- "أبو غريب" في طبعته الموريتانية
- إهدار حقوق المتهمين وذويهم
- المعاهدة والدستور وثقافة التعذيب
- صراع البقاء بين معاوية وموريتانيا

 

بدأت منذ 21/11/2004 محاكمات العسكريين الموريتانيين المتهمين بمحاولة الانقلاب على سلطة الرئيس معاوية ولد الطايع الذي وصل إلى الحكم في انقلاب عسكري منذ عشرين سنة خلت. ولهذه المحاكمات مغزى سياسي كبير، وأبعاد قانونية متشعبة، وظلال على حاضر موريتانيا وآتي أيامها.

 

وقد اتسمت قصة الانقلابات والمحاكمات الموريتانية التي بدأت فجر الثامن من يونيو/حزيران 2003 بالعديد من التجاوزات على حقوق المعتقلين الإنسانية، والخروقات القانونية ضدهم وضد ذويهم.

 

كما شهدت الكثير من التوظيف السياسي الذي أخل بمصداقية المحاكمات، وجعلها أقرب إلى المهزلة السياسية منها إلى عملية تقاض نزيهة.

 

"أبو غريب" في طبعته الموريتانية

"
اعتمدت القيادة الموريتانية مع المعتقلين أسلوب الإماتة المؤلمة البطيئة فوضعتهم في ظروف غير إنسانية وسلطت عليهم صنوفا من التعذيب والإهانة لا تليق بالبشر
"

منذ أن فشل انقلاب الثامن من يونيو/حزيران 2003 واعتقل العديد من قادته ومن المتهمين بالمشاركة فيه، اعتمدت القيادة الموريتانية مع المعتقلين أسلوب الإماتة المؤلمة البطيئة، فوضعتهم في ظروف غير إنسانية، وسلطت عليهم صنوفا من التعذيب والإهانة لا تليق في التعامل مع البشر.

 

ولم ير الرئيس الموريتاني فائدة في إغلاق الملف، أو إخراجه إلى قاعات المحاكم، لأن ذلك سيخفف من قبضته على المعتقلين، ويمنعه من ممارسة الانتقام الشخصي عليهم، وهم الذين اضطروه إلى الهرب من قصره ثلاثة أيام قضاها مختبئا في السفارة الإسبانية، وأسقطوا هيبة سلطته من نفوس شعبه إلى الأبد.

 

وأخيرا استطاعت السلطة الموريتانية الإمساك بقائد المحاولة الانقلابية وبعض المقربين منه، وهم داخل موريتانيا يحضرون –فيما يبدو- لانقلاب جديد، فتجددت عمليات التعذيب الوحشي بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.

 

وقد انفجرت فضيحة التعذيب في السجون الموريتانية مؤخرا بعد تكشف معطيات جديدة لم تكن معروفة من قبل:

 

- فقد أدلى بعض القادة الإسلاميين الذين اعتقلوا لبضعة أيام بشهاداتهم للإعلام، وللمنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان، ووصفوا مشاهد مروعة من آثار التعذيب التي رأوها على وجوه وأجساد مدنيين آخرين معتقلين. ولم يغفر الرئيس الموريتاني لأولئك القادة شهادتهم، فأعاد اعتقالهم ولا يزال مصرا على ذلك، رغم تأكيد منظمة العفو الدولية في بيان لها صادر يوم 24/11/2004 أنهم "سجناء ضمير تم اعتقالهم بسبب معتقداتهم الدينية والسياسية حصرا".

 

- ثم قدم محامو الدفاع الذين سمحت لهم السلطة الموريتانية بزيارة المعتقلين بعد تمنّع وتسويف طويل، شهادات عن ممارسات أقسى وأنكى، رأوا آثارها بادية للعيان على أجساد موكليهم. ومن ذلك الجروح المتقيئة، وشلل الأطراف، والحفر الدامية في الأجساد.. الخ. وقدم المحامي الموريتاني البارز وداعية حقوق الإنسان الأستاذ إبراهيم ولد أبت شهادة بعد لقائه بالمعتقلين ومعاينته لظروفهم، أفاد فيها بأنهم "تعرضوا للتعذيب بشكل أبشع مما جرى في سجن أبو غريب"، وأضاف أن "آثار التعذيب بادية على الأذرع والأيدي والأقدام، وأخشى أن تكون لها مضاعفات على الجهاز العصبي إن لم تتم معالجتها فورا من قبل أخصائيين، إذ إن بعض المعتقلين فقد الإحساس والشعور في أجزاء من جسده بسبب التعذيب الشديد". ولا يزال أربعة من المعتقلين يعيشون في ظروف مأساوية، في زنازين موحشة، مقيدي الأيدي والأرجل بالسلاسل على مدار الساعة، ولا يزال العديد منهم في إضراب عن الطعام جاوز الأسبوعين، مما يجعل حياتهم في خطر حقيقي، دون مغيث أو معين.

 

- وأخيرا استطاع المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان الحصول على صور من داخل السجن تظهر اثنين من المعتقلين رؤوسهم مغطاة، وأيديهم وأرجلهم مغلولة، وقد ظهرت آثار التعذيب على أجسادهم، بما يشبه صورة طبق الأصل من صور سجن أبو غريب العراقي والتي هزت ضمير العالم بأسره. وقد أثارت الصور حفيظة السلطة الموريتانية بعد أن نشرتها وكالة "الأخبار" الموريتانية المستقلة، وبثتها قناة الجزيرة، وتحدثت عنها منظمة العفو الدولية. وبدلا من الرد القانوني المنطقي على الصور بالتحقيق في شأنها، ومعاقبة ممارسي التعذيب، لجأت السلطة الموريتانية إلى إجراء مبتكر، وهو التعطيل التقني لمواقع الإنترنت التي نشرت تلك الصور، تسترا على الجريمة، وتفاديا لأثرها السياسي على الرأي العام المحلي والعالمي.

 

"
أغلب المعتقلين المتهمين اليوم بتدبير المحاولات الانقلابية في موريتانيا تم اعتقالهم على قاعدة التجريم بالقرابة والزمالة والجوار
"

أما رد القاضي محمد الهادي الذي يحاكم المتهمين فقد كان أغرب مما يُتصور، فحينما مثل المتهمون بين يديه في قاعة المحكمة، وتحدثوا عما تعرضوا له من تعذيب، رد القاضي بكل وحشية: "هذا التعذيب مهم وضروري حتى لا يقوم أحد مرة أخرى بانقلاب"!!

 

وحينما اشتكى أحد المتهمين أمام المحكمة من أن اثنين من أبنائه الصغار ماتا بشكل مأساوي وهو في المعتقل جراء انعدام الرعاية في غيابه، رد القاضي بكل فظاظة: "أنت من يتحمل وزر موتهما، لأنك انخرطت في أمور غير شرعية، وتورطت في الانقلابات حتى سجنت عنهما"!! فهل يترقب عاقل إنصاف المتهمين، أو التعامل معهم بمنطق قانوني من طرف قاض يستعذب التعذيب، ولا يرف له جفن جراء موت الأطفال الأبرياء؟! هذا إلى أنه صاحب سجل عريض من المظالم والرشوة وعدم النزاهة.

 

لقد نسي القاضي محمد الهادي أن مهمته هي التحقق من ثبوت التهمة، بحياد بين المدعي والمدعى عليه، ثم إصدار أحكام الإدانة أو البراءة، دون إدراج رأيه الشخصي ورؤيته السياسية، ودون التعجل في إدانة المتهم قبل استكمال إجراءات التقاضي. كما نسي أنه بكلامه هذا يبرر جريمة في قاعة المحكمة، وهي جريمة التعذيب البشعة، التي لا تغتفر ولا تسقط بالتقادم، ولا يجوز الإقدام عليها مهما تكن تهمة المتهم.

 

لكن القاضي آثر القيام بمهمة الجلاد الذي ينهر المتهم حتى قبل أن تثبت عليه التهمة، ولا غرابة في ذلك حينما يكون القضاء جزءا من بنية سلطة تنفيذية مستبدة فاسدة، وليس طرفا محايدا يرفع الخلاف بين المختصمين، وينصف المظلوم من سطوة الظالم، والمعذَّب من سوط الجلاد.

 

إهدار حقوق المتهمين وذويهم
ولم تتوقف التجاوزات القانونية على المتهمين –رغم عدم ثبوت التهمة عليهم حتى الآن أمام سلطة قضائية شرعية- بل تجاوز الأمر إلى ذوي المعتقلين وأصدقائهم، وحتى أبناء عشائرهم وقراهم. وكأن المسؤولية الفردية، التي هي أساس قوانين الأرض وشرائع السماء، لا معنى لها في عرف القيادة الموريتانية!!

 

إن أغلب المعتقلين المتهمين اليوم بتدبير المحاولات الانقلابية في موريتانيا تم اعتقالهم على قاعدة التجريم بالقرابة والزمالة والجوار، وهي قاعدة ابتكرها الرئيس الموريتاني، تحت ضغط الهواجس والخوف الدائم من الانقلابات.

 

لذلك لا غرابة أن كان أكثرهم ينتمي إلى قبيلة الرائد صالح ولد حنن والرائد محمد ولد شيخنا قائدي المحاولة الانقلابية السنة الماضية.

 

"
التعذيب لا يزال جزءا أصيلا من ثقافة النظام الموريتاني ووسيلة "مشروعة" في تصور القيادة الموريتانية رغم توقيع موريتانيا على اتفاقية مناهضة التعذيب
"

وكان المئات من الأفارقة الموريتانيين تمت تصفيتهم جسديا مطلع التسعينات على أيدي قوات الرئيس معاوية، بناء على نفس القاعدة، وذلك حينما اشتبه معاوية في أن أفرادا منهم يخططون للانقلاب عليه. وتُوجت تلك التصفيات بقتل 28 ضابطا منهم بدم بارد يوم 28/11/1990 أي في ذكرى عيد الاستقلال، في سجن "إنال" بالشمال الموريتاني، دون توجيه اتهام رسمي إليهم، أو مثولهم أمام القضاء.

 

أما المتهمون الحاليون فحدث ولا حرج عن مأساة أسرهم ومحنتها، ولم يسلم من الاستهداف الشيخ الفاني، ولا المريض المعاني، ولا الوليد الرضيع. وفي حالات السيدة تسلم بنت عمار، والسيد عرفات ولد أحمد، والسيدة مريم بنت النينين أمثلة معبرة، وإن لم تكن الوحيدة بكل أسف.

 

فقد تم اعتقال السيدة تسلم بنت عمار، رغم أن عمرها تجاوز السبعين عاما لعدة أسابيع، وهي لا تزال معتقلة حتى الآن، لأن ولدها الضابط متهم بالمشاركة في المحاولة الانقلابية.

 

أما عرفات ولد أحمد فهو مهندس حاسوب، تم اعتقاله في القضية لأسباب لم تفصح عنها السلطة الموريتانية حتى الآن، وقد تعرض لتعذيب شديد، رغم إصابته بمرض السكري، ولا يزال الجلادون يستمتعون بمنعه من الدواء، وبإغماءاته المتكررة الناتجة عن حرمانه من أخذ الأنسولين الضروري لمرضى هذا المرض.

 

وأما مريم بنت النينين فقد تم سجنها وهي في أواخر أيام حملها، بسبب مشاركتها في نشر بيان يطالب بحق الأسرى في زيارة ذويهم السجناء، وهو حق يكفله لها القانون. ثم نقلت من السجن إلى عيادة طبية لوضع ابنتها قبل الأوان جراء ظروف السجن القاسية.

 

لكن السلطة الموريتانية أرسلت مفرزة من رجال أمنها "البواسل" ليحاصروا العيادة، مع أوامر بنقل الأم وابنتها التي لم يتجاوز عمرها ساعات إلى السجن من جديد!! ولولا أن الأهالي قاوموا ذلك وتحركت لمنعه منظمات حقوق الإنسان لتم نقلهما إلى السجن الموحش دون مراعاة للخطر على حياة الرضيعة وأمها، ولا يزال الأمن الموريتاني يحاول ذلك حتى اليوم. فهل بلغ الهوس والخوف من الانقلابات حد الحذر والتحوط من العجائز والرضع؟!

 

المعاهدة والدستور وثقافة التعذيب
لقد كشفت المحاكمات الموريتانية الحالية عن أدواء أخلاقية وقانونية وسياسية لا تزال تنهش هذا البلد الهش، وأخطر هذه الأدواء أن التعذيب لا يزال جزءا أصيلا من ثقافة النظام الموريتاني، ولا يزال وسيلة "مشروعة" في تصور القيادة الموريتانية، رغم توقيع موريتانيا على "اتفاقية مناهضة التعذيب" التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 10/12/1984.

 

ومن سخرية المصادفات أن يتم اعتماد هذه الاتفاقية الدولية قبل يومين فقط من استيلاء العقيد معاوية على السلطة في انقلاب عسكري.

 

فعمر سلطة الرئيس الموريتاني هو عمر "اتفاقية مناهضة التعذيب"، ومع ذلك لا تزال ممارسة التعذيب على قدم وساق، بأمر منه وإقرار، تحت سمع وبصر العالم.

 

لقد عرفت الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية التعذيب بأنه "أي عمل ينتج عنه ألم أو معاناة شديدة، جسدية كانت أم عقلية، يلحق عمدا بشخص ما، بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف.." ولا يوجد تعريف يصف ما يجري في موريتانيا اليوم بدقة وعمق وصدق أكثر من هذا التعريف.

 

"
الفرقاء السياسيون الموريتانيون محتاجون إلى الالتقاء على كلمة سواء والتعاضد على تحرير البلاد من النظام العسكري الحالي وبناء سلطة شرعية مسؤولة تحترم كرامة مواطنيها ومشاعرهم
"

ونصت الفقرة الثانية والثالثة من المادة الثانية من نفس المعاهدة على أنه "لا يجوز التذرع بأي ظروف استثنائية أيا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب، أو تهديدا بالحرب، أو عدم استقرار سياسي داخلي، أو أي حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى، كمبرر للتعذيب. ولا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة، أو عن سلطة عامة، كمبرر للتعذيب".

 

وما أشبه هذه الذرائع بتلك التي تتذرع بها السلطة الموريتانية، ويتذرع بها من يمارس التعذيب تحت إمرتها، بل يتذرع بها قضاتها لتبرير التعذيب.. ويا للغرابة!!

 

والحق أن موريتانيا لم تعد بحاجة إلى مثل تلك الاتفاقية اليوم، فنصوص الدستور الموريتاني فيها غُنْية لكل راغب في الكلام المنمق عن حقوق الإنسان وحريته، فقد نص الدستور الموريتاني في ديباجته على التقيد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وعلى احترام الحرية والمساواة وكرامة الإنسان.

 

ثم توالت مواد الدستور قطَعا من اللؤلؤ الخَطابي المنضود، فنصت على ضمان كل ما يتخيله المرء من حريات، بل وأكثر مما تخيله جهابذة السياسة والأخلاق والقانون في الشرق والغرب، حيث نصت المادة 10 منه على أن "تضمن الدولة لكافة المواطنين الحريات العمومية والفردية، وعلى وجه الخصوص: حرية التنقل والإقامة في جميع أجزاء تراب الجمهورية، وحرية دخول التراب الوطني، وحرية الخروج منه، وحرية الرأي، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية الاجتماع، وحرية إنشاء الجمعيات، وحرية الانخراط في أي منظمة سياسية ونقابية يختارونها، وحرية التجارة والصناعة، وحرية الإبداع الفكري والفني والعلمي".. الخ

 

وأنا أتحدى مشعلي الثورة الفرنسية، وقادة الثورة الأميركية، أن يكون أي منهم فكر في ضمان كل هذه الحريات لشعبه، أو تضمينها دستور بلاده، وقد جمعها لنا الرئيس معاوية في مادة واحدة جامعة مانعة من دستوره، أورد فيها لفظ "الحرية" اثنتي عشرة مرة، حينما قرر فجأة مطلع عام 1991 إصدار دستور، واستبدال بزته العسكرية بثوب مدني، وإحلال لقب "الرئيس" محل لقب "العقيد".

 

وفي الدستور الموريتاني نصوص أخرى أكثر تعلقا بموضوعنا هنا، ومنها المادة 13 التي تنص على أنه "يعتبر كل شخص بريئا حتى تثبت إدانته من قبل هيئة قضائية شرعية" وعلى أنه "يُمنع كل شكل من أشكال العنف المعنوي والجسدي".

 

لكن الحقيقة المرة أن هذه النصوص لا قيمة لها في ظل سلطة غير شرعية، وأن بناء الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لا يتحققان بتدبيج الألفاظ المنمقة والجمل الخلابة، أو بتبديل الأثواب والألقاب، بل إن محاكمة من حاولوا انقلابا على يد من جاء إلى السلطة بانقلاب، تتضمن استهزاء بفكرة القانون والدستور والحرية والعدل والشرعية.

 

فإذا كان الانقلاب جرما جنائيا، فأولى الناس بالمحاكمة هو من فعله ابتداء، وأصر عليه خلال عقدين، وإذا كان الانقلاب فعلا سياسيا في دولة لا شرعية للسلطة فيها، فالتعامل معه بلغة القانون والدستور التي تغلف واقع العنف والتعذيب أمر لا معنى له.

 

"
من الضروري القيام بمصالحة وطنية شاملة هدفها إنقاذ المستقبل لا محاكمة الماضي، وإنصاف المظلوم لا الانتقام من الظالم
"

صراع البقاء بين معاوية وموريتانيا
على أن كل هذه التفصيلات عن انقلابات موريتانيا ومحاكماتها ليست سوى أعراض لظاهرة أعمق وأبعد مدى، وهي صراع البقاء بين معاوية وموريتانيا. لقد بلغ الوضع في موريتانيا من الانسداد السياسي، والغبن الاجتماعي، والفساد الاقتصادي.. حدا جعل بقاء الحال على ما هو عليه مستحيلا.

 

ولم يعد نظام العقيد معاوية ولد الطايع قادرا على تقديم شيء، بعد عشرين عاما من الترهل، ولم يعد مستوى الوعي السياسي لدى الشعب قابلا لهذا النظام، فالأمر أكبر من هذا الانقلاب أو ذاك، وهذه المحاكمة أو تلك.

 

ومن وجهة نظر حقوق الإنسان التي تهمنا أكثر من غيرها في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، فإن السياق السياسي والقانوني في موريتانيا اليوم لا يصلح لحماية حقوق الإنسان وكرامته، ولا خير في وطن يتم فيه استعباد المواطن.

 

فبدون تغيير جوهري في السياق السياسي والقانوني لا أمل في التحرر من ثقافة العنف والتعذيب، وامتهان كرامة الإنسان.

 

ولعل الفرقاء السياسيين الموريتانيين محتاجون إلى الالتقاء على كلمة سواء، والتعاضد على تحرير البلاد من النظام العسكري الحالي، وبناء سلطة شرعية مسؤولة تحترم كرامة مواطنيها ومشاعرهم، وتؤمن بسلطة القانون لا منطق القوة في التعاطي مع المعضلات الاجتماعية والسياسية.. سلطة لا مكان فيها للجلادين الذين يستمتعون بتعذيب البشر، أو القضاة المرتشين الذين يقتاتون من المظالم.

 

ولن يكون ذلك إلا بمصالحة وطنية شاملة، هدفها إنقاذ المستقبل لا محاكمة الماضي، وإنصاف المظلوم لا الانتقام من الظالم، يتخلى بموجبها الرئيس معاوية عن السلطة طوعا، مع ضمانات له بعدم المتابعة القضائية على الجرائم الكثيرة التي ارتكبت خلال عقدين من حكمه.

 

"
الترقيع لم يعد يفيد في الوضعية الموريتانية المتأزمة وبدون طرح جريء وعمل جاد لإحداث تغيير جذري فإن صراع البقاء بين معاوية وموريتانيا سيظل مفتوحا
"

بعد ذلك يكون الإجماع على قيادة وطنية مؤقتة لمدة محدودة، تمثل جميع مكونات الطيف السياسي، مهمتها الرئيسية إدخال التعديلات الدستورية اللازمة للتداول السلمي على السلطة، خصوصا تغيير نصوص الدستور التي تسمح للرئيس بالبقاء في السلطة مدى الحياة دون تحديد عدد ولاياته (المادة 28) وتلك التي تجعله رأسا لكل السلط، بما فيها السلطة القضائية، وتعطيه حق استبدال العقوبات الصادرة عن القضاء (المادة 37).

 

وأخيرا تتولى هذه القيادة المؤقتة إجراء انتخابات شفافة نزيهة، لا إقصاء فيها ولا استبعاد لأي طرف، مهما تكن خلفيته الأيديولوجية ورؤاه السياسية، تنتهي بإفراز طبيعي للقيادة الطبيعية التي يرضاها الشعب الموريتاني لنفسه، بعيدا عن القهر والتزييف والتخويف وشراء الذمم والضمائر السائد اليوم.

 

إن الترقيع لم يعد يفيد في الوضعية الموريتانية المتأزمة، وبدون طرح جريء، وعمل جاد لإحداث تغيير جذري، فإن صراع البقاء بين معاوية وموريتانيا سيظل مفتوحا، وقد ينتهي –لا قدر الله- بحرب أهلية مفجعة، كما حدث في الصومال وغيرها من الدول التي ضحى فيها الدكتاتور ببقاء شعبه وأمته، من أجل بقائه الشخصي.. فكانت الكارثة في نهاية المطاف.




_________________
كاتب موريتاني

المصدر : غير معروف