هل تدخل تركيا في المنظومة الأوروبية أو بعبارة أدق هل يسمح لها بالدخول؟ هذا السؤال لم يزل يحير القادة الأتراك منذ عقد الستينيات، ولم تفلح كل المحاولات وكل الجهود في ضمان دخول سريع لتلك المنظومة الأوروبية التي يتزايد تأثيرها وترتفع أهميتها يوما بعد يوم.
 
أوروبا لم تعد تلك المنظومة المتقاتلة والمتناحرة بل هي كيان ضخم لا يضاهيه في القوة إلا أميركا وقد يفوق الأخيرة على النطاق الاقتصادي، ولا عجب إذن أن تطمح تركيا لأن تدخل هذا النادي النخبوي على أمل أن تحقق فيه منافع ومكاسب وأهدافا أخرى.
 
لكن المشكلة التي تعترض عملية الدخول صعبة ومعقدة ومركبة في آن معا لكن يمكن اختصارها بمعادلة بسيطة تتمثل في ما يسمى عقدة التجاهل وسياسة التستر.

فتركيا تتجاهل أنها دولة مسلمة وتحاول إقناع أوروبا أنها علمانية وأوروبية مثلها مثل غيرها، وأوروبا تتستر على هذا التجاهل وتسايره وتحاول أن تؤكد هي الأخرى أنها علمانية ومنفتحة وليبرالية.
 
"
يمكن تفهم بعض الشروط الأوروبية المفروضة على تركيا مثل قضايا حقوق الإنسان، لكن ما لا يمكن فهمه أن تصبح عملية الدخول إلى الاتحاد الأوروبي مشروطة بالتخلي عن معتقدات في صميم دين الفرد
"
وهذا على ما يبدو صميم المشكلة، فلا أوروبا حسمت قرارها ولا تركيا اختارت هويتها، وكان الناتج التضارب في الأقوال والتستر وراء أقنعة زائفة.
 
السادس من أكتوبر/ تشرين الأول القادم سيكون حاسما لتركيا، لأن المفوضية الأوروبية ستقرر ما إذا كانت حكومة حزب العدالة والتنمية قد وفت بالشروط أم لا، إن وفت بالشروط فسيحال الأمر عندها إلى زعماء الاتحاد في اجتماعهم القادم في ديسمبر/ كانون الأول لإعطاء الإذن بفتح مفاوضات الانضمام للنادي الأوروبي.
 
لكن قرار البدء بالمفاوضات لا يعني أبدا القبول الحتمي لتركيا، بل قد يستغرق الأمر سنوات إن لم يكن عقدين من الزمن، ولذا لم يكن غريبا أن يشتد التراشق بين الطرفين ويتابعا سياستي التجاهل والتستر.

حدثان وقعا مؤخرا يسترعيان الانتباه هما مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية وتصريح المفوض الأوروبي الهولندي فريتز بولكشتاين، الحدثان يؤكدان صراحة أن سياسة التجاهل التركية والتستر الأوروبية لن يكتب لهما الاستمرار لأن تركيا وإن اختارت التجاهل طواعية فإنها تبقى محكومة في النهاية بمنطق الواقع وقوة التاريخ.

وأوروبا لن تستطيع هي الأخرى المضي قدما في سياسة  التستر لأن المواجهة مع الحقائق ستجبرها على التخلي عن تلك السياسة وإعلان ما تضمره علانية، وهذا أمر منطقي لأن السياسة غير الواقعية والصريحة تصبح طلاء سرعان ما يتفتت أمام وهج الشمس وحرارتها الحارقة.
 
لا أحد ينكر أن تركيا دولة مسلمة ولا أحد يتجاهل أن حزب العدالة والتنمية حزب إسلامي يؤمن بالإسلام ويرى وإن بطرق ملتوية أن الشعب مؤمن ومسلم، وبالتالي لا ضير من إدخال تعديلات قانونية على يد حكومة تدعي على استحياء أنها إسلامية وبقوة أنها ديمقراطية تجسد قناعات الشعب وتستجيب لعقيدته وإيمانه.
 
ويدرك الجميع أن الشعب فرضت عليه في العقود الكثيرة المنصرمة علمانية لا تحبذها الأكثرية منه وإنما تتعايش معها بواقع قوة العسكر ومنطق الأمر الواقع، لذلك يعرف حزب العدالة والتنمية تماما أن أي سياسات يتبناها يجب أن تستجيب على الأقل لتطلعات وطموحات هذا الشعب، وكذلك أن تراعي في الوقت نفسه حساسيات العسكر، وإلا فإن قادته في أحسن الأحوال سيجبرون بالقوة على الخروج من السلطة وفي أسوئها سيكون مصيرهم لا يختلف عن مصير رئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس.
 
هذه الموازنة أتقنها حتى الآن حزب العدالة إتقانا تاما، وهذه إيجابية تسجل له، إذ استطاع أن يقلص دور العسكر تحت شعار الديمقراطية ويحسن شروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتمكن من إدخال إصلاحات كثيرة كان من الصعب تخيلها في الماضي مثل إعطاء حقوق محدودة للأكراد وإصلاحات في مجالات حقوق الإنسان.
 
لكن المشكلة لم تعد الآن تكمن في العسكر أكثر مما تكمن في أوروبا حين بدأت أوروبا وبتزايد سياسة الضغط غير المنطقي على تركيا لحملها على التخلي عن قضايا تعتبر في صميمها من صلب الهوية التركية.
 
قد يمكن تفهم بعض الشروط الأوروبية المفروضة مثل قضايا حقوق الإنسان لكونها قيما عالمية يتوافق عليها البشر من منطلقات إنسانية ومثل قضايا تجارية تتطلب الانصياع  لمواصفات معينة حرصا على الصحة العامة أو المنافسة العادلة، لكن ما لا يمكن فهمه أن تصبح عملية الدخول إلى تركيا مشروطة بالتخلي عن معتقدات ذاتية في صميم الفرد وجوهر اعتقاده.
 
فعندما قررت حكومة حزب العدالة والتنمية تعديل قانون الأحوال الشخصية لتجعل جريمة الزنا جرما يعاقب عليه القانون، لم يعترض العسكر وإنما أوروبا. إذ أعلنت أوروبا بوضوح وعلى لسان المفوضية الأوروبية وغيرها من الساسة البارزين أن إقرار هذا القانون يضر بتركيا ويؤخر عملية انضمامها إلى النادي الأوروبي.
 
هذا التجريم هو برأي صانعي قرار النادي الأوروبي أمر عفا عليه الزمن ولا ينسجم مع قيم ومثل أوروبا الحديثة، فأوروبا الحديثة لا ترى في المعاشرة الجنسية ضيرا ولا ترى أن المجتمع التركي يجب أن يعارضها لأن معارضته تثبت أنه بعيد عن قيم أوروبا ومثلها.
 
لقد اختارت أوروبا أن تطرح الدين -كما ترى- جانبا، وعلى تركيا فعل الشيء نفسه لكي تستحق ما هو أقل من الدخول في أوروبا أي مجرد الخطو باتجاه البوابة الأوروبية.
 
الغريب أن الاعتراض الأوروبي لم يأت من أشخاص معروفين بعدائهم لدخول تركيا للاتحاد إنما من قيادات داعمة لتركيا وتحبذ دخولها مثل بريطانيا، فوزير الخارجية البريطاني المعروف بتفهمه للإسلام، الذي ينتخب في دائرة انتخابية فيها نسبة كبيرة جدا من الناخبين المسلمين، أعلن أن هذا القانون سيضع صعوبات أمام آمال تركيا لدخول الاتحاد.
 
كذلك أعلن مفوض توسيع الاتحاد الأوروبي فرهاغين الموكل إليه وضع تقرير عن مدى تقدم تركيا أن القانون قد يفهم في أوروبا على أنه إعطاء أولوية للتيارات الإسلامية.
 
"
تركيا المسلمة التي تطبق قوانين إسلامية تعيد إلى الذاكرة ماضيا مريرا لا يمكن الترحيب بها في المنظومة الأوروبية على الإطلاق
"
لماذا يا ترى جن جنون أوروبا؟  ليس لهذا تفسير إلا سياسة التستر، فأوروبا التي تؤمن بالتعددية والحرية المطلقة للناخبين لا يمكنها أن ترى وسطها كيانا تختار أكثريته إسلاما يعتبر في حقيقته منافسا للتفوق الأوروبي.
وليس بمستطاعها أن تنكر ذلك علانية فكان اللجوء إلى التستر والتخفي تحت شعارات القيم الأوروبية واعتبار أن هذا القانون يلغي الحرية الفردية ويدخل الدين في إطار الحياة العامة وهو ما لا تقبله أوروبا.
 
لكن ما هو معروف لدى الجميع أن القوانين ليست إلا انعكاسا لرغبات المواطنين وقيمهم، ولا يشك أحد بأن أكثرية الشعب التركي تدين بالإسلام وترغب بتطبيق ما تؤمن به، لذلك فإن الإصرار على إجهاض مشروع تعديل القانون على عكس ما تدعيه أوروبا هو نفسه إلغاء للحرية الفردية والقيم التي يدين بها المجتمع.
 
كما أن هذا الإصرار لا يفهم إلا على أنه استعلاء ورفض للقيم الإسلامية ودفعها إلى الانسحاب من الحياة العامة وإحلال قيم أوروبا ومثلها مكانها، وكان الأحرى أن تطالب أوروبا باستفتاء على القانون، كما تفعل في بلدانها، لترى ما إذا كان الشعب التركي يؤيده أم لا، لكنها لم تفعل واختارت بدلا من ذلك سياسة التستر والتخفي.
 
أما تركيا فتابعت هي الأخرى سياسة التجاهل ووجدت في الاعتراض قضية يمكن تفهمها والتعامل معها من واقع عقلاني يسمح في النهاية بالتراجع عن بند التجريم في هذا القانون.
 
وقد أعلن مسؤول تركي في معرض تعليقه على سحب المشروع "المشروع كان سقطة آنية غاب فيها العقل ونأمل الآن أننا تجاوزناها". أما رئيس الوزراء رجب أردوغان فاعتبر أن القانون هو لحماية الزوجات من أزواجهم غير الأوفياء ولم يتجرأ على التصريح بجوهر القانون وبأنه استجابة لتطلعات الناس، إنما اختار توصيفه على أنه يضمن للنساء حقوقا أكثر.
 
وهنا تبرز المشكلة الحقيقية لسياسة التجاهل التركية التي لا تعير الحقائق الدامغة أي اهتمام وتحيل كل عقبة إلى تأويلات وتخريجات آنية.
 
فعندما صرح المفوض الأوروبي للسوق الأوروبية الموحدة، فريتز بولكشتاين بأن قبول تركيا في المنظومة الأوروبية معناه التفريط بدماء وأرواح الذين دافعوا عن فيينا عام 1683 أمام الزحف التركي الإسلامي، لم تحرك تركيا ساكنا ولم يسارع قادة أوروبا البارزون لإثبات عكس ذلك.
 
بولكشتاين كان يعبر عن وجهة نظر يؤمن بها كثيرون ليسوا فقط شعوب أوروبا وإنما قادة أوروبيون وعلى رأسهم واضع دستور الاتحاد جيسكار ديستان الذي أكد صراحة أن النادي الأوروبي هو ناد مسيحي وبالتالي لا يمكن لدولة إسلامية أن تدخله.
 
والأخطر أن ديستان نفسه واضع الدستور عمل على وضع بند فيه يجعل من دخول تركيا أمرا فائق الصعوبة، فهذا البند  "الأكثرية المزدوجة" كما تقول وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة آنا بلاثيو لم يكن بريئا على الإطلاق، إنما كان مصمما لعرقلة دخول تركيا، وذلك بربط دخولها باستفتاء شعبي في دول الاتحاد.

يقول ديستان مبررا هذا البند الجديد "الأكثرية المزدوجة" إنه في حال وجود مشروع ضخم كهذا لا بد أن يؤخذ رأي  المواطنين فيه.
 
بعبارة أخرى إن مشروعا ينص على قبول تركيا أمر لا يمكن قبوله على الإطلاق، لأن تركيا في نهاية المطاف دولة إسلامية، فإن قبل الزعماء لأسباب تكتيكية ومصلحيه آنية بتركيا فلا بد من عرقلة ذلك بربط القرار بمواطني أوروبا.
 
وبالطبع لم تزل أوروبا هي أوروبا المؤمنة بالقيم المسيحية المخففة عما كانت عليه، ولم يزل الشعب كله يرى أن ما يمارسه من عادات وطقوس هي الأنسب ليس فقط له بل لكل البشر.
 
ولذا فإن بلدا مثل تركيا المسلمة التي تطبق قوانين إسلامية تعيد إلى الذاكرة ماضيا مريرا لا يمكن الترحيب بها في المنظومة الأوروبية على الإطلاق.
 
ما يخشاه صناع القرار في أوروبا هو امتداد الإسلام البشري في أوروبا، لذا قال بولكشتاين صراحة إن دخول تركيا معناه "أسلمة أوروبا"، فتركيا بتعداد سكانها الضخم الذي يعتبر الثاني بعد ألمانيا تشكل خطرا كبيرا على الهوية الأوروبية، لأن هذا الشعب سينتشر مثل الجراد في أوروبا وبالتالي سيحقق سلما ما عجز عنه أجداده العظام في أوج عزتهم وجبروتهم حربا.
 
كما لم يجد المفوض التجاري الأوروبي النمساوي فرانز فيشلر ضيرا في القول إن تركيا شرقية أكثر منها أوروبية ونحن بحاجة إلى خطة "ب" للتعامل مع تركيا. لكن أوروبا سارعت إلى القول بأن ما يقوله هؤلاء لا يعبر إلا عن رأيهم ولا يعكس على الإطلاق رؤيتها وإنما الذي تريده من تركيا هو الانصياع لشروط الاتحاد التي لا علاقة لها بهذا كله!! إنها سياسة التستر بعينها.
 
"
المسؤولون الأتراك يعرفون تماما أن ما تطلبه أوروبا منهم غال وصعب وليس بالوسع طرحه على الشعب للمناقشة فاختاروا التجاهل
"
رغم كل هذه المعطيات الواضحة تابعت الحكومة التركية سياسة التجاهل فاعتبرت ما قيل ينتمي للماضي ولا صلة له بالحاضر، فقد أعلن السكرتير الأول في بروكسل عاصمة الاتحاد رادا على هؤلاء "آسف العالم كله تغير" بمعنى أن هؤلاء لا يزالون يعيشون في الماضي ولا يفهمون الحاضر!!
 
ولكن الحقيقة المرة أن المسؤولين الأتراك يعرفون تماما أن ما تطلبه أوروبا منهم غال وصعب وليس بالوسع طرحه على الشعب للمناقشة، فاختاروا التجاهل واعتبار أن ما قدموه من تنازلات وإصلاحات كفيل بأن يجبر أوروبا على وقف سياسة التستر والتخفي وراء أقنعة وأسباب واهية.
 
قد يكون هذا صحيحا لأن المضي بالتنازلات قد يجبر أوروبا في نهاية المطاف على الوصول إلى الطريق المسدود الذي ليس أمامه إلا طرح سياستها والقبول بتركيا.

لكن المشكلة تكمن في أنه حتى على فرض أن القرار الذي سيصدر في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول سيكون مؤيدا (وهذا وارد جدا)، وعلى فرض أن الزعماء الأوروبيين وافقوا في ديسمبر/ كانون الأول على فتح المفاوضات مع تركيا (وهذا صعب للغاية) فإن تركيا لن يكون بوسعها الانضمام حقيقة إلا عام 2025.
 
هذه المدة الزمنية طويلة جدا ومرهونة بتطورات قد تقلب الأمور كلها رأسا على عقب إضافة إلى أنه آنذاك لن تفيد تركيا من الاتحاد كثيرا، لأن عصر المعونات الاقتصادية يكون قد ولى بموجب عولمة الاقتصاد وشروط منظمة التجارة العالمية. لكن مقابل هذا كله ستجد تركيا نفسها ترمي شيئا فشيئا تاريخها وهويتها.
 
كما أن من سلبيات هذه السياسة سلب الشعب تطبيق ما يؤمن به ما يخلق على المدى البعيد مجتمعا منقسما على نفسه وشعبا لا تجمعه ضوابط حول هويته.
 
تركيا بسياسة التجاهل هذه قد تصل إلى ما يسمى لحظة الحسم مع أوروبا لكنها ستجد آنذاك أنها تنازلت عن الكثير وحققت القطيعة مع الإسلام مقابل حلم الدخول في ناد أوروبي يصر قادته على أنه ناد مسيحي!!
___________________
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة