا أن نعلم جميعا أن سكان أوروبا الغربية لا يثقون في الأميركيين، ولا يقتصر ذلك على الثقافة الأميركية بل يشمل السياسة كذلك.

فقد رفض أبرز المفكرين والفلاسفة الأوروبيين الثقافة والقيم وأنماط الحياة الأميركية خلال القرنين الأخيرين، ويرى 71% من الفرنسيين أن انتشار الأفكار والعادات الأميركية أمر "سيئ" مقابل 25% يعتبرونه "جيدا" حسب الاستطلاع الشامل لمركز بيو، بينما كانت إجابة اللبنانيين والأوزبك أكثر تأييدا لما هو أميركي.

ثالثا، أظهر استطلاع للرأي أجرته بيبا في أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أن الشعب الأميركي لا يختلف في نظرته للعالم عن بقية الشعوب، وأن الأغلبية الساحقة من الأميركيين  "يؤيدون بقوة سياسة متعددة الاتجاهات"، وأن 74% من الأميركيين يعارضون تأييد حكومتهم لإسرائيل على حساب الفلسطينيين ويريدون أن تظل دولتهم حيادية.

لماذا العلاقة الحميمة بين الحكومة الأميركية وإسرائيل؟
يعطي مركز بيبا الإجابة التالية في الخلاصة التي خرج بها:
"اكتشفت الدراسة أن السياسيين الأميركيين يسيئون تقدير مواقف الشعب الأميركي بهذه المسائل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمبادرات المتعددة الاتجاهات.. فأغلب الأميركيين يعتقدون خطأ أن الكونغرس وممثليهم المحليين يصوتون دائما لاختياراتهم". وهذا يدعونا لطرح السؤال التالي "هل تعتمد السياسات الدولية الحديثة على سوء فهم بالغ وشنيع؟

"
الأغلبية الساحقة من الأميركيين يؤيدون بقوة سياسة متعددة الاتجاهات، و74% منهم يعارضون تأييد حكومتهم لإسرائيل على حساب الفلسطينيين ويريدون أن تظل دولتهم حيادية
"
إننا نستنتج على الأقل أن كل هذه الاستفتاءات تؤكد أن الناس -بغض النظر عن ثقافتهم- لا يختلفون كثيرا في نظرتهم إلى القضايا العالمية الكبرى، فليس هناك صدام حضارات كما روج لذلك برنارد لويس وصمويل هنتنغتن خلال السنوات العشر الخيرة، بل إن الشقاق والانفصام الحاصل اليوم ليس صراعا بين الثقافات أو الحضارات أو الأديان.

بل إن الاختلافات العميقة داخل ثقافاتنا وأدياننا أمر يمكن إيقافه وحسمه. أما الخلاف القائم الآن فهو بين أفراد قد يفضلون بوش وحربه الحالية على الإرهاب وهم ربما مسلمو إندونيسيا وليسوا مسيحيي أوروبا وبين أفراد يرفضون ذلك.

فالبشر يتفقون ويختلفون حسب ما يعتقد كل واحد منهم بداخله وليس حسب لون بشرته الخارجية.

لا أريد هنا أن أقول إننا سنواجه مشاكل أقل في المستقبل، فعلينا جميعا أن نحارب شيطان أنفسنا الذي يحاول أن يقنعنا بأننا نواجه خطر غزو ثقافة غريبة، وليفز أفضل مرشح للعالم في الانتخابات الأميركية القادمة.

_________
كاتب نرويجي

المصدر : غير معروف