كشفت الانتخابات التي تجرى في الدول العربية والإسلامية  عن ظاهرة انتهاء صلاحية النخب المسيطرة منذ بداية الخمسينيات، وأن نخبا أخرى تشكلت لم تكن تحتل موقعها العادل أو المفترض، وهو أمر يمكن أن ينسحب على جميع الأقطار العربية والإسلامية، وسيكون الحديث عن النخب العربية ومصيرها قضية تشغل البحث الاجتماعي والسياسي في السنوات القادمة.
 
تحولات مجتمعية ونخبوية
تظهر الانتخابات النيابية التي جرت في الأردن عام 2003 أن أكثر من ثمانين نائبا من بين 110 نواب كانوا دخلوا مجلس النواب للمرة الأولى، ومن بينهم سبعون نائبا على الأقل لم يشغلوا من قبل منصبا وزاريا أو إداريا من الفئة العليا، وهذا قد يدل على حراك مجتمعي ناشط وحيوية اجتماعية، فالمجتمع القادر والراغب في تغيير قياداته وتجديدها هو الأقدر على استيعاب التحولات المحيطة، وفهم احيتاجاته. وقد يدل أيضا على تحولات مهمة تجري في النخب الأردنية والعربية.
 
ويمكن أن نقرأ في هذا الاختيار نتائج كثيرة جدا ومهمة، فالمجتمع يدافع عن نفسه باختياراته هذه ليحمي فئات من المجتمع أضعفتها التحولات الاقتصادية، ويكسر الحلقة المغلقة في نادي النخب التي يغلب عليها الوصول من مدخل المناصب العليا والمكانة الاقتصادية.

"
المجتمع يدافع عن نفسه باختياراته ليحمي فئات من المجتمع أضعفتها التحولات الاقتصادية، ويكسر الحلقة المغلقة في نادي النخب التي يغلب عليها الوصول من مدخل المناصب العليا والمكانة الاقتصادية
"
وتمكن ملاحظة عدد كبير من الشباب الذين انتخبوا من العصاميين الذين شقوا طريقهم في الحياة بأظافرهم، بل إن بعضهم مر بتجارب استثنائية لم يعرفها معظم الشباب من جيله، فمحمد عقل نائب البلقاء في الأردن على سبيل المثال، وهو من مواليد عام 1966 كان يعمل مساء في مرحلة مبكرة من حياته ليغطي تكاليف دراسته الجامعية الأولى، ثم عمل معلما في وزارة التربية والتعليم.
 
وظل يواصل تعليمه العالي وهو يستعد لنيل شهادة الدكتوراه، وكان في الوقت نفسه من نشطاء العمل العام ورئيسا لنادي البقعة، وعضوا في مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين عام 1994 وربما كان هذا أكثر صعوبة من نجاحه في البرلمان الأردني.

تبدو سيرة محمد عقل أكبر من عمره الزمني بكثير، ولكنها ليست نموذجا نادرا بين النواب المنتخبين ولا في المجتمع الأردني الذي يمتلئ بالشباب المتعلم والمكافح بإرادة قوية.
 
ولكن لماذا لم تنتخب امرأة في مجتمع متعلم وحيوي ويمتلك نسبة عالية جدا من النساء المتعلمات تعليما عاليا يتفوق على الذكور ويشاركن في الحياة العملية ويسافرن للعمل والدراسة حتى من بنات الأسر المحافظة والمتدينة في الريف والبادية؟
 
إن رد عدم انتخاب المرأة إلى تخلف المفاهيم الاجتماعية والثقافية متسرع ويغفل القبول الاجتماعي والثقافي الكبير الذي تحظى به المرأة في المجتمع الأردني، ويتناقض مع إنجازات أخرى كثيرة لها تدل على قبولها وعدم تغييبها (نسبيا)، وقد يصلح لتفسير عدم نجاح المرأة أن المرشحات اللواتي تقدمن لم يكن يملكن بنظر الناخب والناخبة فرصة للنجاح، وأن الفرص المتاحة للمرأة في الحياة العامة برغم وفرتها أبقتها في عزلة عن الناخبين.
 
فالمشكلة في الاختيار الأولي للنساء المشاركات في العمل العام غير النيابي وطبيعة هذه المشاركات وأهميتها بالنسبة للناخب والمجتمع، وأتوقع أن مراجعة شاملة أساسية لبرامج عمل المرأة ومشاركتها ولإخراج أوعية العمل من عزلتها وأناقتها وفوقيتها وجعلها أكثر عدالة وإتاحة الفرصة لعدد كبير من النساء.
 
فالتراكم الكمي يؤدي إلى تراكم نوعي أيضا سيقدم في الانتخابات مرشحات يمتلكن فرص النجاح، فلا يكفي لنجاح المرأة المقولات الكثيرة عن أهمية المشاركة النسائية وضرورتها، لأنه لا ينجحها إلا قناعة الناخب بفرصتها في النجاح وثقته في أدائها.
 
ويبدو لي أن معظم محاولات تفعيل مشاركة المرأة كان يغلب عليها طابع "البزنس" والعزلة، ونسمع عن تمويل كبير من الخارج لمثل هذه الحملات والبرامج، ولكن العمل كان وهميا وموجها نحو اجتذاب التمويل ثم توفير أكبر قدر من هذه المبالغ أو إنفاقها في أنشطة علاقات عامة وتوظيف وإعلام يفيد المشتغلين بها فقط.
 
فالتفسير الأقرب إلى المنطق لعدم نجاح النساء في الانتخابات النيابية هو عجز النخب النسائية القائمة عن التعبير عن التطلعات والتحولات الحقيقية الجارية، وليس الأمر اجتماعيا أو أيديولوجيا.
 
نخبة معزولة ومنبتة
"
تظهر المعاينة للنخب الأردنية أنها ليست طبقة اجتماعية أو اقتصادية أو مهنية راسخة، لكنها مجموعات متحركة مثل الرمال الصحراوية تغلب عليها حداثة التجربة والتمدن
"
تظهر المعاينة للنخب الأردنية (وربما ينطبق هذا على الدول والمجتمعات العربية) أنها ليست طبقة اجتماعية أو اقتصادية أو مهنية راسخة، لكنها مجموعات متحركة مثل الرمال الصحراوية تغلب عليها حداثة التجربة والتمدن، وعصفت بالمثقفين منها الذين كان معظمهم ينتمون إلى التيار والفكر اليساري التحولات التي جرت في الاتحاد السوفياتي في أواخر الثمانينيات، وحولتهم إلى مجموعات طارئة على مجتمع المال والحكم والبزنس يتصرفون بفجاجة غريبة.

وفي هذا السياق يطرح سؤال في غاية الأهمية: من أين تأتي قوة الإسلاميين وهيمنتهم على الحياة السياسية ومنظمات المجتمع المدني في البلاد إذا كانت معظم النخب كما يبدو في استطلاعات الرأي تؤيد الأحزاب والاتجاهات العلمانية؟
 
ربما يكون تفسير ذلك في أن القوميين والليبراليين والوسطيين من العلمانيين برغم أهميتهم النخبوية فإنهم في الحقيقة فئة معزولة من البرجوازيين ومشغولة بالانقسامات والصالونات والندوات، ويأنفون من الاتصال بالفئات الشعبية، بل ومن الاتصال بالأشخاص غير المسيسين من أعضاء النخبة، فهناك كما تدل استطلاعات الرأي 19.5% من النخب يرغبون في الانخراط في العمل الحزبي، ولكن لم تتصل بهم أي من الأحزاب السياسية.

وبينما يستطيع الإسلامي أن يستقل عن الدولة في تحصيل معاشه وضمان مستقبله الشخصي والسياسي فإن القومي –التقدمي يظل في حالة تبعية لمؤسسات الدولة، ليس فقط من أجل توفير مستوى معيشي لائق، بل من أجل تأمين الموقع السياسي أيضا، وقد اعترف 5.6% من أعضاء النخبة الأردنية بأنهم ينأون بأنفسهم عن العمل الحزبي المعارض أملا في الحصول على منصب رسمي، هو واقعا مدخلهم الوحيد لتحقيق زعامة سياسية تؤمنها لاحقا قدرتهم على تقديم الخدمات لقواعدهم الشعبية المحتملة.

وتشكل النساء خزان التأييد الثاني للحركة الإسلامية، فتشير استطلاعات الرأي إلى أن 71.4% من النخبة النسائية الأردنية يؤيدن الإسلاميين، ربما لأن الحركة الإسلامية تقدم فعليا فرصة فريدة للنساء للتحرر الواقعي والمشاركة العامة بدون الاصطدام مع العائلات المحافظة.

وبالإضافة لذلك فإن قوة الإسلاميين تأتي من تمزق القوى التقدمية واليسارية وتبرجزها وعجزها عن بلورة برنامج سياسي مستقل يرتكز رئيسيا على المهمة المحورية في الحياة السياسية الأردنية، وهي إنجاز التحول الديمقراطي، وتأمين الإطار الملائم لنضال الفئات الشعبية من أجل حقوقها المعيشية والثقافية.

وفي إطار ما هو متوقع فإن نسبة تأييد الإسلاميين في صفوف الكتاب والفنانين تبلغ: 2.4%، وفي صفوف رجال الأعمال تبلغ: 7.75، وبين الطلاب تبلغ: 38.5%، وبين المدرسين: 25%.
 
النخبة القادمة
الحوار الأميركي مع الحركة الإسلامية يكشف عن نخبة قادمة تتحين الفرص لتأخذ موقعها، غير أن الصراع السياسي وحده لا يكشف عن حراك النخب، ففي المسار المتبع للنخب من الزراعية من ملاكي الأراضي وقادة القبائل والعشائر والحكام المحليين إلى النخب الصناعية القائمة على المؤهلات العلمية، وخاصة خريجي الجامعات الأميركية ثم البريطانية ثم الأوروبية، فإن مرحلة المعرفة القادمة القائمة على المعلوماتية تفرض مواصفات وشروطا جديدة مختلفة للنخب القادمة، أو ما يمكن تسميته "أرستقراطية المعرفة".

وفي الأردن كشفت الانتخابات النيابية بالإضافة إلى دراسات علمية أن النخب الأردنية يغلب عليها (نحو الثلثين) أنها تخرجت من الجامعات الأميركية أو الأوروبية، ويزيد متوسط أعمارها على الخمسين عاما، وأن 85% من أعضاء الصفوة الاقتصادية يعرفون بعضهم معرفة شخصية، 72% منهم يقيمون بين بعضهم علاقات اجتماعية، وكانت نسبة عالية من قادة القطاعات الصناعية الحديثة من بيروقراطيي الدولة في الوقت الذي اتجهت فيه الحكومة إلى الخصخصة.

وتظهر المسوحات والمعاينة للنخب الأردنية أن قطاع الوزراء مغلق، وأن أكثر من نصفهم تولوا الوزارة أكثر من مرة، وتبلغ نسبة الليبراليين بينهم نحو 67% في حين أنهم (الليبراليون) يشكلون أقل من 9% من النخبة الأردنية.

ولكن النخب النيابية مفتوحة بنسبة تزيد على 70%، وكان معظم النواب في الانتخابات الأخيرة ممن يدخل مجلس النواب للمرة الأولى، ومن غير فئة كبار الموظفين أو الوزراء السابقين أو الأغنياء، والأمر نفسه ينطبق على الانتخابات السابقة، ولكن الأخيرة كشفت أكثر من غيرها عن حراك النخب ودورانها.

"
الحوار الأميركي مع الحركة الإسلامية يكشف عن نخبة قادمة تتحين الفرص لتأخذ موقعها، غير أن الصراع السياسي وحده لا يكشف عن حراك النخب، ذلك أن مرحلة المعرفة القادمة تفرض مواصفات وشروطا جديدة
"
ولكن الظاهرة الأهم في حراك النخب الأردنية التي كشفت عنها الانتخابات النيابية هي الثراء الاجتماعي والسياسي في الأقاليم الأردنية، فقد كان المرشحون ينجحون بفارق ضئيل في الأصوات، وقد حصل عشرات المرشحين في إربد والكرك ممن لم ينجحوا في الانتخابات على أكثر إلى حد الضعف من أصوات نواب نجحوا في الانتخابات في عمان العاصمة.

وكان كثير ممن لم ينجح في الانتخابات يشغلون مناصب وزارية وقيادية كبرى في الدولة، حتى في دوائر البدو فقد نجح أطباء وأساتذة جامعيون شباب في مواجهة وزراء ونواب وقادة سياسيين مخضرمين.

وفي مقابل ذلك فقد كان التنافس الانتخابي في عمان أقرب إلى انعدام التنافس، وكان الفرق بين النائب الأول في الدوائر الانتخابية العمانية والنائب الذي يليه في عدد الأصوات بضعة آلاف، ولولا مشاركة الحركة الإسلامية لكانت الانتخابات في عمان أقرب إلى عدمها.

وهي ظاهرة تحتاج إلى توقف، فكيف تكون العاصمة مركز النفوذ الاقتصادي والسياسي ويقترب الحراك السياسي فيها من التوقف؟ وتكون النخب فيها والقيادات بلا رصيد شعبي، ولا يكاد يعرفها أحد؟ ويكون نجاح النواب فيها يشبه نجاح الزعماء الإقطاعيين والوجهاء الريفيين في الدول العربية في فترة الخمسينيات والستينيات، وفي الوقت نفسه يكون الريف يموج بالتنافس وتداول السلطة والثراء السياسي والتعقيد الاجتماعي؟؟

الأمر أعقد من ذلك بكثير، فالبلدات الأردنية تتجاوز فيها نسبة التعليم الجامعي الـ10%، ونسبة الدراسات العليا بعد المرحلة الجامعية الأولى فيها عالية جدا تفوق الدول الغربية المتقدمة، ونسبة التعليم الجامعي بين البنات في الريف لا تقل عن الذكور، وقد تزيد عليها في المستقبل القريب.
 
وفي الحقيقة فإنه في المعيار الاجتماعي لمفهوم الحضر والريف والبادية لم يعد يوجد أبدا بدو، ولا يكاد يوجد ريف، إذ يغلب على التجمعات السكانية بعيدا عن عمان أنها تجمعات تزيد على الخمسة آلاف نسمة، ولا تخلو بلدة من مدارس أساسية وثانوية للبنين والبنات، وتستوعب جميع الأولاد والبنات في سن التعليم، بالإضافة إلى شبكات الكهرباء والماء والاتصالات والإنترنت والطرق المعبدة، وبالطبع أطباق التقاط الفضائيات وأجهزة الاتصال المتحركة.
ــــــــــ
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة