تمهيد
كان المحفز الأساسي لـ"مركز الخليج للأبحاث" لتبني أحد خبرائه فكرة إعداد تقرير يتناول احتمال قيام "قوى خارجية" بعملية عسكرية بهدف تدمير القدرات النووية المفترضة لجمهورية إيران الإسلامية، ينبع بشكل عام من مهمة المركز الأساسية في متابعة وتحليل التطورات التي تؤثر في أمن واستقرار دول الخليج.
 
وهناك حافز آخر يتمثل بتكثيف ملحوظ في الحملة الإعلامية القائمة في بعض أروقة الصحافة الغربية التي رافقتها بعض التصريحات الرسمية الإسرائيلية والأميركية التي تشير إلى احتمال تعرض المنشآت النووية الإيرانية لهجوم عسكري يهدف إلى إزالة أو تعطيل البرنامج الإيراني، وهو أمر له تأثيرات شديدة الخطورة والجدية بالنسبة لأمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي.
 
وهذه الورقة محاوله لاستقراء الموقف الخليجي من قبل كاتبها وقراءته الشخصية لواقع التطورات الإقليمية. وهي لا تمثل بأي شكل من الأشكال الموقف الخليجي الرسمي ولا تستند إلى أي معلومات رسمية, بل هي ورقة تحليلية للواقع الراهن والمستقبلي.
 
تنطلق الدراسة من بداهة واقعية، مفادها أن احتمال لجوء "الأطراف الخارجية" إلى الخيار العسكري لإنهاء أو تعطيل البرنامج النووي الإيراني هو أمر لا يبدو مستبعدا لا سياسيا ولا عسكريا، وبخاصة في ضوء قيام إسرائيل عام 1981 بتدمير المنشآت النووية العراقية بهجوم جوي مفاجئ.
 
وتتناول هذه الدراسة هذا التطور، ليس لكونه أمرا حتميا أو قانونيا أو شرعيا، بل لاعتبارات واقعية تشير إلى كون هذا التطور يمثل أحد السيناريوهات المحتمل تجسدها خلال الفترة الزمنية المقبلة، والتي تم تداولها بشكل جدي في واشنطن وتل أبيب.
 
ويتأكد ذلك في ظل حقيقة انعدام البعد العقلاني في السياسة الخارجية الأميركية خلال السنوات القليلة الماضية، إلى جانب حقيقة بروز النـزعة العدوانية الغالبة على السياسية الإسرائيلية.
 
ويضاف إلى ذلك إيمان كلتا الدولتين بحرية تبني ما اصطلح على تسميته بإستراتيجية "الضربات الاستباقية" Pre-emptive Attacks  أو "الإستراتيجية الوقائية" Preventive Strategy، التي تقوم على أساس حق الدولة المكتسب في تدمير مصادر الخطر المحتمل أو المستقبلي قبل موعد تجسده الفعلي، وذلك لضمان أمنها من خلال تحييد الخطر أو القضاء عليه بشكل كامل.
 
"
دول مجلس التعاون الخليجي الست تجد أرضية مشتركة ومصلحة عليا موحدة في دعم سياسة الدول الغربية والمجتمع الدولي الهادفة إلى تجريد إيران من قدراتها النووية
"
تساؤلات خليجية مشروعة
فكرة تدمير المواقع النووية الإيرانية هل هي خيار جدي؟
التساؤل الأساسي الذي يدور في أروقة صناعة القرار في دول مجلس التعاون الخليجي، كما هو الحال في دول عديدة أخرى خارج وداخل منطقة الشرق الأوسط، هو:
 
1) هل من الممكن اعتبار التهديدات الإسرائيلية الأميركية بتبني الخيار العسكري للتعامل مع الطموحات النووية الإيرانية خياراً جدياً؟ أم أنه مجرد تكتيك ووسيلة ضغط سياسي ومعنوي على القيادات الإيرانية، وكذلك على الدول التي تتخذ موقفا متساهلا إزاء المشروع النووي الإيراني، لكونه في حسابات الواقع العملي أمرا غير قابل للحدوث تحت أي ظرف من الظروف؟
 
2) هل يمثل هذا الخيار أحد الخيارات الجدية والحقيقية المتوفرة للتعامل مع ما يصطلح عليه بالخطر النووي الإيراني.
 
إن الأطراف الخارجية المعنية ستلجأ إلى هذا الخيار (الخيار العسكري) فقط في حالة فشل الخيارات الأخرى، وبعد توفر ظروف خاصة، ربما تكون غير متوفرة حاليا، تسمح بتبني العمل العسكري كوسيلة للتعامل مع هذه القضية.
 
لذا فإن موقف صناع القرار في دول المجلس يجب أن يبنى على فرضية "الخيار المؤجل"، أي أن العمل العسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية أمر وارد وجدي، ولكنه ليس حتميا ولا وشيك الحدوث في ظل الظروف السائدة الآن.
 
3) هل أمسى الخيار العسكري ضرورة حتمية للتعامل مع الطموحات النووية الإيرانية المفترضة، ومما يعزز حتمية تجسد هذا الخيار هو افتراض أو حقيقة وجود أسباب ودوافع تتجاوز هدف التدمير الفعلي للقدرات والمواقع النووية الإيرانية، مع أهداف سياسية في أجندة "الأطراف الخارجية" يُرجى تحقيقها عبر خيار العمل العسكري.
 
وكانت مثل هذه الحسابات ماثلة في القرار الأميركي بالعمل على إزالة النظام العراقي بمعزل عن الهدف الذي كان معلنا، وهو هدف نزع العراق لأسلحة الدمار الشامل.
 
ويقوم هذا السيناريو على أساس افتراض أن العمل العسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية لن يكون إستراتيجية أو خيارا أحادي الهدف، بل يعتبر وسيلة وغطاء لتحقيق عدد من الأهداف الأخرى، داخل أو خارج إيران.
 
4) هل خيار العمل المخابراتي (خيار التدمير بوسائل غير عسكرية) للقضاء أو لتعطيل تقدم البرنامج النووي الإيراني يعد بديلا لخيار العمل العسكري المباشر؟ ومثل هذا الخيار هو ما تمت ممارسته بشكل واسع وفعال من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية والغربية خلال فترة منتصف ستينيات القرن الماضي ضد البرنامج المصري لتطوير الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى (سلسلة صواريخ القاهر والظافر).
 
كما تمت ممارسته لاحقا خلال فترة أواخر السبعينيات وحتى التسعينيات ضد البرنامج النووي العراقي وبرنامج "المدفع العملاق" وغيرها من أعمال التخريب المخابراتي من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية والغربية عموما.
 
وهذه النشاطات المخابراتية هي التي سبقت قرار إسرائيل القاضي باللجوء إلى العمل العسكري عام 1981 كوسيلة لتعطيل البرنامج العراقي، وقد تمثلت هذه النشاطات في حملة مخابراتية واسعة شملت في جغرافيتها دولاً عديدة في العالم قادتها أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وترجمت عمليا بسلسلة من عمليات التصفيات الجسدية للعلماء العاملين في البرنامج النووي العراقي من عراقيين وغير عراقيين، ومحاولات متكررة لتدمير المعدات المتعاقد عليها في موانئ الدول المصدرة، وحتى محاولة تدمير معدات ومنشآت المفاعل العراقي على الأرض بسلسلة من عمليات التخريب المدروس للمعدات الأساسية التي يعتمد عليها البرنامج.
 
ولكن لجوء إسرائيل إلى الخيار المخابراتي كوسيلة لتعطيل البرنامج النووي العراقي لـم يثبت فاعليته إلا في حدود ضيقة نتج عنها تعطيل وقتي في سير البرنامج العراقي، واستطاع العراق تجاوزه باتخاذ إجراءات مضادة من قبل أجهزة الأمن العراقية.
 
"
رد الفعل الراهن لدول الخليج يتمحور حول وجود موافقة ضمنية غير معلنة وغير متفق عليها بشكل مسبق على مبدأ وجوب منع إيران من تطوير قدراتها النووية خارج إطار الاستخدامات السلمية
"
المقومات المفترضة للموقف الخليجي
يعتقد الباحث أن هناك حقيقة أساسية يمكن الانطلاق منها كبدهية طبيعية لفهم الموقف الخليجي من أي محاولة تهدف إلى تعطيل أو إنهاء تطوير البرنامج النووي الإيراني وهي: أن دول مجلس التعاون الخليجي الست، بالإضافة إلى الدول الإقليمية الأخرى المجاورة أو القريبة من إيران، وعلى الرغم من اختلاف مواقفها حول القضايا الأخرى وتضارب مصالحها، تجد هذه الدول مجتمعة أرضية مشتركة ومصلحة عليا موحدة في دعم سياسة الدول الغربية والمجتمع الدولي الهادفة إلى تجريد إيران من قدراتها النووية التدميرية الراهنة أو المستقبلية (الكامنة أو المحتملة) Actual or potential capability.
 
كما كانت للدول الإقليمية مصالح مباشرة (معلنة أو غير معلنة) في عملية تجريد العراق من قدراته النووية وإزالة ترسانته من أسلحة الدمار الشامل.
 
ويتلخص الموقف المفترض لدول الخليج  (الرسمي وربما الشعبي) حول قيام محور تفكير أساسي وجماعي يقوم على المبادئ التالية:

أن دول المجلس تتبنى موقفا يؤمن بمبدأ وجوب قيام اتفاق إقليمي يشمل دول منطقة الخليج, وربما منطقة الشرق الأوسط عامة ويشمل  إسرائيل بشكل خاص, هدفه ترسيخ الأسس القانونية لإعلان المنطقة "منطقة منزوعة السلاح النووي" أو "منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل".
 
وأن تلزم جميع دول المنطقة بتطبيق هذا المبدأ وأن تستحدث آلية دائمة وفعالة لتنفيذ الاتفاق ومراقبة الدول التي تمتلك برامج نووية للأغراض السلمية.
 
وتم تأكيد هذا الموقف مجددا من خلال البيان الذي صدر عقب اجتماعات الدورة الـ92 لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي الذي عقد في جدة في 13 سبتمبر/ أيلول 2004 حيث طالب أعضاء المجلس المجتمع الدولي "بالعمل على جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل.
 
أن يتم الضغط على إسرائيل للانضمام إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية, وإخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي.
 
وهنا تجدر الإشارة إلى أن جميع دول منطقة الخليج (دول مجلس التعاون بالإضافة إلى العراق وإيران واليمن) هي من الدول الموقعة على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية (Nuclear Non-Proliferation Treaty NPT). وتجدر  الإشارة هنا إلى حقيقة أن الحكومة الإيرانية كانت عام 1974 أول من تبنى مشروع إعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية وذلك في مشروع قدمه الجانب الإيراني بدعم من الحكومة المصرية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في ذلك العام.
 
وفي عام 1990 قامت الحكومة المصرية بتقديم مشروع شامل اصطلح علية بـ"مبادرة مبارك" يهدف إلى تقديم وثيقة متكاملة لإعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
 
ورغم التأييد العربي الواسع للمبادرة  فإن رفض إسرائيل للمشروع أدى إلى تجميد الفكرة.
 
وهناك أمثلة إقليمية ناجحة يمكن الاستدلال بها طورت نظاما ناجحا وفعالا لتطبيق هذا المبدأ ومنها مثلا "معاهدة تحريم الأسلحة النووية في دول أميركا اللاتينية" التي تم التوقيع عليها في 14 فبراير/ شباط عام 1967 في مكسيكو سيتي والتي حافظت بشكل فعال على مبدأ بقاء قارة أميركيا الجنوبية منطقة خالية من الأسلحة النووية.
 
هناك كذلك "معاهدة المنطقة الخالية من الأسلحة النووية لدول جنوب الباسفيك" التي وقعت في برزبن – أستراليا  في 6 أغسطس/ آب عام 1985, ثم أخيرا "معاهدة المنطقة الخالية من الأسلحة النووية للقارة الأفريقية" التي وقعت في  القاهرة في 11 ابريل/ نيسان عام 1996.
 
وفي هذا المجال فإن دول الخليج تؤمن بإمكانية استعارة التجارب الإقليمية الناجحة وتطبيق مبادئها على المستوى الإقليمي لأجل تعزيز الاستقرار والأمن ودعم علاقات الثقة.
 
وهي ترفض بشدة مبدأ الانتشار الإقليمي للأسلحة النووية وتعتبر امتلاك إسرائيل للقدرات النووية من أكبر مصادر تهديد الأمن والسلام الإقليمي والدولي وعامل تشجيع للأطراف الأخرى في المنطقة لتطوير وامتلاك القدرات النووية مما سيقود المنطقة إلى حالة من سباق التسلح الخطير.
 
ويعتبر تخلي إسرائيل عن قدراتها النووية عاملا أساسيا وشرطا ضروريا لتحقيق مبدأ قيام منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل كما طالب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 49/ 71 الصادر في 15 ديسمبر عام 1994 الذي حث جميع الأطراف في منطقة الشرق الأوسط على اتخاذ الخطوات الجدية والعملية المطلوبة لتطبيق مشروع إعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية.
 
كذلك تعتقد دول مجلس التعاون أن على إسرائيل العمل الجدي على تطبيق تعهداتها القانونية حول الالتزام بجعل منطقة الشرق الأوسط "منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل" التي جاءت ضمن الفقرة الرابعة من معاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية لعام 1994 (اتفاق وادي عربة).
 
وقد تعهد من خلالها الطرفان على العمل لجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل التقليدية وغير التقليدية ضمن إطار سلام عادل ودائم ومستقر.
 
وضمن الإطار العام للشعور بقيام حاجة لتأسيس منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل دون تأخير فإن رد الفعل الراهن لدول الخليج يتمحور حول وجود موافقة ضمنية غير معلنة وغير متفق عليها بشكل مسبق على مبدأ وجوب منع إيران من تطوير قدراتها النووية خارج إطار الاستخدامات السلمية.
 
وعلى الرغم من البروز العلني خلال السنوات الماضية لقضية أخطار البرنامج النووي الإيراني والادعاء الافتراضي بإمكانية قيام إيران بامتلاك القدرات النووية العسكرية خلال فترة زمنية قصيرة، فإن قيادات دول المجلس الست لم تحاول أن تتخذ موقفا علنيا يحدد طبيعة مواقف دولها بشكل انفرادي.
 
"
في ميزان الحسابات الخليجية أو العربية بشكل عام لا يُعَد امتلاك إيران للقدرات النووية بالضرورة عامل ردع وتوازن أمام القدرات النووية الإسرائيلية
"
وعلى المستوى الجماعي اختارت قمم مجلس التعاون الخليجي واجتماعاته الرسمية تجنب طرح هذا الملف للنقاش الجماعي لغرض المداولة أو لغرض تقرير موقف وسياسة موحدة ومحددة المعالم تجاه ما يمكن اعتباره تهديدا محتملا وخطيرا للوضع الإستراتيجي في منطقة الخليج.
 
وتنبع دوافع هذا الموقف الخليجي الذي يؤمن بمبدأ وجوب منع إيران من امتلاك القدرات النووية العسكرية من حقيقة الواقع الجغرافي والسياسي لهذه الدول الذي سيجعل منها ومن وشعوبها الضحية المحتملة والهدف الرئيسي للضغوط السياسية والعسكرية الناتجة عن دخول إيران للنادي النووي.
 
وأثار هذا التطور حدوث تغير جذري ودائم في ميزان القوى الإقليمي، إلى جانب حقيقة أن هذه الدول وشعوبها ستكون كذلك الضحية المحتملة لأي تلوث بيئي (متعمد أو عرضي) قد ينتج عن تسرب المواد النووية المشعة في أجواء أو مياه الخليج.
 
وعلى الرغم من أن دعم فكرة وجوب منع إيران من تطوير قدراتها النووية يعد، وبشكل غير مباشر، إقرارا تلقائيا بحق إسرائيل في احتكار امتلاك السلاح النووي في المنطقة، وهو حتما يعتبر عاملا سلبيا في مواقف دول الخليج ودول المنطقة بشكل عام، فإن المصالح الذاتية وحتى الجماعية لهذه الدول تتطلب الفصل بين الأمرين.
 
فامتلاك إيران للقدرات النووية سيعتبر تطورا جديدا ذا انعكاسات كبيرة على الاستقرار الإقليمي لمنطقة الخليج، وعلى طبيعة العلاقات الإيرانية -الخليجية والعلاقات العربية - الإيرانية على نحو أوسع.
 
ودول الخليج والعالم العربي عموما يشعر بالخطر المحدق من عامل امتلاك إسرائيل للقدرات النووية وبالعجز عن تغيير الواقع الراهن، ولكن الشعور العام هو رفض بروز دولة نووية أخرى في المنطقة تضاعف الأخطار من احتمال حدوث حرب غير تقليدية تؤدي إلى تدمير المنطقة وتعمق حالة عدم الاستقرار الإقليمي في عموم منطقة الشرق الأوسط.
 
وفي ميزان الحسابات الخليجية أو العربية بشكل عام لا يعد امتلاك إيران للقدرات النووية بالضرورة عامل ردع وتوازن أمام القدرات النووية الإسرائيلية.
 
فالمصالح العليا لإيران قد تلتقي في الوقت الراهن مع المصالح العربية العليا في وجوب إيجاد وسيلة للحد من احتكار إسرائيل للقدرات النووية العسكرية في المنطقة، ولكن هذه المصالح تتعارض وتتقاطع وبشكل جذري في مواقع عديدة أخرى، مما يجعل قبول مبدأ دخول إيران للنادي النووي، في الحسابات الإستراتيجية الخليجية والعربية، عامل تطور سلبيا أكثر من كونه عاملا إيجابيا.
 
وأمسى الموقف في منطقة الخليج تحديدا ذا حساسية عالية خلال فترة العقود الزمنية الثلاثة الماضية، وبالذات منذ بداية سياسة حكومة الشاه التوسعية في أوائل السبعينيات، تلتها الأخطار التي ترتبت على قيام الثورة الإسلامية في إيران والحرب العراقية - الإيرانية، ثم حرب الخليج الأولى عام 1991 والثانية عام 2003، مما جعل قضية الأمن والاستقرار الإقليمي تخضع لسلسلة من التطورات السلبية الخطيرة.
 
وفي ضوء هذه الحقائق يُعَد تطوير القدرة النووية الإيرانية، من وجهة نظر دول الخليج، عاملا سلبيا إضافيا وتطورا حاسما ستكون له تأثيرات في الأمن والاستقرار على المستوى الإقليمي لا يمكن التكهن بنتائجها الآنية أو على المدى البعيد.
 
"
العدوان الخارجي على إيران سيوفر فرصة ذهبية لتيارات معينة متشددة ومتطرفة داخل القيادة الإيرانية ستستغل الحدث لإقلاق حالة التوازن والمشاركة النسبية القائمة
"
بين المبدأ والوسيلة

موقف إستراتيجي موحد واختلافات تكتيكية
إذا افتراضنا حقيقة وجود مصالح موحدة واتفاق غير معلن وضمني بين دول مجلس التعاون على مبدأ وجوب تجريد إيران من قدراتها النووية الراهنة أو المحتملة، ومنعها من تطوير القدرات النووية العسكرية فإن ذلك يشكل جزءا أساسيا من القضية.
 
هنا يبقى الجزء الأساسي الآخر في قضية التعامل مع هذه المسألة يتمركز حول طبيعة "الوسيلة" التي سيتم من خلالها تحقيق هذا الهدف.
 
وهنا تبرز بذور الخلاف بين الموقف الخليجي الإقليمي، والموقف الأميركي الإسرائيلي.
 
مما لا شك فيه أن أفضل سيناريو ترغب بتجسيده قيادات الدول الخليجية لتحقيق هذا الهدف يتمثل بقدرة المجتمع الدولي على تفكيك البرنامج النووي الإيراني بوسائل الضغوط الدبلوماسية، ربما المشفوعة بدرجة محددة من وسائل الضغوط الاقتصادية، وأن يكون للمجتمع الدولي، ممثلا بمؤسسات الأمم المتحدة والوكالات الدولية، دور محوري في تحقيق هذا الهدف عبر الوسائل غير العسكرية.
 
ولكن في الوقت الذي تؤمن فيه هذه القيادات بمحدودية أو ربما بعجز الوسائل الدبلوماسية منفردة عن تحقيق هذا الهدف, تشعر بقلق عميق من احتمال لجوء بعض الأطراف المعنية (الولايات المتحدة أو إسرائيل) إلى خيار العمل العسكري كوسيلة لتحقيق الهدف.
 
ولهذا القلق الملازم للموقف الخليجي الرافض للخيار العسكري مبرراته المنطقية وتساؤلاته المشروعة التي يمكن تلخيصها بالمحاور الأساسية التالية:
 
أ) تساؤلات حول أسلوب وجدوى العمل العسكري كوسيلة للقضاء على البرنامج النووي الإيراني.
 
وتتركز هذه التساؤلات حول النقاط التالية:
1 - هل العمل العسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية (إذا تم تبنيه) سيكون عملية أحادية يتم تنفيذها من قبل القوات الأميركية أو القوات الإسرائيلية بشكل منفرد أم أنه سيكون عملا عسكريا مشتركا؟ وإذا كان عملا أحاديا بمفهوم التنفيذ العسكري هل سيكون عملاً مشتركاً بمفهوم التعاون المخابراتي المطلوب لتنفيذ العملية؟
 
2 - ما هي الرقعة الجغرافية للعمل العسكري المفترض، هل سيشمل بشكل حصري مواقع المفاعل الرئيسي في بوشهر أم سيمتد ليشمل أغلب أو جميع المنشآت النووية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وحتى برنامج التطوير الصاروخي الإيراني والمنتشرين كليهما على رقعة جغرافية واسعة من أراضي الدولة؟
 
3 - هل سيتم التمهيد للهجوم على المواقع النووية الإيرانية بعملية عسكرية استباقية تهدف أولا إلى تدمير مواقع التخزين ومنصات إطلاق الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى لمنع قيام إيران بعمل انتقامي فوري، وربما استغلال الفرصة لتوسيع العمل العسكري ليستهدف تدمير منشآت تصنيع وإنتاج الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى (سلسلة صواريخ شهاب)؟
 
4 - هل العمل العسكري، مهما كانت دقته وكثافته، سيكون حقا قادرا على إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل فعال وفوري، أم أن إنجازات العمل العسكري ستقتصر على تعطيل جزئي ووقتي في قدرات إيران النووية؟
 
وفي هذا السياق يبرز الدرس الذي تم استنتاجه من العمل العسكري الإسرائيلي لتدمير المنشآت النووية العراقية عام 1981، والذي أثبت عدم جدواه في تحقيق الهدف المحدد له، حيث استمر البرنامج العراقي بالتطور، واقتصرت تأثيرات الهجوم على تعطيل وتأخير جزئي في البرنامج.
 
5 - هل سيكون توقيت العمل العسكري مرتبطا بعوامل التطورات السياسية؟ هل ستسعى الدول المعنية أولا إلى الحصول على قرار إدانة للموقف الإيراني في مجلس الأمن الدولي ليوفر غطاء ما لادعاء الشرعية لتبرير العمل؟
هل التطورات على الساحة العراقية، أو ما يسمى بـ"العامل العراقي" ستكون له تأثيرات سلبية أو إيجابية في حسابات الأطراف المعنية وتأثيرات في قرار تبني ذلك الخيار وفي قرار توقيته؟
 
فالافتراض المنطقي القائم يقول بعدم حكمة القيام بعمل عسكري أحادي أو مشترك ضد إيران ما دام المأزق الأمني والعسكري والسياسي الأميركي في العراق مستمرا.
 
6- ما هي التأثيرات البيئية لهذا النوع من التدمير لمنشآت نووية يُفترض أنها في حالة العمل الفعلي؟ هل ستتجاوز آثاره الآنية وبعيدة المدى الرقعة الجغرافية المحدودة للمواقع النووية لتشمل المناطق المحيطة؟ هل سيؤدي هذا العمل إلى تلوث الأجواء ومصادر المياه في منطقة الخليج؟

ب) تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على السيطرة أو التعامل مع ردود الفعل الإيرانية (تطورات ما بعد الهجوم).
 
إيمانا بالافتراض المنطقي القائل إن العمل العسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية (بوسائل: هجوم بسلاح الجو، هجوم بالأسلحة الصاروخية، عملية قوات خاصة... أو عملية متعددة الوسائل) سيقع حتما ضمن الإمكانيات الواسعة للدولتين المعنيتين (الولايات المتحدة وإسرائيل)، فهو عمل من الناحية التقنية والعملية قابل للتنفيذ بجهود وقدرات محدودة تمتلكها حاليا الدولتان بشكل أحادي منفرد أو بتعاون مشترك.
 
"
قيادات دول الخليج تنظر إلى الخيار العسكري للتعامل مع هذه القضية بعين الشك والريبة
"
إن الدولتين بشكل منفرد أو مشترك تمتلكان حاليا القدرات المخابراتية الكافية لتوفير الدعم المعلوماتي اللازم للقيام بأي إجراء عسكري.
 
والافتراض المنطقي الثاني يقول إن إيران لا تمتلك القدرات العسكرية لمنع قيام الهجوم بصفته الأحادية أو بصفته المشتركة، وقدرات إيران الدفاعية لإفشال الهجوم تتصف بالقصور والمحدودية أمام الزخم التكنولوجي الهائل الذي سيتم تجنيده من ترسانة التكنولوجيا العسكرية المتقدمة التي تمتلكها الدولتان المعنيتان.
 
هذان الافتراضان يقودان حتما إلى تعميق القلق الخليجي، فالاستنتاج بأن إيران عاجزة عن منع الهجوم العسكري أو إفشاله سيقود إلى التوصل إلى بدهية أن إستراتيجية القيادة الإيرانية ستعتمد بشكل أساسي على "إستراتيجية الرد"، وليس "إستراتيجية المنع أو الردع". وأن التركيز الأساسي سيكون على ردود الفعل الإيرانية بعد تنفيذ الهجوم التي ستأخذ حتما صفة الأعمال ذات الطبيعة الانتقامية، لذا فإن مصدر القلق الخليجي ينبع من محورين أساسيين:
 
الأول: يخص طبيعة وشكل ردود الفعل الانتقامية الإيرانية.
 
ستستند سيناريوهات الرد الإيراني بشكل أساسي إلى الوسائل "غير العسكرية"، وربما ستقوم على تجنيد القدرات الإيرانية المخابراتية والدبلوماسية التي أثبتت جدارتها في الماضي في دعم وتنفيذ الأهداف السياسية والإستراتيجية للقيادة الإيرانية.
ويخص الكلام هنا بالتحديد القدرات الإيرانية على تنفيذ سلسلة من العمليات المحدودة ذات النوعية العالية، والتي جرى وصفها بمصطلح "العمليات الإرهابية". واستعمال مصطلح "العمليات الإرهابية" هنا لا يعني بأي صفة تبني الباحث لهذا المفهوم، بل يشير إلى تصنيف الطرف الآخر له.
 
وبافتراض أن القيادة الإيرانية ستتبنى موقفا هجوميا على الساحة الإقليمية والدولية، فإن هذا الموقف ستتم ترجمته عبر الأساليب والخيارات التالية:

1) سلسلة من الهجمات الإيرانية "الإرهابية" على الأهداف الأميركية العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية المتمركزة في دول مجلس التعاون وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.
 
2) سلسلة من الهجمات الإيرانية "الإرهابية" لاستهداف المصالح الأميركية الإسرائيلية في أنحاء العالم.
 
3) تقديم الدعم والإسناد لمنظمات "إرهابية" خارجية متحالفة للقيام بعمليات ضد المصالح الأميركية الإسرائيلية.
4) تقديم دعم واسع لمنظمات الرفض والمقاومة الفلسطينية، وبالذات الإسلامية منها لتعزيز قدراتها على معاقبة إسرائيل.
5) إعادة تفعيل جبهة المواجهة اللبنانية الإسرائيلية عبر نشاطات حزب الله في لبنان وخارجه, وبالذات تفعيل جبهة مزارع شبعا المحتلة, وربما تفعيل وقتي على طول الجبهة اللبنانية الإسرائيلية.
 
6) تبني سياسة تدخلية هجومية واسعة، أمنية ودبلوماسية، في الساحة العراقية، هدفها معاقبة الولايات المتحدة وحلفائها على الساحة العراقية. ويتم ذلك بتوفير الدعم والإسناد العسكري والمادي لفئات مختارة من فصائل المقاومة العراقية، والعمل على تعزيز موقف إيران كلاعب محوري في التركيبة السياسية للعراق، مما سيهدد المصالح الأميركية في العراق وعلى مدى زمني طويل.
 
7) محاولة استهداف المصالح النفطية في منطقة الخليج للتأثير في سيكولوجية سوق النفط العالمية المضطربة أصلا، مما سيؤدي، ولو لفترة وقتية محدودة، إلى زعزعة استقرار الإمدادات والأسعار النفطية.
 
ويتم الهدف هنا من خلال فعل التدمير المادي المحدود والتعطيل الوقتي لبعض منشآت البنية التحتية للصناعة النفطية في المنطقة. وسيتم عبر تبني هذا الخيار إحراج القيادة الأميركية داخليا ودوليا وإظهار الآثار السلبية لقرار اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران.

والثاني: يخص تأثير الهجوم في الوضع السياسي الداخلي في إيران، فمما لا شك فيه أن الهدف والمصلحة الأساسية العليا لجميع دول مجلس التعاون، بشكل أحادي أو مشترك، هو دعم حالة الاستقرار السياسي في جمهورية إيران.
 
وفي ظل هذه البديهية الأساسية هناك اعتقاد وقلق مبرر في أوساط القيادات الخليجية مفاده أن أي عمل عسكري خارجي يستهدف المواقع الإيرانية ستكون له أصداء وإفرازات سلبية قد تكون خطيرة على الوضع الداخلي في إيران وعلى حالة الاستقرار السياسي في الدولة.
 
ففي ظل حالة الصراع والتنافس القائمة بين مراكز القوى المتعددة ضمن تشكيلة القيادة الإيرانية، يميل الاعتقاد إلى أن العدوان الخارجي على إيران سيوفر فرصة ذهبية لتيارات معينة متشددة ومتطرفة داخل القيادة الإيرانية ستستغل الحدث لإقلاق حالة التوازن والمشاركة النسبية القائمة، والقيام باستغلال الحدث لدعم مصالحها الذاتية بالسيطرة على مقاليد السلطة بشكل فردي وإنهاء الممارسة الديمقراطية على الرغم من محدوديتها.
 
وهذا تطور لا يخدم، تحت أي اعتبار من الاعتبارات، حالة الاستقرار والتطور السياسي والديمقراطي في إيران، ولا يُعَد من التطورات التي تخدم هدف تحسين العلاقات الإقليمية وإجراءات بناء الثقة بين إيران وجاراتها من الدول الخليجية.
 
"
لا يوجد أي احتمال لأن تقوم دول الخليج بتقديم التسهيلات العسكرية للقوات الأميركية، أو باستخدام القواعد الأميركية على أراضيها لضرب المواقع الإيرانية
"
خيار اللاخيار
ما الذي تستطيع أن تفعله دول الخليج إذاً؟
مما لاشك فيه أن من الحكمة القول إن خيارات الموقف الخليجي تجاه احتمال لجوء الأطراف الخارجية إلى العمل العسكري ضد المواقع النووية الإيرانية هي خيارات محدودة أو ربما معدومة.
 
فعلى الرغم من افتراض وجود مصلحة حقيقية تتشارك فيها أغلب، إن لم يكن جميع، دول الخليج لدعم مبدأ وجوب وضرورة منع إيران من الدخول إلى النادي النووي فإن قيادات دول الخليج تنظر إلى الخيار العسكري للتعامل مع هذه القضية بعين الشك والريبة، على أقل تقدير خلال المرحلة الراهنة.
 
وأمام هذا الواقع التزمت دول الخليج بتجنب تبني موقف علني صريح تجاه هذه القضية، وتجنبت التعليق على التصريحات والتقارير الصحفية التي تشير إلى احتمال توظيف هذا الخيار من قبل الأطراف المعنية. فلا توجد مصلحة لهذه الدول في دعم أو تشجيع الخيار العسكري للأسباب التي تم التطرق إليها سابقاً.
 
وانطلاقاً من هذا الموقف، لا يوجد أي احتمال لأن تقوم دول الخليج بتقديم التسهيلات العسكرية للقوات الأميركية، أو أن تسمح لها باستخدام القواعد الأميركية المتمركزة على أراضيها لغرض المساعدة على تنفيذ العملية ضد المواقع الإيرانية.
 
فدول الخليج حريصة على عدم التورط في مغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب, وحريصة على بناء العلاقات الإقليمية على مبادئ الثقة المتبادلة وحسن النوايا وتقدر مكانة ودور إيران في استقرار وأمن المنطقة.
 
كذلك لا تجد القيادات الخليجية مصلحة في منح التأييد العلني لخيار نزع القدرات النووية الإيرانية بوسائل الضغط الدبلوماسي، على الرغم من حقيقة تأييد هذه الدول الضمني لمسار ومضمون هذا الخيار لكونه أفضل الوسائل لتحقيق الهدف المنشود.
 
ولكن الشعور العام ضمن القيادات الخليجية قائم على عدم وجود حاجة حقيقية ملحة لتسجيل هذا الموقف بشكل منفرد أو بشكل جماعي عبر مجلس التعاون الخليجي، مما سيسبب إحراجا في العلاقات الإيرانية - الخليجية، وربما يفسر بكونه دعما مباشرا للموقف الإسرائيلي.
 
لذا فإن القيادات الخليجية تراقب عن كثب السجال المباشر الدائر بين إيران من جهة والوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA ، إلى جانب الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية من جهة أخرى حول هذا الموضوع. ولا تجد حكمة في الوقت الراهن في الدخول طرفا في هذا السجال.
 
وفي ظل جميع السيناريوهات التي تمت الإشارة إليها سابقا فإنه من الممكن القول إن القلق الخليجي من أي عمل عسكري خارجي يستهدف البرنامج النووي الإيراني هو قلق مشروع، وله مبرراته ودوافعه المنطقية والعملية.
 
ويعود أحد مصادر هذا القلق إلى قضية أساسية ومحورية هي انعدام ثقة القيادات الخليجية بعقلانية القرارات الأميركية، وبالأسس والاعتبارات التي يتم على أساسها اتخاذ هذه القرارات.
 
ويتمثل هذا الموقف تحديدا فيما يلي:
أ ) انعدام الثقة بقدرة القيادات في الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات تتفهم الوضع الإقليمي وخصوصياته، وتأخذ في الحسبان حماية واحترام مصالح الحلفاء الإقليميين والاعتبارات السياسية الداخلية والإقليمية التي تتحكم بمواقفهم، إلى جانب الخوف من تأثير اعتبارات السياسة الداخلية الأميركية في مواقف القيادة الأميركية وقراراتها في مجال السياسة الخارجية، والقلق من دور النفوذ الإسرائيلي - الصهيوني في عملية اتخاذ هذه القرارات.
 
ب) انعدام الثقة في قدرة الولايات المتحدة على السيطرة أو التعامل الفعال والعقلاني مع تبعات وإسقاطات العمل العسكري والتطورات اللاحقة، وبخاصة في ظل واقع تجارب الماضي والحاضر التي أثبتت وجود حالة مقلقة من سوء الحسابات والافتراضات والتخمينات الأميركية، وانعدام وجود خطة، أو خطط، شاملة ومدروسة متوسطة أو بعيدة المدى للتعامل مع التطورات الميدانية اللاحقة.
 
ومن المؤلم أن النتيجة الحتمية وربما الفورية التي سيفرزها دخول إيران إلى النادي النووي وامتلاكها القدرات النووية العسكرية هو إجبار دول الخليج ودفعها للاعتماد المتزايد على  الحماية العسكرية الأميركية, وقبول مبدأ التواجد العسكري الأميركي الدائم في المنطقة، ومن ضمنه قبول مبدأ وجوب امتلاك القوات الأميركية المتواجدة في المنطقة لقدرات نووية عسكرية رادعة.
 
ففي حالة حدوث تطور امتلاك إيران للقدرات النووية فإن دول الخليج ستترك دون خيارات ماعدا خيار عملي واحد يتمثل في وجوب الاعتماد الكلي على مصادر خارجية للحماية وذلك لإيجاد حالة من التوازن والردع الإستراتيجي لتعطيل أو للتقليل من الميزة الإستراتيجية التي حققتها إيران بامتلاك القدرات النووية.
 
وهذا الأمر سيقلق بشكل جذري ميزان توازن القوى الإقليمي بما له من تأثيرات كبيرة على حالة الأمن والاستقرار في المنطقة.
 
ورد الفعل الخليجي هذا ليس خيارا بل إجبارا كوسيلة حتمية للتعامل مع الحقائق الإستراتيجية الجديدة التي نتجت عن التطور المذكور.
 
أخيرا فإن موقف دول الخليج أمام هذا الملف الساخن وربما بنتائجه الخطيرة على أمن واستقرار دول المنطقة يمكن تلخيصه بالقول: إن هذه الدول وقياداتها في وضع لا تحسد عليه بين الموقف الإيراني السائر بتصميم نحو تطوير البرنامج النووي لخدمة الأغراض العسكرية من جهة، والموقف الأميركي - الإسرائيلي المصمم على نزع القدرات النووية الإيرانية بجميع الوسائل ومهما كلف الثمن.
_________________
كاتب عراقي، والدراسة معدة بالتعاون مع مركز الخليج للأبحاث

المصدر : الجزيرة