دار حوار بين كاتب هذه السطور والمفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما ونُشر بالإنجليزية في صحيفة الأهرام ويكلي، وقد تعرض الحوار لبعض القضايا المهمة التي تهم القارئ العربي، ولهذا قمت بترجمة الحوار.
 
وفيما يلي نص الترجمة:
س: لماذا يرى بعض العلماء الغربيين أن العودة لجذورنا تمثل تهديدا لهم؟
 
ج: التحديث الغربي يقوم على ميتافيزيقيا الكمون التي تنفي مقدرة الإنسان على تجاوز قوانين المادة وحتمياتها، حيث يُنظر إلى العالم باعتباره مكتفيا بذاته، ويحرك ذاته ويحوي داخله ما يكفي لتفسيره، وأن القوانين الكامنة في الطبيعة تكفي كأساس لتفسير كل من الإنسان والطبيعة، وهذا هو أساس العقلانية الغربية.
 
وفي هذا الإطار فإن القوانين الطبيعية المادية للإنسان (بيئته المادية، غدده، جهازه الهضمي) هي التي تحدد دوافعه وسلوكه. ونتيجة لهذا، بدأ تعريف الإنسان لا حسب احتياجاته ورغبته في التجاوز، أي حسب تركيبيته الإنسانية، بل حسب قوانين الطبيعة البسيطة.
 
"
التحديث الغربي ينفي قدرة الإنسان على تجاوز قوانين المادة وحتمياتها, أما التحديث الإسلامي فيعتبر الإنسان كائنا حرا يتجاوز تلك الحتميات, وبهذا المعنى يعتبر الإسلام تهديدا للغرب
"
وهذا هو سبب مركزية نموذج العلم الطبيعي أو الفيزيائي الذي يفترض مسبقا أن الإنسان كائن طبيعي مادي. هذا الإنسان على المستوى الاجتماعي يترجم نفسه إلى الإنسان الاقتصادي (آدم سميث وماركس) والإنسان الجسماني (فرويد).
 
والعالم الذي أسسه التحديث الغربي قام على هذا التصور للإنسان. وأنا لا أشير هنا إلى الثقافة الغربية ككل، ولكن إلى ما أطلق عليه  "النموذج الفعال" أي النموذج الذي يمثل خلفية القرارات المتعينة، السياسية والعسكرية والاقتصادية.
 
أما الأصوات المعارضة الإنسانية والفوضوية في الغرب فهي لا تساهم في تشكيل النموذج الفعال، إذ تُهمش أو يحجبها الإعلام عن الجماهير، التي تقع فريسة النموذج الفعال المعبر عن المفاهيم الأساسية الحاكمة وعن ثوابت المجتمع الغربي.
 
وقد انطلق الإنسان الغربي بجيوشه واستعمر العالم وأسس البنية التحتية لمجتمعاته الحديثة انطلاقا من هذه الثوابت. ولهذا فإن طرْح رؤية بديلة يمثل تهديدا حقيقيا له ولتشكيله الحضاري.
 
تخيل صورة إنسان مختلف عن الإنسان الذي روج له التحديث الغربي، وتطوير رؤية تحديثية لا تؤدي بالضرورة إلى التشيؤ والتحول إلى سلعة وترى أن العلوم الطبيعية غير مناسبة للإحاطة بتركيبية الإنسان يمثل تهديدا حقيقيا، لأن هذه الصورة الجديدة للإنسان لا يمكن استيعابها داخل المعايير العقلانية التكنولوجية والترشيد المنفصل عن القيمة.
 
وقد تنبأ ماكس فيبر بأن الحداثة الغربية ستحول المجتمع إلى ما يشبه المصنع، وستلقي بالإنسان في قفص حديدي، حيث كل شيء مراقب وتحت السيطرة ومحسوب بدقة وحيث يُستخدم الإنسان كأداة. وتعمل الشركات متعددة الجنسيات والبنتاغون في إطار سوق "عالمية" لا تختلف عن قفص فيبر الحديدي، سوق الإنسان ذي البعد الواحد.
 
أما التحديث الذي يحاول بعض الإسلاميين تطويره فيطرح فكرة الإنسان باعتباره كائنا حرا مسؤولا لا يمكن رده إلى ما هو أدنى منه أي المادة، بمعنى أنه كائن قادر على تجاوز السطح المادي والحتميات المادية وبالتالي لا يمكن التنبؤ ببعض جوانب سلوكه، وعليه لا يمكن استغلاله تماما واستخدامه كأداة.
 
وبهذا المعنى فقط يعتبر الإسلام تهديدا للغرب، أي للحداثة المادية المنفصلة عن القيمة، وهو تهديد لا يختلف كثيرا عن تهديد النزعة الإنسانية (الهيومانية) الغربية لها، أو التهديد الذي يمثله منتقدو التحديث الغربي أو ناشطو البيئة.
 
س: هل يعني ذلك أن الفكر الإسلامي والليبرالية الديمقراطية الغربية لا يلتقيان؟
 
ج: إذا تقبلنا فكرة أن التحديث الغربي هو تبني العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة وتكيف الإنسان مع مجتمع منفصل عن القيم ملتزم بأفكار التغيير والنسبية وأخلاق الصيرورة، حيث المطلق الوحيد هو 51% من الأصوات وحيث يخضع مصير الإنسان ونظام القيم الخاص به إلى العد على الأصابع، إذا تقبلنا ذلك كتعريف إجرائي سنجد أن الإسلام وأي حركة إنسانية لا يمكنها أن تلتقي مع الديمقراطية الليبرالية.
 
وعلينا أن نذكِّر أنفسنا بأن غالبية الأميركيين المستعمرين لم ينددوا بإبادة الأميركيين الأصليين.
 
وخلال الحرب العالمية الثانية أجرت الحكومة الأميركية حصرا للمواطنين من ذوي الأصول اليابانية واعتقلتهم دون محاكمة، بموافقة تامة من الشعب الأميركي. إن انتقاد الديمقراطية الغربية ليس حكرا على المسلمين، بل هو ظاهرة عالمية. ولكن الوضع المميز للإسلام ينبع من أن نقدنا للتحديث الغربي نقد متفائل.
 
س: كيف؟
"
النموذج الفعال في الحضارة الغربية الحديثة هو الداروينية والتي بحكم منطقها لا يمكنها أن تقبل الحوار العقلاني، فهي ملتزمة بالتطور الخطي وترى أن جوهر الحياة الإنسانية هو الصراع وأن البقاء للأصلح والأقوى
"
ج: إن لدينا مشروعا. فنحن نؤمن بالله ونعتقد أن بإمكاننا تغيير العالم. نعم، ما زلنا نحلم بإقامة حكومات تحافظ على العدالة وإنسان غير ملتزم بالضرورة باللذة ومصلحته الشخصية. ونؤمن بأن بإمكاننا تحقيق قسط من التقدم مع الحفاظ على العائلة، ويمكننا تضمين الإجراءات الديمقراطية في نظام يسلم بالقيم الإنسانية العامة التي تتجاوز ديمقراطية عد الأصابع.
 
س: هل تؤمن بأن هناك مساحة للحوار مع الغرب، بافتراض أن الحضارة الغربية حسب رأيك تقسم الإنسان إلى إنسان متفوق (سوبرمان) وإنسان متدن (سبمان)؟
 
ج: التحديث الغربي مبني على نظرة ذات خط واحد للتاريخ، وعلى فكرة التقدم اللانهائي وغزو الطبيعة والسيطرة عليها. ولكن هناك كثير من التقاليد الإنسانية الهيومانية في الغرب تقوم إما على القيم المسيحية أو على صيغ علمانية منها. فهي ترفض هذا المفهوم المجنون للتقدم وللتاريخ الذي يتطور في خط واحد مستقيم، كما ترفض عقلية الغزو.
 
والمسلمون يمكنهم بالتأكيد الاشتراك في حوار مع تلك العناصر. إذ يمكننا جميعا أن نتعاون في محاولة تطوير تحديث أكثر إنسانية وتركيبية. ولكن هناك شكل آخر للحوار، وهو ما أسميه "الحوار المسلح"، بمعنى أنه يمكن عن طريق المقاومة إجبار الآخر الإمبريالي على التعرف على وجودنا وعلى حقوقنا.
 
س: هل يمكنك أن توضح؟
ج: إن النموذج الفعال في الحضارة الغربية الحديثة والمهيمن عليها هو الداروينية. والداروينية بحكم منطقها لا يمكنها أن تقبل الحوار العقلاني، فهي ملتزمة بالتطور الخطي وترى أن جوهر الحياة الإنسانية هو الصراع وأن البقاء للأصلح أي للأقوى، والطريقة الوحيدة لحل الخلاف عندها هي القوة.
 
الإنسان إما أن يكون متفوقا (سوبرمان) فيسيطر، أو أن يكون إنسانا متدنيا (سبمان) يتواءم ويرضخ. وإسرائيل هي المثال الحي على ذلك، فهي قلعة مسلحة تدك المنازل وتكسر عظام من يطالبون بحقوقهم مثل حق تقرير المصير. وهي في الوقت نفسه تعطي ليهود العالم حق العودة بعد غياب عدة آلاف من السنين، وتنكر هذا الحق على الفلسطينيين الذين لا يزالون يمسكون بمفاتيح منازلهم التي تقطنها أسر يهودية! أليس هذا تعبيرا فاضحا عن ثنائية السوبرمان والسبمان، الإنسان المتفوق والإنسان المتدني!
 
س: هل تلمِّح إلى نوع من التناقض الأساسي بين النظرية والتطبيق في الغرب؟
 
ج: يرسم التحديث الغربي صورة لمجتمع يقوم على مبادئ المنفعة واللذة والمصلحة الشخصية، ولكن الإنسان أكثر تركيبية من ذلك، ومن ثم فترجمة هذه الصورة إلى واقع أمر مستحيل، ولذلك يلجأ كثير من المفكرين الغربيين إلى الترقيع والتركيب التجميلي. ويلاحظ ذلك في أعمال فوكوياما، ففي مكان ما يتم استعراض النموذج العلمي الطبيعي المنفصل عن القيمة باعتباره النموذج النهائي، ثم في الفصل التالي نراه يناقش كرامة الإنسان. فكيف يمكن أن نربط بين كرامة الإنسان وقوانين الطبيعة؟ هل هذا يعني أنه يراجع النموذج ككل، أم إنه يستخدم نموذجين؟  إذا كان هناك ثمة شيء له نفع مادي، لكنه يتعارض مع الأفكار الخاصة بكرامة الإنسان، فكيف يمكن حل هذا الخلاف؟  لقد اختار الغرب هيمنة المنفعة، أما الكرامة فمجرد زينة وديكور.
 
س: إذن، هل يصل الأمر إلى صدام بين الثقافات؟
 
ج: حقيقة الأمر هي أن هناك ثقافة إسلامية قائمة على  فكرة الإله الواحد، وبالتالي مقدرة الإنسان على تجاوز السطح المادي، وهي في هذا تلتقي مع الحركة الإنسانية الغربية ذاتها. إذن، الأمر ليس قضية الإسلام ضد الغرب، بل هي قضية حضارة قائمة على نفي التجاوز وملتزمة بالعقلانية التكنولوجية، مقابل أي حضارة تدعو إلى التجاوز والإنسانية.
 
وأنا أعتقد أن هذا هو ما يعنيه هنتنغتون عندما يشير إلى الإسلام والكونفوشية في حديثه عن "صدام الحضارات"، فكلا العقيدتين تؤمنان بالتجاوز وبرفض الحتميات المادية. إن مصطلحات هتننغتون شديدة الاضطراب، ولكنه مثل فوكوياما يؤمن بأنه في نهاية التاريخ سيكون الانتصار النهائي للعلمانية والتغريب والتحديث (وكلها ذات معنى واحد لديه).
 
ولكن الاختلاف الوحيد هو أن فوكوياما يقول إننا وصلنا إلى تلك المرحلة، في حين يرى هتننغتون أن البعض منا متأخرين وأن هذا الإجراء لم يكتمل بعد، وأنه يجب القيام بشيء ما حيال ذلك. هذا "الشيء" هو تاريخ الإمبريالية الغربية.
 
س: كيف يمكن تفسير هذه الوفرة المفاجئة في الكتابات التي تعلن نهاية التاريخ؟
 
"
العلماء الغربيون ليسوا راضين بالمرة عن ثوابت ومنطلقات الديمقراطية الغربية, ويمكن للمسلمين أن يتعاونوا مع هؤلاء في محاولة تكوين حداثة جديدة
"
ج: هذا ليس مفاجئا بالمرة. فقد اكتُشفت أميركا عام 1963 واكتُشفت معها فورا نهاية التاريخ. فمشروع التنوير ككل بنظرته للماضي كتاريخ للتخلف والظلام يتضمن نفيا للتاريخ، والمدن الفاضلة التكنولوجية في عصر النهضة كلها مبنية على فكرة نهاية التاريخ، ونظرة هيغل للتاريخ تصل إلى التحقق عند نهاية التاريخ، وفكرة أميركا باعتبارها صهيونا جديدا تقع ضمن نفس الإطار، والأيديولوجيات الفاشية وبعض الأفكار الثورية تتنبأ بنهاية التاريخ، ويحدثنا والت ويتمان عن أميركا، صهيون الجديدة، وهي تحول الماضي إلى "علم" وتنهي التاريخ، وهذا كله إشارة إلى نمط أعمق وهو تطبيق نموذج العلوم الطبيعية على المجتمع الإنساني، فهو يعني تقويض مقولة الإنسان كما نعرفه. فنهاية التاريخ هي في الحقيقة نهاية التاريخ الإنساني، وبداية التاريخ الطبيعي.
 
ولكن هناك بعد آخر. فقد اكتشف الغرب أن هيمنته بدأت تضعف فاستبدل المواجهة بالإغراء، والحرب بالتفكيك. ونهاية التاريخ وما بعد الحداثة يشتركان معا في أنهما يقومان على رفض أي احتمال للتجاوز أو الإصلاح، فهما يدعوان إلى السلبية. وهذه إستراتيجية مثالية للغرب المتهاوي، حيث يطلب من الجميع مسح ذاكرتهم التاريخية ونسيان هويتهم لكي يصبحوا مثل الإنسان الاقتصادي أو الجسماني يبادل ويتاجر ويستمتع بشكل سلبي.
 
فهو لا يبحث عن الإصلاح أو التغيير أو التجاوز. وإسرائيل بترسانتها النووية مثال واضح على نهاية تاريخنا نحن، وعلى تفكيك مجتمعاتنا وإنكار حريتنا وإمكانية تحقيق تجاوز الأوضاع المادية.
 
س: تحدثت مؤخرا عن مشروع إسلامي، فما هي سماته الأساسية؟
 
ج: جزء من مشروعنا الإسلامي هو الدفاع عن الإنسان ضد العدمية واللاأخلاقية العلمانية، وضد الترشيد التكنولوجي وتحويل الإنسان إلى مجرد أداة. الحداثة الغربية الداروينية تقوم على غزو الطبيعة وتحويل الإنسان إلى وسيلة. ماذا عن حداثة تقوم على التوازن؟ إن التقدم على النمط الغربى أمر مستحيل، لأن الحداثة الغربية استهلاكية ومبددة ومضيعة للموارد الطبيعية.
 
20% من سكان العالم يستهلكون ما بين 80 و85% من مواردها الطبيعية. إن الحداثة الغربية بطبيعتها لا يمكن تقليدها ولا تكرارها. نحن نبحث عن حداثة جديدة لا تقوم على ثورة التوقعات المتزايدة والتقدم اللانهائي، ولكن على فكرة أن الإنسان لابد وأن يتوافق مع ذاته، وأن يدرك قدسية الإنسان والطبيعة، ومن ثم لا يهتم بالغزو والنهب، هي حداثة توازن بين الإنتاجية وأفكار العدالة، وبين حقوق الإنسان الفرد وحقوق المجتمع الإنساني.
 
وكثير من العلماء الغربيين ليسوا راضين بالمرة عن ثوابت ومنطلقات الديمقراطية الغربية وافتراضاتها الإمبريقية، وأيديولوجياتها الهوبزية والداروينية. ويمكن للمسلمين أن يتعاونوا مع تلك العناصر في محاولة تكوين حداثة جديدة، حداثة لا تلقي بالإنسان وراء ظهرها، ولا تعلن نهاية التاريخ.
 
والله أعلم.
ـــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة