أكرم البني

 

ليس غريباً أو مفاجئاً أن تظهر فكرة إحياء المجتمع المدني في بلد مثل سوريا التي هي نموذج متأخر للبلدان التي حكمتها أنظمة شمولية لعقود من الزمن، احتكرت حقل السياسة ومعظم أوجه النشاط الاقتصادي وفرضت نفسها كمجال وحيد للحراك الاجتماعي، مما غيب الوجه الديمقراطي للحياة وأسقط دور الإنسان بوصفه المحرك الرئيس لكل نمو وتحدٍ، ودمر تالياً المجتمع المدني أو همشه وألحق منظماته بالسلطة إلحاقاً تاماً.

 

فباسم المشروعية الثورية أو الوطنية نصبت النخبة الحاكمة نفسها وصياً على البلاد والعباد، وأنكرت حق المجتمع في الوجود المستقل، لتبيح لأجهزتها التدخل في كل شيء بما في ذلك إعادة تشكيل المجتمع ومتابعة أدق تفاصيله، ملحقة منظماته الأهلية والجمعيات غير الحكومية والنقابات بسيطرتها المباشرة، النوادي الرياضية بالاتحاد الرياضي والأنشطة الطلابية وفرق الكشافة باتحاد شبيبة الثورة والمنظمات النسائية بالاتحاد النسائي والمنتديات الثقافية بوزارة الثقافية..الخ وبات أي خرق أو تجاوز لهذه المنظومة يلقى الإدانة والقمع والعقاب!!..

 

"
لجان إحياء المجتمع المدني ليست مرجعية أو بديلاً أيديولوجياً أو منافساً سياسياً بل هي فضاء مفتوح على التنوع واحترام التعددية وحق الاختلاف
"
لكن فكرة إحياء مجتمع في حال من الموات المزمن ما كان لها أن تحضر وتشق طريقها في الحياة لو لم تتضافر أسباب مباشرة، منها تداعيات المتغيرات بعد انهيار السلطات الاشتراكية وهزيمة الأيديولوجية والعقلية الوصائية، ومنها الارتخاء النسبي للقبضة القمعية بدافع اضطرار السلطة للتكيف مع نمو حاجات المجتمع ومواكبة التطورات العالمية.

 

ومنها محاولة التعويض عن قصور دور المعارضة السياسية وقد أضعفها القمع والإقصاء وشروط نضال قاسية، ومنها أخيراً التحديات والأخطار التي تحدق بالوطن وحضور روح عالية من المسؤولية لدى أوساط ثقافية تتطلع إلى تجنيب البلاد النتائج السلبية التي يحتمل أن تنجم عن تغيير مبهم وغامض ربما يتفتق عن اقتتال مجاني، طائفي أو قومي، على قاعدة ماض من الصراع الدموي بين السلطة والإخوان المسلمين وفي ضوء نمو الحال الكردية التي لايزال عشرات الألوف من أبنائها محرومين من أهم حقوقهم الثقافية والإنسانية.

 

يمكن القول إن وعياً جديداً نشأ في أوساط واسعة من المثقفين يستند إلى فكرة الرهان على تسخير المجال الثقافي ليكون مدخلاً مناسباً للحراك المدني، تبلور بين خريف عام 2000 وربيع 2001 في وثيقتين تأسيسيتين صدرتا باسم لجان إحياء المجتمع المدني، تشجعان على إيلاء البنية المجتمعية والمدنية الأولوية في النشاط، وإيصال قدر من الأفكار والمعارف إليها تمكنها من وعي وإنتاج نفسها كهيئة عامة مستقلة نسبيا عن التمثيلات السياسية.

 

واستدعى التركيز على هذا الهدف غير المسبوق في تاريخ سوريا تبدل المهمات واستخدام السياسة كرافعة للعمل المدني على أن يقلص دورها أكثر فأكثر لصالح هذا الأخير.

 

وكان لا بد لضمان اللحمة ووحدة الإيقاع أن يعتمد المشاركون مبدأ التوافقات وبناء تفاهمات عامة كمساحة للقاء والنشاط المشترك مما يعني القبول بالرأي الآخر والابتعاد عن العقلية الوصائية وأساليب الأحزاب، والتأكيد على أن لجان إحياء المجتمع المدني ليست مرجعية أو بديلاً أيديولوجياً أو منافساً سياسياً بل هي فضاء مفتوح على التنوع واحترام التعددية وحق الاختلاف.

 

عرفت الوثيقة التأسيسية الأهم باسم وثيقة الألف، نسبة إلى عدد الموقعين عليها، وهم شريحة واسعة من المثقفين السوريين جاؤوا من شتى المنابت والمشارب ربما رداً انعكاسياً على هزيمة السياسة والأحزاب والعقائد أو لأنهم استشعروا حيوية الحرية والمساواة وقيم المواطنة وحقوق الإنسان، وأدركوا حجم المخاطر المحتملة التي يمكن أن تنجم عن عجز المجتمع وعطالة السلطة الشمولية واستشراء الفساد، متطلعين إلى حكم رشيد يتيح فرصاً متساوية لسائر القوى الاجتماعية في الحياة العامة.

 

بدأ هؤلاء المثقفون التنقيب عن ممر آمن يعيد الحياة إلى المجتمع وينشر علاقات صحية بين الناس بعيداً عن لغة الإقصاء والإفناء، فحملت وثيقتهم توافقاً عريضاً على مبدأ الحوار الوطني العام واتخذت موقفاً إيجابياً من الإصلاح الذي يجب أن يكون شاملا وعصبه الأساسي الإصلاح السياسي.

 

"
يشكل إحياء المجتمع المدني التنقيب عن ممر آمن يعيد الحياة إلى المجتمع وينشر علاقات صحية بين الناس بعيداً عن لغة الإقصاء والإفناء
"
وبينت أن لجان إحياء المجتمع المدني لجان مجتمعية مستقلة لا مركزية وغير حزبية، تنبذ العنف والقمع والإكراه وتعتمد الحوار والنضال السلمي سبيلا لحل المشكلات، وتهدف إلى تنشيط الحياة العامة واستعادة المواطنين إلى حقل العمل العام والمشاركة الإيجابية، وإلى إعادة إنتاج الثقافة والسياسة في المجتمع بوصفهما شرطين أساسيين من شروط التقدم والبناء الديمقراطي.

 

تميزت لجان الإحياء في السنوات الأربع من نشاطها بهويتها الديمقراطية وقربها من الناس وبقدرتها على المبادرة لتفعيل مشاركات نضالية تحتية وطنية وديمقراطية وأيضاً بخطابها الموضوعي المفعم ثقة بالناس والساعي إلى تخفيف الاحتقانات والتشجيع على الإصلاح والتغيير، لتغدو مع الزمن فضاء آمناً للجميع أعاد بناء عتبة من الثقة بين مختلف الأطراف كان مجتمعنا في أمس الحاجة إليها.

 

وكان التحدي أن يستمر النشاط الإحيائي بعد انتكاسة "ربيع دمشق " وعودة المناخات الأمنية وحظر المنتديات الثقافية والاعتقالات التي طالت بعض نشطاء المجتمع المدني واتخذت بحقهم أحكاما جائرة، فثابرت اللجان على نشاطها التثقيفي وندواتها الحوارية، وبذلت جهداً خاصاً لحماية ما وصلت إليه.

 

وساهمت في إذابة جدران الجليد بين قوى عرفت الجفاء والقطيعة وطورت التواصل بين الفاعليات العربية والكردية وننوه هنا بدورها الخاص في تخفيف التوترات وتهدئة النفوس إبان أحداث القامشلي المؤسفة، إضافة إلى الدور المتميز الذي لعبته في الاعتصامات الوطنية لنصرة الشعب الفلسطيني أو العراقي وأيضاً المطالبة بالحريات وحقوق الإنسان والتناوب في حضور التجمعات التضامنية مع المعتقلين أمام محاكمهم والاعتصام الشهير في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أمام رئاسة مجلس الوزراء في العاشر من يناير/كانون الثاني من العام الماضي الذي يرجح أن يتكرر هذا العام، وأيضاً إصرارها على وضع السلطة أمام مسؤولياتها وتوجيه عدة عرائض إلى رئاسة الجمهورية تدعو لحوار وطني عام ولإنجاز برنامج للإصلاح الديمقراطي وهو ما يمكن أن يقي المجتمع من عواقب خطيرة ومدمرة.

 

ولعل الدرس العراقي البليغ لجهة العجز في لحظة الخطر عن استنهاض مجتمع في حال موات، أعطى دفعة موضوعية لدور لجان الإحياء، إلا أن التحديات والضغوط الخارجية أحدثت التباسات فكرية وسياسية وارتباكاً في عمله، وبات لزاماً إعادة النظر في بعض التوافقات التي شابها الغموض، وخاصة لجهة إيضاح التخوم بين النشاطين المدني والسياسي وأيضاً حدود التسامح مع الرأي الآخر ومدى تقبل التعددية والاختلاف.

 

يمكن اعتبار الارتباك الذي تعانيه اليوم لجان إحياء المجتمع المدني ظاهرة صحية يستدعيها النمو والتجاوز وليس الترهل والانحطاط، تطلبت وقفة لإعادة صياغة الرؤى والمفاهيم حول العملية الإحيائية وخلصت أكثر فأكثر إلى ضرورة تخفيف التوغل السياسي والانحياز أكثر لصالح العمل المدني، وأيضاً توسيع مساحات الحرية لاستيعاب مشاركة كل التنوعات الفكرية والسياسية في هذه العملية على حساب العقل الوصائي والتصورات الحزبية أو الأيديولوجية المسبقة، فالبديهي أن تحترم لجان الإحياء التنوع والتعدد كانعكاس طبيعي للتنوع والتعدد الموجود أصلاً في المجتمع غرض الإحياء.

 

"
الدرس العراقي البليغ لجهة العجز في لحظة الخطر عن استنهاض مجتمع في حال موات أعطى دفعة موضوعية لدور لجان الإحياء
"
وهنا يجب التنبيه إلى أن ثمة فارقا في خصوصية التجربة السورية بين فكرة إحياء المجتمع المدني وبين المجتمع المدني ذاته وتالياً التمييز بين لجان غرضها إحيائي وبين التكوينات المدنية وأدوارها التخصصية، فالأولى فعل إقلاعي يحاول نشر وتعميم الثقافة المدنية وحفز بعض العوامل المحركة للمجتمع للنهوض وتشجيع المبادرة الذاتية والجمعية وتعزيز ثقة البشر بأنفسهم وجدوى دورهم في تحقيق التحولات وحماية التغيرات الاجتماعية.

 

والثانية هي مجموعة المؤسسات والمنظمات التطوعية، كالجمعيات الأهلية والحركات الاجتماعية غير الحكومية الملتفة حول أنشطة سياسية وحقوقية أو خدمية (حقوق الانسان، المرأة، البيئة، حماية المستهلك...)، تملأ الفضاء العام بين الفرد والدولة، وتنشأ بدافع نمو مصلحة مشتركة لأعضائها أو لتقديم مساعدات عامة للمواطنين، تحكمها أنشطة متنوعة تدعو الناس إلى المشاركة في تقرير مصائرهم وفي مواجهة السياسات التي تؤثر على حقوقهم وشروط معيشتهم.

 

وإذ يعني إحياء المجتمع المدني فيما يعنيه تعميم مفهوم المواطنة واعتباره معيار التشارك والمساواة بين الناس، فهو يقف على مسافة واضحة من الروابط البدائية للمجتمع الأهلي، كرابطة الدم أو الدين التي تغذي العلاقات العشائرية والطائفية لتحتل الأولوية في تقييم الفرد وبناء موقف منه.

 

ويقف الفعل الإحيائي على مسافة من الحقل السياسي الذي تحكمه مبادئ وبرنامج عام للتغير، بل يمكن اعتبار إحياء المجتمع المدني سياسة لكن من نوع آخر، لكونها تسعى إلى نمط مختلف من التنظيم والنشاط الاجتماعي ترعاه علاقات بين أفراد وفئات متنوعة بوصفهم أعضاء في مجتمع واحد تجمعهم هموم مشتركة وحرص موحد على الوطن دون النظر إلى اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم الفكرية والسياسية، مما يعني توليد حقل من التضامنات النابعة من شروط حياة البشر وتساكنهم وهمومهم لا يخضع لبرنامج حزبي أو لإرادة سياسية.

 

فكرة الإحياء تأخذ قوتها من ضرورة خلق مقومات تراكمية في المناخ والوعي والعمل الملموس للرد على سيطرة شمولية زرعت السلبية والشعور بعدم الجدوى وروح الخلاص الفردي في الأوساط الشعبية، ونجاحها يتطلب جهداً حقيقياً على أكثر من صعيد، بدءا من توفير مناخ صحي وآمن يزيل ظواهر القمع والوصاية ويشجع أبناء الوطن الواحد على التواصل على قاعدة الهم المشترك ومبدأ التعاون والتكافل.

 

فلا يمكن الحديث عن مجتمع مدني حي في إطار دولة تسلطية بل يتطلب نجاح عملية الإحياء نقد وتغيير المناخ السياسي السائد وتوفير شرط جديد يزيح بعبع الخوف والرعب ويفتح شهية الناس إلى المشاركة في الشأن العام، مرورا بنشر ثقافة الديمقراطية وتربية النفس والآخرين على التسامح واحترام ظواهر التعددية وحق الاختلاف وتخفيف حدة الاستقطابات والتوترات المجتمعية ونوازع التطرف والمغالاة، فعملية الإحياء لا تتطلب الدخول في مواجهات عنيفة وحادة، بل تعزيز طرائق الحوار والنقد وعوامل الضغط السياسي السلمي والتحتي.

 

"
فكرة الإحياء تأخذ قوتها من ضرورة خلق مقومات تراكمية في المناخ والوعي والعمل الملموس للرد على سيطرة شمولية زرعت السلبية والشعور بعدم الجدوى
"
ولابد من تنشيط الدعوة لخلق تشابكات متنوعة بين أفراد المجتمع وفئاته المختلفة تنطلق من اعتبار مبدأ المواطنة والشراكة المتكافئة في الوطن دون غيره من الروابط العشائرية أو الطائفية أو القومية أو الحزبية التي هي مصدر الحقوق والواجبات وأساس العلاقة والمساواة، مما يقرب المسافات بين كتل مجتمعية تعيش حالة من التمحور النسبي على الذات أو يميزها حد من الخصوصية بسبب تفاوت وجوه همومها ومعاناتها....

 

المعارضة وأطيافها، الشارع الديني والدائرون في فلك الإسلام السياسي، الوضع الكردي، وكم كبير من النشطاء والشخصيات المستقلة لاتزال محبطة من فشل تجاربها السابقة، وكذلك قوى داخل تركيبة الدولة ومؤسساتها.

 

يضاف إلى هذا كله البحث عملياً عن مبادرات أولية تغذي إيمان الناس بأنفسهم وبجدوى دورهم وتخلصهم من الخوف والتردد مثل إشراكهم في مناقشة ومعالجة أي معضلة من المعضلات الإنسانية التي تشهدها الحياة اليومية واحتضان أي شكل من أشكال العمل العفوي بما في ذلك استنباط المهمات البسيطة لاستنهاض قوى المجتمع المدني وترميم ما تهمش من منظماته أو تحرير ما أخضع منها.

 

عملية إحياء المجتمع المدني ليست رغبة أو فعلا إراديا بل استجابة لشرط موضوعي استدعى تراجع الدولة عن سيطرتها الشمولية واضطرارها للانسحاب من بعض المواقع  للتخفيف من أعباء لم تعد قادرة على تحملها.

 

ويبقى أحد وجوه التحدي الإحيائي الإجابة على سؤال كيف يمكن استثمار الفرص والعمل على إنعاش دور المجتمع في المجالات والقطاعات التي تنسحب منها الدولة، ومنازعتها لاسترجاع منظمات المجتمع المدني واستقلالها، مما يعني أن النشاط الإحيائي ليس مجرد مهمة يمكن إنجازها في وقت محدد بل مستمرة حتى اللحظة التي تنخفض فيها المساحات المهمشة اجتماعياً وسياسياً وترتقي فيها درجة التضامن بين القوى والتكوينات المختلفة وتعم العلاقات القائمة في المجتمع على أساس التعاون والتنافس الحيوي.

 

"
إحياء المجتمع المدني ليس رغبة أو فعلا إراديا بل استجابة لشرط موضوعي استدعى تراجع الدولة عن سيطرتها الشمولية واضطرارها للانسحاب من بعض المواقع للتخفيف من أعباء لم تعد قادرة على تحملها
"
لم يختبر الفعل الإحيائي في سوريا بما فيه الكفاية ولايزال في اتجاهه العام تطلعا معرفيا يحاول أن يكتشف مستوى من مستويات التنظيم البشري هو التحتي والأعمق، على الرغم من نجاحه الملموس في وقت قصير في بناء حد من الثقة بالمجتمع وبدور البشر، لاتزال تعترضه صعوبات وعوائق بعضها يتعلق بالشروط الموضوعية السائدة وبعضها بخلل وتفاوت معرفي حول دور العملية الإحيائية وأفقها.

 

ثم إن المتضررين من إحياء المجتمع المدني كثر ويجمعهم خيط واحد هو الخوف على مصالحهم وامتيازاتهم من حراك المجتمع واستعادة دوره، مما يفسر الهجمة المحمومة على المجتمع المدني وأنه بدعة غربية لا حاجة لنا بها، والاتهامات الرخيصة بحق دعاة إحيائه وأنهم أدوات للأجنبي.

 

أضف إلى ذلك تعاظم التحديات في مقابل احتمال ميل المجتمع السوري للتفكك وتنامي أسباب واندفاعات للإجهاز على بقايا المدنية فيه، ومع ذلك تكسب فكرة إحياء المجتمع المدني إلى صفوفها كل يوم أنصاراً جدداً وتبرهن أنها إحدى أهم قواعد الحماية الذاتية لبلادنا في مواجهة الأخطار المحدقة وفي التطلع لبناء مستقبل ديمقراطي لا رجعة فيه.
______________
كاتب سوري

المصدر : غير معروف