بقلم: بشير موسى نافع

 

منذ لحظة وفاة أو اغتيال الرئيس ياسر عرفات، بات من الواضح أن السيد محمود عباس (أبو مازن) قد تقدم إلى مقدمة الصورة الفلسطينية السياسية.

 

احتل أبو مازن منذ سنوات موقع الرجل الثاني في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو أحد أبرز قيادات حركة فتح، والتي تمثل الجسم الأكبر في المنظمة وتقرر سياساتها من نهاية ستينات القرن الماضي، كما أنه أحد الأحياء القلائل من المجموعة الصغيرة التي أسست الحركة في الخمسينات.

 

كان أبو مازن دائما من قادة فتح القريبين من عرفات، وهو ما أتاح له فرصة الإشراف على قناة المباحثات السرية مع الإسرائيليين في النرويج، والتي أدت في النهاية إلى توقيع اتفاق أوسلو في خريف 1993 وولادة السلطة الوطنية الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي من الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

الخلاف، الذي شهدته فترة رئاسة أبو مازن القصيرة للحكومة الفلسطينية في العام الماضي، بينه وبين عرفات تعلق بلا شك بالصلاحيات والسياسات، ولكن جانبه السياسي لا يجب أن يضخم، ذلك أن فشل حكومة أبو مازن عاد في جوهره إلى التعنت الإسرائيلي والتخلي الأميركي عنه أكثر مما عاد إلى تمسك عرفات بسلطاته وصلاحياته.

 

"
الجدل حول رئاسة أبو مازن يعكس تباينا واضحا في التقدير الشعبي الفلسطيني لقيادته وتوجهاته ومخاوف لا تخفى من السياسات التي قد ينتهجها
"
لكل هذا كان من الطبيعي أن يصبح أبو مازن مرشح حركة فتح الرسمي لخلافة عرفات، إن عقدت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية في موعدها في يناير/كانون الثاني المقبل، وليس هناك ما يستدعي أن لا تعقد، فمن المتوقع أن ينتخب أبو مازن رئيسا.

 

بيد أن انتخاب أبو مازن، وكما اتضح خلال الأسابيع القليلة التالية لوفاة عرفات، لن يكون أمرا سلسا وبلا عقبات، كما أنه من المستبعد أن يجمع الرئيس الفلسطيني القادم في يديه من السلطة والنفوذ ما استطاع عرفات أن يجمعه، إضافة إلى ذلك فإن الجدل حول رئاسة أبو مازن يعكس تباينا واضحا في التقدير الشعبي الفلسطيني لقيادته وتوجهاته، ومخاوف لا تخفى من السياسات التي قد ينتهجها.

 

سارعت لجنة فتح المركزية لملء الفراغ الناجم عن غياب عرفات حتى قبل أن تعلن وفاة الرئيس رسميا، وليس من الصعب رؤية الدوافع وراء مبادرة قيادة فتح، فالحركة التي تقبض على معظم مقاليد الشأن السياسي الفلسطيني لا تريد أن يتحول غياب الزعيم التاريخي إلى مناسبة لفقدان موقعها القيادي.

 

ولكن لجنة فتح المركزية كانت من الدهاء بحيث أنها عملت مباشرة على عدم تكرار الظاهرة العرفاتية، فأقرت رئاسة أبو مازن لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكنها انتخبت فاروق القدومي (أبا اللطف) لقيادة حركة فتح، وبذلك أصبح أبو مازن رئيسا لأبي اللطف في اللجنة التنفيذية للمنظمة ومرؤوسا له في لجنة فتح المركزية.

 

وبالرغم من أن رفض أبي اللطف العودة إلى منطقة الحكم الذاتي يجعله في موقع ليس بالقوي، فإنه من الضروري عدم الاستهانة بفقدان أبو مازن قيادة فتح التي أمسك عرفات بها بلا منازع منذ 1968، إضافة إلى ذلك، فقد تسلم أحمد قريع (أبو العلاء) رئيس الوزراء الحالي، رئاسة مجلس الأمن القومي، الذي يشرف رسميا على قوى الأمن التابعة للسلطة جميعا.

 

وكانت مطالبة أبو مازن تخلي عرفات عن رئاسة مجلس الأمن القومي إحدى أسباب التوتر بين الرجلين أثناء رئاسة أبو مازن للوزراء.

 

وإذا كان من المتوقع أن يحاول الرئيس أبو مازن فرض سيطرته على أجهزة وقوات الأمن، فلن تكون هذه المحاولة سهلة على الإطلاق بعد أن كان هو شخصيا أحد كبار الداعين لتوزيع السلطات طوال السنوات القليلة الماضية.

 

"
حمل إعلان مروان البرغوثي دخوله حلبة السباق إلى الرئاسة تشكيكا ضمنيا في تعهدات أبو مازن بالحفاظ على الثوابت الفلسطينية الرسمية "
على المستوى القانوني -على الأقل- لن يستطيع الرئيس أبو مازن أن يكون عرفات آخر، كما أن المزاج الفلسطيني، سواء في الأوساط الشعبية أو بين القوى السياسية أو داخل أجهزة السلطة وبرلمانها، ليس من الوارد سماحه لأي من القيادات الفلسطينية بما سمح به لعرفات.

 

بيد أن رئاسة أبو مازن لا تتعلق بالصلاحيات والسلطات فحسب، بل أيضا، وهذا هو الأهم، بالسياسات. فالقلق إزاء السياسات هو ما يرسم توجهات الجدل الفلسطيني الراهن، وهو ما جعل المنافسة لأبو مازن في انتخابات الرئاسة بهذه الجدية.

 

يواجه أبو مازن في ترشيح مروان البرغوثي، القيادي الفتحاوي الشعبي والمسجون في معتقل إسرائيلي، وترشيح الطبيب اليساري السابق الذي نشط في دعم الانتفاضة، مصطفى البرغوثي (وهما ليسا أقارب)، تحديا حقيقيا، لا يؤكد ديمقراطية الانتخابات فقط بل يعكس جوانب الجدل الفلسطيني السياسي كذلك.

 

وبغض النظر عن احتمالات سحب مروان البرغوثي ترشيحه، تحت ضغوط فتحاوية شتى وضمن إطار صفقة ما حول مستقبل قيادة فتح، فقد حمل إعلان مروان دخوله حلبة السباق حول الرئاسة تشكيكا ضمنيا في تعهدات أبو مازن بالحفاظ على الثوابت الفلسطينية الرسمية المتعلقة بحدود 1967 وعودة اللاجئين والسيادة الفلسطينية على القدس الشرقية.

 

كما أن بيان ترشيح مصطفى البرغوثي لم يخل هو الآخر من محاولة إلقاء ظلال من الشك حول حقيقة توجهات أبو مازن. وقد تباحثت قوى المعارضة الفلسطينية الإسلامية والوطنية في إمكان دعم مرشح واحد، إن لم يكن لإسقاط أبو مازن فعلى الأقل لجعل فوزه أقل تأثيرا، وربما لمحاولة وضع حد لتفرد فتح بالسلطة.

 

لم ينجح هذا المقترح بالطبع، وانتهت المعارضة إلى إعلان الجبهة الديمقراطية، ذات النفوذ المحدود مرشحها الخاص، وإعلان حماس والجهاد مقاطعة الانتخابات الرئاسية.

 

القلقون من رئاسة أبو مازن، وهم كثر حتى داخل فتح، يذكرون بإشرافه على اتفاق أوسلو الذي اتضح خلال العقد الماضي إلى أي حد وضع المستقبل الفلسطيني في القبضة الإسرائيلية، وبمعارضته عسكرة الانتفاضة، وتصريحاته غير المقبولة في لقاء العقبة الذي ضمه بالرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، ودخوله على خط الضغوط الأميركية على الرئيس عرفات في العام الماضي.

 

ولا يستبعد هؤلاء أن يسعى الرئيس أبو مازن وبمبررات شتى إلى قمع قوى المقاومة، وجر الوضع الفلسطيني بالتالي إلى احتمالات الاشتباك الداخلي، كما لا يستبعدون إمكان أن يقوم أبو مازن بالتفاوض على حل نهائي يمس فعلا بالثوابت الفلسطينية.

 

ومن وجهة نظر هؤلاء فإن رئاسة أبو مازن ستمثل واحدة من أكبر المشاكل التي سيواجهها الوضع الفلسطيني السياسي الوطني، فوق المشاكل الهائلة التي بات يواجهها منذ انطلاق الانتفاضة داخليا وعربيا ودوليا.

 

بيد أن هناك من يدافع عن أبو مازن، وهم كثر أيضا، ويقول هؤلاء إن للرجل تاريخا عميقا في الحركة الوطنية الفلسطينية، أغلب تفاصيله لم تعرف بعد على نطاق واسع لخجل الرجل وعدم وجود تيار يرتبط به ويروج له.

 

وقد كان إشرافه على مباحثات أوسلو جزءا من سياسة فلسطينية لمنظمة التحرير، وليس شأنا خاصا، ويذكر هؤلاء بدور أبو مازن في مفاوضات كامب ديفد حيث وقف بقوة إلى جانب رفض عرفات مقترحات باراك وضغوط كلينتون، بالرغم من أن الوفد الفلسطيني قد انقسم على ذاته آنذاك.

 

ويؤكدون أن اختلاف أسلوب العمل بين عرفات وأبو مازن لا يعني على الإطلاق أن الأخير سيفرط في أي من الثوابت، بل إن الأرجح أنه سيكون أكثر تشددا من سابقه نظرا لإدراكه أنه لا يحمل التفويض الشعبي والوزن التاريخي الذي كان يحمله عرفات.

 

ويقول هؤلاء أيضا إن أبو مازن ليس سياسيا مبتدئا، وقد رأى رأي العيان أثناء رئاسته للوزراء كيف تتبخر الوعود الأميركية، ويتحول التفاوض مع شارون إلى عملية دموية باهظة التكاليف.

 

"
رغم تعهدات بوش الجديدة بالعمل على قيام دولة فلسطينية مستقلة خلال السنوات الأربع القادمة فإن احتمالات تسوية تستجيب للحد الأدنى من الطموحات الفلسطينية لا تزال بعيدة
"

أبو مازن -يؤكد هؤلاء- الذي عرف طوال تاريخه السياسي بصراحته وصدقه، لن يلقي بقوى المقاومة إلى مائدة شارون، وسيجعل من صلابة وحدة الشعب أداة التفاوض التي لا يمكن التفريط بها.

 

إن أحدا لا يمكنه أن يتجاهل حقيقة المنعطف الهام الذي تمر به حركة التحرر الوطني الفلسطينية، ومهما كانت نوايا أبو مازن فإن وفاة عرفات أشارت إلى نهاية عصر القائد التاريخي الملهم، القائد الذي يجسد طموحات شعبه، ويعطيه الشعب ثقته بلا مساءلة.

 

ويبدو طراز أبو مازن السياسي، وسلوكه الأقرب للنخبة البيروقراطية منه إلى الزعيم الشعبي، وكأنه استجابة لإرهاق الفلسطينيين من عبء الزعامة التاريخية الملهمة.

 

قد يكون هذا في النهاية الرئيس العادي الذي تمكن معارضته بدون الاتهام بالخيانة وشق الصف، والذي يمكن إسقاطه من سدة الرئاسة بدون الخوف من سقوط سقف العالم.

 

ويدفع الفلسطينيون يوميا ثمنا غاليا لانتفاضتهم وسعيهم لتحقيق أهدافهم الوطنية، في وقت لم يعد فيه الوضع العربي على ذات المستوى من التماسك والتضامن الذي كان عليه في نهاية التسعينات.

 

من ناحية أخرى، كسر فشل الاحتلال الأجنبي للعراق الكثير من زخم الهجوم الخارجي على المنطقة، كما تشير خطة الانسحاب الشاروني من قطاع غزة إلى انتصار جزئي حقيقي للانتفاضة.

 

وبالرغم من تعهدات بوش الجديدة بالعمل على قيام دولة فلسطينية مستقلة خلال السنوات الأربع القادمة، فإن احتمالات تسوية تستجيب للحد الأدنى من الطموحات الفلسطينية لا تزال بعيدة.

 

إن التداخل الفلسطيني الاستيطاني في الضفة الغربية هو تداخل دموي وبالغ التعقيد، كما أن الجدار العنصري الفاصل المؤيد أميركيا قد أضاف تعقيدات جديدة إلى قضية الحدود.

 

"
ليس بمقدور الفلسطينيين الاستسلام والقبول بتسوية ما لمجرد المساعدة على الاستقرار في المنطقة بعد أن أطاح التدخل العسكري الأجنبي بكل إمكانات الاستقرار فيها
"
أما مسألتا اللاجئين والقدس فإن أحدا لا يمكنه تصور إمكان التوصل إلى اتفاق مرضي حولهما مع حكومة شارون وبتوسط إدارة بوش الابن.

 

بعد كل هذه التضحيات، وفي ظل الوضع الراهن، ليس بمقدور الفلسطينيين الاستسلام والقبول بتسوية ما لمجرد المساعدة على الاستقرار في المنطقة بعد أن أطاح التدخل العسكري الأجنبي بكل إمكانات الاستقرار فيها.

 

قد يستحق أبو مازن إعطاءه فرصة الرئاسة، حفاظا على الاستمرارية ومراعاة لتوازنات القوى الدولية وخشية أن يؤدي إضعاف حركة فتح إلى فقدان الفلسطينيين مركز ثقل حركتهم الوطنية لعقود طويلة قادمة.

 

ولكن الرئاسة يجب أن تعطى بدون التفويض المطلق، لا على مستوى الأصوات الانتخابية ولا على مستوى الصلاحيات. وهذه بالتأكيد مهمة الوعي الشعبي والرقابة البرلمانية ويقظة الساحة السياسية.

 

أما محاسبة أبو مازن فيجب أن تتم على أساس السياسات التي سيتبعها لا الحدس والتخمينات ومؤشرات الماضي المتناقضة.


__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف