ليأذن القارئ في استخدام كلمة الجغرافيا في محاولة فهم ما أطلق عليه الشبكة (Network) التي قامت بتنفيذ عملية طابا وفجرت فندق هيلتون طابا ومنتجعين آخرين هما "طرابين ورأس الشيطان"، وذلك يوم الخميس 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2004. وكانت العملية على قدر من الإحكام والقوة بحيث أدت إلى مقتل 35 شخصاً وجرح ما يقرب من 105 آخرين معظمهم من اليهود الذين جاؤوا للاستجمام في منطقة طابا والمنتجعات الموجودة بالمنطقة.
 
وجاءت العملية في وقت كانت فيه القوات الصهيونية تعيث فساداً في قطاع غزة وتمارس عمليات إبادة جماعية حقيقية ضد الفلسطينيين المدنيين العزل، بينما هناك صمت عالمي مطبق يشي بالرضى أو إعطاء الضوء الأخضر لاستمرار العنف الوحشي الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني.
 
"
الإطار المرجعي الرئيسي الذي تحركت هذه الشبكة في إطاره هو الهوية الإسلامية
"
وتضاربت الأقوال والتحليلات حول من قام بالعملية الضخمة والمحكمة التي مثلت ضربة موجعة للوجود اليهودي في سيناء من ناحية، وتعبيراً عن مشاعر التضامن وذهاب بعض الغيظ عن قلوب المسلمين والمستضعفين المقاومين للعلو والاستكبار في الأرض.
 
وبالطبع كما هو معتاد في مثل هذه العمليات التي تمس علاقة الدولة المصرية بالكيان الصهيوني فإن قطاعا من المحللين ذهب إلى أن الموساد أو بعض الجماعات اليهودية المتطرفة هم من قاموا بالعملية كجزء من رد كيد المنطق الصهيوني إلى نحره. وهذا التحليل الذي يمكن وصفه بالأيدولوجي تمييزا له عن الأبستمولوجي أو المعرفي العلمي يمكن وصفه بأنه أيدولوجيا ذات طابع دفاعي تعبر عن التكاتف المصري لحظة الخطر في مواجهة ما يعد عدواناً أو توريطا بنظر أولئك المحللين.
 
وعلى الجانب الآخر تبنى الكيان الصهيوني بسرعة وجهة النظر التي تقول إن من قام بالعملية هو تنظيم القاعدة، وهي رؤية دعائية وعلموية (Scientism) تحاول تثبيت الأقدام الصهيونية إلى جوار الأقدام الأميركية فيما يعرف باسم  الحرب على الإرهاب، أي التنظيمات الإسلامية التي تمثلها القاعدة وكذلك حركات المقاومة الأخرى التي ليس لها أي علاقة بالقاعدة مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى، ومن ثم تعطي مبررا لعمليات القتل الوحشية التي تمارسها خارج القانون والعرف والتقاليد ضد الشعب الفلسطيني وقيادته.
 
وتقريبا كان هذان هما القطبان اللذان استقطبا التحليلات حول الحدث الكبير الذي اعتبر فاتحة لبدايات عنف مروعة في هذه المنطقة التي لم تشهد مثل هذه العمليات من قبل وبهذا الحجم.
 
فما سبق من عمليات كان لها طابع فردي مثل العملية التي قام بها الجندي سليمان خاطر عام 1985 الذي استفزه السلوك الصهيوني للسياح في المنطقة فأطلق عليهم النار، ثم تعرض للقتل في السجون المصرية بدعوى أنه انتحر.


"
مفهوم التنظيم الذي تعبر عنه هذه الشبكات ليس هو مفهوم التنظيم المعروف التقليدي الذي عبرت عنه الأدبيات الغربية خاصة الماركسية
"
في الواقع بسبب خطر عملية التفجيرات وحساسيتها على كلا الطرفين الصهيوني والمصري، كان هناك قدر هائل من التحليلات التي شعرت معها بالدوران في دهاليز معتمة. لكن لحساسية المنطقة التي وقعت فيها العملية من الناحية الإستراتيجية حيث تتجاور الحدود المصرية مع حدود الأردن والسعودية والكيان الصهيوني، وجدنا أنفسنا في محيط من الجغرافيا والخرائط التي توضح موقع الحادث وحساسيته الجيوستراتيجية.
 
ومع إعلان وزارة الداخلية المصرية يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول أنها فكت الشيفرات الغامضة حول الحادث واعتقلت معاوني الذين نفذوه، لم يكن الأمر كما ذهب المحللون الأيدولوجيون على الجانبين المصري والإسرائيلي، ولكنه كان تعبيرا عن شبكة من الأصدقاء والجيران والإخوة.
 
ووجدت نفسي في قلب التحليل الاجتماعي حيث يشير مفهوم الشبكة لعلاقة اجتماعية وسياسية مركبة هي جزء من التعبير عن الشعور بالظلم والاضطهاد والقمع الذي يتم التعبير عنه في شكل حركي يمكن أن يبدأ من نقد السياسة المحلية كحركات البيئة في أوروبا وأميركا، إلى السياسة الكونية كحركات مناهضة العولمة والحرب.
 
والواقع أن محاولة فهم سوسيولوجية هذه الشبكات يقع في قلب التحليل الثقافي وليس التحليل الاقتصادي حيث عجزت التحليلات الماركسية القديمة التي تقوم على مفهوم الطبقة والمطالب الاقتصادية التي مثلتها الحركات العمالية التقليدية في أوروبا خاصة عن تفسير بعض الظواهر الاجتماعية الجديدة التي عرفت باسم الحركات الاجتماعية الجديدة مثل الحركات الطلابية والحركات القومية والحركات الشبابية ذات الطابع الاحتجاجي حيث يعتبر هاجس الهوية والتأكيد عليها هو المفهوم السائد داخل هذه الحركات.
 
فليست المطالب الاقتصادية هي الدافع وراء هذه الحركات أو القاعدة الطبقية هي التي تسود داخلها.
 
ويمثل مفهوم الشبكة أحد المفاهيم الأساسية في الحركات الاجتماعية الجديدة حيث تشكل الصداقات وعلاقات الجيرة والقرابة والمصاهرة أحد المصادر المهمة التي تتكون منها هذه الشبكات للتعبير عن الاحتجاج والرفض.
 
"
الظاهرة الإسلامية "الجهادية" تعيد تشكيل نفسها وفق منطق جديد يقوم على التعبير عن المظالم ضد المسلمين عبر شبكات صغيرة مائعة تتخذ قراراتها بشكل مفاجئ
"
فالحركة الإسلامية والشبكات التي تعبر عنها هي بالأساس تعبير متطابق مع الحركات الاجتماعية الجديدة حيث تمثل مسألة الهوية والدفاع عن مطالب الأمة في حقها في اختيار نمط التشريع والحياة والحكم، المطالب المهمة لهذه الحركات، ولا يمكن من ثم أن تفسر من منظور التحليل الاقتصادي القديم لأن هذه الحركات تتسع للعديد من الأجيال، والخبرات ومسألة الهوية والجوانب المتصلة بالمظالم الرمزية هي التي تمثل ملمحا أساسياً لها.
 
حين كنت أطالع التفصيلات  التي كشفتها أجهزة الأمن المصرية عن الحادثة وجدت نفسي أمام شبكة تتكون وفق منظور الحركات الاجتماعية الجديدة.
 
فقائد العملية هو إياد سعيد صالح فلسطيني الجنسية ويعيش في العريش، وشاركه في التنفيذ صديقه محمد أحمد صالح فليفل واثنان من الإخوة هما سليمان وحماد جمعة طرابين، وتعرفوا على محمد جائز صباح صاحب ورشة ولديه خبرة في عمل المؤقت الذي يضبط وقت التفجير، ثم تعرفوا على محمد عبد الله صاحب ورشة خراطة وهو الذي قام بتثبيت المؤقتات في صناديق السيارات الثلاث التي نفذت الحادث، ثم تعرفوا على إيهاب مصباح وله خبرة أيضا في العمليات المتصلة بتقنيات التفجيرات.
 
إذن نحن أمام شبكة تكونت بينهم أخوة وهم جميعا بالتأكيد لهم علاقات صداقة، وبالطبع فإن علاقات الشبكات هذه تحتاج إلي ما يطلق عليه في العلوم الاجتماعية "الإطار المرجعي الرئيسي" (Master frame) وهو الأيدولوجية التي تتحرك الشبكة وفقاً لها. ويمكن هنا أن نقول إن الإطار المرجعي الرئيسي الذي تحركت هذه الشبكة في إطاره هو الهوية الإسلامية.
 
تشير المعلومات إلى أن إياد سعيد صالح الفلسطيني تحول إلي التدين في عاميه الأخيرين وأجزم أن الذين شاركوا في الشبكة الرئيسية كانوا من المتدينين الإسلاميين وأنهم مثلوا نواة شبكة لها طابع خاص -في تقديري- يتماهى مع طبيعة المنطقة الجغرافية التي يعيشون فيها.
 
فهم شبكة مستقلة ليس لهم علاقات مع التنظيمات الإسلامية المعروفة بحكم أن منطقة العريش وسيناء مناطق مهمشة حتى على مستوى التواجد التنظيمي الإسلامي.
 
وضمن الإطار المرجعي الرئيسي للشبكة مثلت القضية الفلسطينية الموضوع المركزي خاصة أن إبادة جماعية مجنونة يتعرض لها الفلسطينيون وقيادتهم منذ مطلع هذا العام بلغت منتهاها بعد مقتل الشيخ أحمد ياسين ثم الدكتور الرنتيسي.
 
"
التنظيمات والشبكات الإسلامية الجديدة تؤكد أن الظلم الصهيوني والأميركي لعالم الإسلام سيكون فاتحة لأشكال من العنف في مناطق وعلى خطوط تماس جديدة
"
ويشعر المسلمون في العالم كله بالاضطهاد والظلم الذي يواجهونه في فلسطين والعراق، ويزداد الإدراك لدى قطاع الشباب المسلم -وهو القطاع الحركي الحي- في جسد الأمة بأن حملة صليبية تشن على المسلمين ولابد من عمل أي شيء لمقاومتها.
 
من هنا فإن الأصل الفلسطيني لإياد وتحوله إلى التدين والفهم الإسلامي جعله يشعر بالظلم والاضطهاد المريع الذي يواجهه شعبه. ولأنه من أهل العريش فهو يعلم جيداً جغرافية المنطقة وتلافيفها والوجود اليهودي فيها ومتى يكون، وهو يعلم الأوقات التي تزداد فيها كثافة الوجود اليهودي في سيناء خاصة في هيلتون طابا والمنتجعات الأخرى التي يتوافدون إليها في أعيادهم الدينية لهم.
 
ومن المؤكد أن الفكرة راودته من قبل حين زار هذه المناطق وعاشت بين جوانحه وقتا حتى فضفض بها قبل وقوع الحادث بوقت قصير لمن شاركوا معه في التنفيذ خاصة سليمان أحمد صالح فليفل.
 
ويمكن القول إن مفهوم التنظيم الذي تعبر عنه هذه الشبكات ليس هو مفهوم التنظيم المعروف التقليدي الذي عبرت عنه الأدبيات الغربية خاصة الماركسية وهي تنظيم رأسي هيراركي الطليعة هي التي توجه القاعدة، والأوامر تأتي دائما من أعلى.
 
لكن هذه التنظيمات لها طابع مائع (fluid) أي أنها ليست تنظيمات صلبة أو خطية (Linea) أي أنها تنظيمات تعيش مع مجتمعها لكنها لا يمكن الشعور بها أو رصدها أو معرفة ما يدور بخلد أصحابها، فليس عليها عبء التنظيمات بمفهومها التقليدي.
 
وفي سياق التحليل الاجتماعي لهذا النوع من الشبكات أو التنظيمات الصغيرة فإن هذه التكوينات لها وجه خفي غير معروف، وهو ما يؤمن وجودها في مجتمعها دون الملاحقات الأمنية. ولكن هذا الوجه الخفي أو الكامن يتم كشفه والتعبير عنه مع العملية التي يقوم بتنفيذها.
 
من هنا كانت العملية مفاجئة وغير متوقعة لدى أجهزة الأمن المصري رغم أن تحذيرات إسرائيلية وجهت لمصر من احتمال حدوث هذه العمليات من جانب تنظيمات لها طابع إسلامي، كما وجهت تحذيرات للسياح اليهود من عدم السفر إلي سيناء في عيد العريش وأعياد رأس السنة اليهودية.
 
لكن أيضا هذه التحذيرات ذات الطابع المخابراتي تكون قائمة على استقراءات ورصد للواقع ولا تعبر عن معلومات يمكن الوثوق بها، ومن هنا لم يهتم السياح اليهود بها كثيرا كما لم تهتم بها الحكومة المصرية.
 
ولكنه من اللحظة الأولى عقب العملية كان الاستقراء الأمني المصري هو أن العملية قام بها تنظيم محلي ذو طبيعة خاصة وليس له صلة بتنظيم القاعدة أو التنظيمات الإسلامية الأخرى الكبيرة المعروفة، خاصة بعد ضبط العربات التي استخدمت في الحادث. وكان هذا الاستقراء صحيحا في تقديرنا.
 
"
عالم الفعل وليس الكلام سيكون عنوان التنظيمات الإسلامية في المرحلة القادمة
"
ويمكن القول إن الظاهرة الإسلامية ذات الطابع الجهادي تعيد تشكيل نفسها وفق منطق جديد يقوم على التعبير عن المظالم التي توجه للمسلمين من القوى الإقليمية والكونية المتسلطة عبر الشبكات الصغيرة المائعة التي تتخذ قراراتها بشكل مفاجئ لا يمكن توقعه أو التنبؤ به، خاصة أن شبكة تفجيرات طابا أكدت أنها شبكة وظيفية بمعنى أن كل واحد من أعضائها كان له وظيفة محددة وواضحة في العملية.
 
ويلاحظ أن المشاركين هم من أجيال شابة ولم ينالوا قسطاً كبيراً من التعليم، ومن هنا يمكن القول إن هذه الشبكات لا تحتاج إلى التنظير الفكري أو الأيدولوجي فهو موجود، ولكنها شبكات عملية تريد الانخراط في تنفيذ ما تظنه تعبيراً عن الاحتجاج الإسلامي على الظلم الذي يتعرض له المسلمون، وفي نفس الوقت إيقاع بعض الخسائر في العدو لمنح الثقة لبقية الأمة في قدرتها على الفعل وفي نفس الوقت لشفاء الصدور والنفوس التي تشعر بالألم.
 
إن هذه التنظيمات والشبكات الجديدة تؤكد أن الظلم الصهيوني والأميركي لعالم الإسلام سوف يكون فاتحة لأشكال من العنف في مناطق وعلى خطوط تماس جديدة ربما تكون مريعة، حيث يمكن لمجموعة صغيرة من الشباب أن تنفذ عمليات في منتهي الخطر، وهي في هذا تتجاوز التنظيمات القديمة وتؤكد أن عالم الفعل وليس الكلام هو الذي سيكون عنوان التنظيمات الإسلامية في المرحلة القادمة.

المصدر : غير معروف