منير شفيق

رغم ارتفاع المواجهات العسكرية في العراق وفلسطين ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة فإن الحراك السياسي الدولي راح يتمحور حول المشكل النووي الإيراني. بل يمكن القول إن الكيفية التي ستنتهي إليها الضغوط الدولية على إيران لمنعها من امتلاك القدرة النووية (إجراء الدورة النووية الكاملة) بصورة مستقلة، ستقرر اتجاه الأحداث في العالم وفي المنطقة من بعدها.

وعلى التحديد إذا لم تنجح المساومة التي يطرحها الروس والأوروبيون أو ما هو قريب منها، فستفتح أبواب للتوتر والتأزم قد تصل حد التهديد باستخدام القوة أو استخدامها فعلا.

"
انفراد إسرائيل بامتلاك القنبلة النووية يشكل تهديداً دائماً للأمن القومي العربي والإسلامي
"

وبالطبع لا حاجة إلى الخيال لتصور ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في منطقتنا وفي العالم أثناء ذلك وبعده.

ثمة مجموعة من الحقائق يجب وضعها في خلفية تقدير الموقف قبل البدء في تناوله:

أولا- من حق إيران كما أنه من حق كل دول العالم امتلاك القدرة النووية السلمية، وهذا ما يفترض أن تضمنه كل المواثيق وحتى الوكالة الدولية للطاقة النووية، مع ضرورة المراقبة المشددة خشية الانتقال بذلك إلى قدرة نووية عسكرية قابلة لإنتاج القنبلة النووية.

ولكن من وجهة نظر العدالة والمساواة بين الدول وخصوصا مع امتلاك الدولة العبرية مئات القنابل النووية ووسائل نقلها، ومن ثم تهديدها للأمن القومي للدول العربية والإسلامية، فإن من حق من استطاع من هذه الدول امتلاك "القنبلة" مع وسائل نقلها أن يفعل ذلك.

وذلك بديهي لأن انفراد إسرائيل بامتلاك القنبلة النووية يشكل تهديداً دائماً للأمن القومي العربي والإسلامي، ويسمح لها بالتفوق العسكري الكاسح على الدول العربية والإسلامية مجتمعة من إيران إلى المغرب مروراً بتركيا، الأمر الذي يتيح لها الابتزاز السياسي والاقتصادي والثقافي، ابتداء من القضية الفلسطينية وانتهاء بهدف الهيمنة على المنطقة.

لهذا فقد وضع منذ الستينيات خط أحمر تتبناه الدولة العبرية وإستراتيجيات الدول الكبرى -بما فيها الاتحاد السوفياتي سابقاً- يقضي بعدم السماح لأي دولة في المنطقة بتجاوزه، فقد أجبرت مصر منذ الأعوام 1964-1966 على إغلاق ملف الأبحاث النووية التي كانت قد بدأت به.

ثانياً- هذا الخط الأحمر لم يقتصر على امتلاك "القنبلة" أو أي سلاح دمار شامل فحسب، وإنما أيضاً امتد إلى حظر امتلاك القدرة النووية للأغراض السلمية حتى في ظل المراقبة المشددة من جانب وكالة الطاقة النووية أو هيئات تعينها الدول الكبرى، وهذا ما يفسر الصراع الإسرائيلي-الدولي الموجه ضد إيران الآن.

وقد وصل هذا الصراع نقطة الحسم بعدما تأكد أن إيران امتلكت -أو اقتربت من امتلاك- القدرة على إنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية من دون مساعدة أية دولة أخرى، ومن دون حاجة إلى استيراد اليورانيوم المتوفر بكثرة في أراضيها.

"
إيران ما زالت في حدود ما هو حق لها من زاوية اتفاقية الحد من حيازة الأسلحة النووية والبروتوكولات المتعلقة بها، لكن إسرائيل وإستراتيجيات الدول الكبرى -عدا الصين- ترفض ممارستها لهذا الحق
"

فعلى الرغم من أن إيران ما زالت في حدود ما هو حق لها حتى من زاوية اتفاقية الحد من حيازة الأسلحة النووية والبروتوكولات المتعلقة بها، فإن الخط الأحمر الإسرائيلي والخط الأحمر في إستراتيجيات الدول الكبرى -عدا الصين- يرفض ممارستها لهذا الحق لسبب بسيط هو أن من يصل إلى التحكم بالدورة النووية بصورة مستقلة تصبح القنبلة النووية بين يديه عمليا، حتى لو أعطى العهود بعدم الانتقال إلى تلك المرحلة واستعد لوضع نشاطه النووي السلمي تحت المراقبة المشددة.

وحتى رغم فتوى تحريم إنتاج القنبلة النووية مع المراقبة المشددة، فإن ذلك الخط الأحمر بقي يعطي إشارات الإنذار باستخدام كل الوسائل للحيلولة دون امتلاك إيران الطاقة النووية حتى للأغراض السلمية.

ثالثا- أن إعلان إيران قدرتها على امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية يدخلها النادي النووي بالضرورة، وهذا يعني انقلابا في معادلات موازين القوى الإقليمية على الأقل إن لم يكن على مستوى عالمي.

وهذا الأمر يتعارض مع الإستراتيجية الأميركية والمشروع الصهيوني في المنطقة تعارضا صارخا، وهو ما لن يقابل بالرضى من جانب أوروبا والجارة روسيا، وربما حتى بعض الدول العربية والإسلامية.

واستكمالاً لهذه الخلفية ثمة تساؤلان قد يثاران: أحدهما يتعلق بالقنبلة النووية الباكستانية ولماذا لم يسارع لمعاملة باكستان كما تعامل إيران، ومن قبل عوملت مصر ومؤخراً العراق؟

إن الصراع الهندي الباكستاني يضع إسلام آباد بين براثن دلهي، ومع ذلك فإن تجريد باكستان من تلك القدرة ومن أسلحتها النووية هو على الأجندة الأميركية الإسرائيلية قطعاً، وهما تخططان وتعملان من أجله ليل نهار.

ومع ذلك فإن السماح لباكستان بأن تفلت بالقنبلة في ظروف محددة لا يلغي كل ما قيل حول عدم السماح لإيران بالذات، ولمصر بصورة أشد وأقل صبراً، في حين لم يكن ضرب المفاعل النووي العراقي بحاجة إلى مفاوضات أو إنذار فقد دخل حيز التنفيذ فوراً.

أما التساؤل الثاني فيتعلق بالخوف من النظام الإسلامي في إيران، وهذا صحيح ولا شك أنه مما يزيد الخط الأحمر توهجا، إلا أن المحظور ينطبق على أي نظام في إيران.

وما مثل الضغط الذي تعرض له نظام الشاه ببعيد حين رفع من وتيرة تسلحه على المستوى الأسلحة التقليدية.

يعتبر البعض أن ذلك كان سببا من بين أسباب أخرى لتركه يتهاوى من دون دعمه في الوقت المناسب، وذلك يعني أن الخط الأحمر آنف الذكر إستراتيجية إسرائيلية دولية لعشرات السنين وبغض النظر عن طبيعة الأنظمة.

فلم يقتصر الحظر النووي -مثلا- على النظام الناصري بمصر وإنما امتد إلى من جاء بعده وسيمتد إلى من يجيء بعدهم، مهما تكن طبيعة أنظمتهم.

"
السماح لباكستان بأن تفلت بالقنبلة في ظروف محددة لا يلغي كل ما قيل عن عدم السماح لإيران بالذات ولمصر بصورة أشد وأقل صبراً، في حين لم يكن ضرب المفاعل النووي العراقي بحاجة إلى مفاوضات أو إنذار
"

ومن هنا ندرك الآن لماذا انتقل مركز الثقل في الضغوط الدولية من فلسطين والعراق إلى الإشكال النووي الإيراني رغم أن صور المجازر التي تتعرض لها الفلوجة وقطاع غزة تغطي أغلب نشرات القنوات الفضائية وصدارة الصحافة السيارة، ورغم أن موضوع المؤتمر الدولي الذي يراد عقده في مصر حول العراق يسبق في نشرات الأخبار ما يجري حول الإشكال النووي الإيراني.

ويمكن إذا قبل التحليل الذي يعتبر أن مركز الثقل انتقل إلى ذلك الإشكال، أن يفسر السعي المحموم للحسم في فلسطين والعراق في ارتباطه به.

فالتصعيد الحالي تعدى الهدفين العراقي والفلسطيني، وتخطى حتى المعركة الانتخابية الرئاسية الأميركية، ربما لهدف تهيئة الوضع للمعركة ضد إيران إذا لم ترضخ لشروط المساومة المطروحة أمامها وإذا أصرت على حقها في تخصيب اليورانيوم وبلوغ الذروة النووية بصورة مستقلة إنتاجاً وتصنيعاً.

يمكن أن يلاحظ كيف تحول الموضوع النووي الإيراني إلى مركز الثقل من خلال فتح الملف السوري اللبناني على تلك الصورة السريعة والملحة.

ويبدو الأمر أكثر وضوحاً حين يتبين أن ما جرى من اتفاق سوري أميركي حول العراق ليس كافياً، وأن إثارة وجود قائدي حماس والجهاد خالد مشعل ورمضان عبد الله وعدد من القادة الآخرين في دمشق لم يأخذ مركز الصدارة في الضغوط الأميركية قياساً بالضغط الممارس للانتهاء من وجود حزب الله في جنوب لبنان.

وهذا يجب أن يربط بما أعلنته تصريحات وتسريبات أميركية وإسرائيلية عن وجود آلاف الصواريخ التي تصل إلى المدن الإسرائيلية لدى المقاومة الإسلامية، الأمر الذي يدخل في إطار التحضير للحرب ضد إيران أكثر مما يدخل في موضوع الوجود السوري في لبنان أو الوضع اللبناني أو الفلسطيني.

ومن هنا يمكن القول إن الوضعين الإقليمي والعالمي يقفان الآن أمام مفترق طرق، إما المساومة ضمن البديل المعروض على إيران، وقد رفضته بحزم وإن لم تغلق باب المفاوضات والمساومة، وإما استخدام القوة المسلحة لتدمير المفاعلات. وهنالك من يضيف احتمالاً افتراضيا ثالثا ضعيفا وهو التخريب من الداخل.

ولأن الموضوع النووي يحظى بأعلى درجات الأهمية في الإستراتيجية الدولية المعاصرة، ولأنه هنا يتعلق بالدولة العبرية بصورة خاصة، ولأنه يصطدم بالخطوط الحمر الموضوعة لدول المنطقة العربية والإسلامية، ولأن إدارة بوش -ولن تختلف إدارة كيري عنها في هذا الموضوع- غير واثقة من رضوخ إيران، ولا تحتمل أن يبقى هذا الأمر معلقا فترة طويلة، فإن المسرح يهيأ الآن لشن الحرب على إيران في العراق وفلسطين وسوريا ولبنان، وفي ما وراء الكواليس الأميركية العربية والأميركية التركية، وهي تهيئة تخدم الضغوط السياسية على إيران بإشعارها بالجدية الأميركية الإسرائيلية.

"
التصعيد الحالي تعدى الهدفين العراقي والفلسطيني، وتخطى المعركة الانتخابية الأميركية لهدف تهيئة الوضع للمعركة ضد إيران إذا لم ترضخ لشروط المساومة المطروحة أمامها وإذا أصرت على حقها في تخصيب اليورانيوم
"

وهنا لا بد من أن تدخل الوساطات الأوروبية الروسية مع إيران لتحقيق أهداف الحرب بلا حرب من ضمن إجراءات تهيئة مسرح استخدام القوة العسكرية التي قد تأخذ طابع اتفاق دولي بما يشبه ما حدث في الحرب على أفغانستان.

فروسيا وأوروبا حريصتان على عدم استقلال إيران بقدرتها النووية، أو دخولها النادي النووي ولو من الباب السلمي.

ومن ثم فإن وضع إيران رغم امتلاكها جانب الحق والعدالة، وحتى الشرعية الدولية من جهة المواثيق والاتفاقات الخاصة بالأسلحة النووية أو الاستخدام النووي لأغراض سلمية، ورغم مرونتها العالمية في المساواة وتقديم التطمينات والضمانات الضرورية لإبقاء إنتاجها للطاقة النووية في الحدود السلمية، فإنه وضع صعب جداً من زاوية سياسات الدول الكبرى الأخرى عدا الصين، وعدا طبعا تعاطف الشعوب العربية والإسلامية، بل وحتى أوساط واسعة من الرأي العام العالمي الذي عارض الحرب على العراق واعتبرها عدوانا وبلا شرعية.

ويبقى السؤال الأخير حول مدى الجدية التي تنظر من خلالها الإدارة الأميركية والدولة العبرية إلى تهديدات إيران بالرد القوي على أي عدوان تتعرض له، لأن هذه هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن يفهماها.

وفي المقابل، إلى أي حد ستذهب إيران بموقفها الراهن وهي المتأكدة من جدية التهديدات الأميركية الإسرائيلية؟

ما نشر حول الجمهورية الإسلامية الإيرانية يشير إلى أنها مصممة على عدم التخلي عن مشروعها النووي وحقها فيه.

وقد انعقد إجماع إيراني وطني حول هذا المشروع لم يسبق له مثيل، واستعرضت إيران صاروخ الألفي كيلومتر وتهيأت للصمود والمواجهة مع مواصلة التفاوض والمساومة بانفتاح ومرونة، رافضة حتى الآن ما عرضه الأوروبيون والروس عليها.

هذا يعني أن الوضع دخل مراحله الخطرة، فأي الطريقين يأخذ.. المساومة والحرب فرسا رهان، والحق والباطل متواجهان، وإلا لماذا لا ينزع السلاح النووي الإسرائيلي الفالت من أي رقابة، في حين تحرم المنطقة من امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية مع كل ما شئت من ضمانات ورقابة مشددة؟


__________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف