توجان فيصل

العقل يعمل بطريقة واحدة قائمة منذ تكوينه في أول كائن بشري, ولا يمكن تغييرها إلا بتعطيل دماغ الإنسان جزئياً أو كلياً, أو تشويهه نهائياً بحيث لا يعود يعمل كما صمم له أن يعمل.. أي لا يعود "عاقلاً"!!

ومن أولى سمات عمل العقل البشري -وحتى عقول الحيوانات- الربط والمقارنة وتسجيل نقاط الشبه ونقاط الاختلاف في الصور التي تنطبع على الدماغ.

وهذا جله يتم تلقائياً بدون إرادة واعية حتى عند الطفل في المهد. ولكن تطور قدرات الإنسان من الطفولة إلى النضج (أي مراكمة الخبرة الطبيعية الآتية من العيش وضروراته الأولية), أو تطوره بالتعليم والثقافة (أي تعمد تسريع وتحسين تلك الآلية البدائية البديهية) تجعل الإنسان الناضج أو المثقف يستحضر كماً أكبر مما يستحضر الطفل أو الإنسان البدائي من الصور ذات الصلة, لعقد المقارنة التي تفرض نفسها, لا أكثر!!

قبل أيام ومن على شاشة محطة العربية, وبفارق لا يزيد عن نصف ساعة, وردت إلى دماغي صورتان. الأولى لقاء مع الدكتورة علياء شعيب. واللقاء لم يزد عن استحضار كل الضجة التي أثيرت حولها نتيجة أبحاثها الأكاديمية وكتبها, بل وإعادة إنتاج تلك الضجة لأسباب ترويجية للبرنامج وللمحطة.

"
الذين يحاكمون ليلى شعيب ويشنقونها مراراً دون انتظار الحكم, ليسوا من هاجمتهم من ليبراليين وشخصيات نسائية, بل على العكس هم من تحاول استرضاءهم ورد أذاهم
"
فمقدم البرنامج لم يقرأ أبحاث وكتب الدكتورة شعيب كما يلزم أي إعلامي ممتهن (ذاك اللقاء معها عينة حية تجعلني أصدق قولها إن من هاجموها لم يقرؤوا كتبها), ولم يكن أمامه أي اقتباس من أي بحث أو كتاب, بل كل اقتباساته كانت من هجوم الآخرين عليها ومن مقابلات صحفية استفزت فيها الدكتورة لتطلق أحكاماً قطعية مقابل الأحكام القطعية التي أصدرت بحقها بالأطنان من كل حدب وصوب, وهم كثر وهي وحيدة أو شبه وحيدة.

وكون وحدتها -إلى حد ما- من صنعها لا يبرر الطريقة التي يتم التعامل معها بها، فالذين يحاكمونها ويشنقونها مراراً دون انتظار الحكم ليسوا من هاجمتهم من ليبراليين وشخصيات نسائية, بل على العكس, هم من تحاول استرضاءهم ورد أذاهم, وصحافة إثارة تختلق المعارك إن لم تجدها.

فكيف والدكتورة تتهم كامل الصحافة الكويتية والخليجية  "بالتفاهة".. وأملي أن لا تنجر الصحافة الجادة إلى الأخذ بلفظ صدر عن إنسانة "تحت التعذيب" الفكري والوجداني لعشر سنوات!!

فما يجري تعذيب يستفز كل ذي عقل وضمير. وآثار التعذيب واضحة في تخبطها, تحاول أن تسترضي فتنعش ساديتهم, تقر بحقهم في الرأي (حتى عندما يشتمونها بشتم سفورها) فيتمادون في التطاول على خصوصياتها, وتحاول أن تبرر وتدافع فتقع في شراك إنكار أفكارها وأقوالها.

تتحجب.. تخلع الحجاب.. تهاجم.. تتراجع.. فما الذي اقترفته هذه المرأة لتعاني "مطاردة الساحرات" في عالمنا العربي الذي يرتع فيه المجرمون الدوليون ويكرمون بأفخم الألقاب؟؟!!

المرأة أكاديمية والقضية بدأت ببحث, في مجتمع لا يقرأ عادة الأبحاث, لهذا تمتلئ الرفوف بالأبحاث المسروقة (التي تستلزم فعلاً المحاكمة) وبمجلدات لا تنطبق عليها أبسط صفات البحث العلمي!! 

وبغض النظر عن آرائنا الشخصية في موضوعه, فلكل أكاديمي الحق في البحث, حتى لو للتثبت من أن ظاهرة ما موجودة أو غير موجودة. والمؤسف هنا أن اضطهاد هذه المرأة يستمر, مع أن موضوع بحثها هو الآن حديث عام, بل ويتم إقرار معسكر خصومها بوجوده إلى درجة أن بنيت عليها"فتاوى" عن لزوم الحجاب في حضرة نساء أخريات!!

ما يجري هو خواء جزء غير يسير من الصحافة والقراء عندنا خاصة, ولكن في العالم كله أيضاً. "والخواء" لا يدرك بطبيعته, إنه يجند لخدمة صراعات سياسية أبعد تنقل ساحتها إلى مواضيع تافهة (أو حتى مقرفة) لأن أطرافها يتهربون من الساحة الحقيقية الملحة التي لا تستطع الدكتورة شعيب إجبارهم على النزول فيها لأنها ليست سياسية أولاً, وأيضاً لأنها امرأة وأكاديمية, أي عصفوران يمكن صيدهما بحجر واحد, خاصة أن أحدهما كسير الجناح لا يملك حتى حق الانتخاب.

الدكتور نصر حامد أبو زيد -على مكانته العلمية المتفوقة بلا منازع- خسر معركته لأنه ليس سياسيا. بل قد يكون استهداف الأكاديميين جرى استسهاله كدرس يلقن للعقول كلها كي لا تنبش في هذا الكم الهائل من الشؤون والقضايا التي  تتفق القوى السياسية المسيطرة على تصنيفها بأنها "تابو".

ولكي لا يعلم هؤلاء طلبتهم من العقول الشابة سوى "الانحناء" ومقولة "سمعاً وطاعة" التي بلغنا حدا أن يعلنها بعض من يشغلون أكبر المناصب السياسية عندنا نهجاً سياسياً لهم!!!!

وخلال نصف ساعة ومن على نفس المحطة, استقبل "عقلي" صورة أخرى, من فرنسا هذه المرة. آلان مينار مؤلف كتاب "جدار شارون" يقدم استقالته من منصبه كمساعد مدير إذاعة فرنسا الدولية تحت ضغط الانتقادات واتهامات "معاداة السامية" التي وجهت إليه, دون أن يترك عمله كإعلامي في تلك المؤسسة, ولكنه ما يلبث أن يقال من عمله من جانب الحكومة الفرنسية.. لأن وزير خارجية فرنسا في إسرائيل الآن؟؟

لا.. ففشل أو نجاح زيارة واحدة لا يبرر الاستغناء عن علم إعلامي وسياسي, والأهم أنه لا يبرر التضحية بقيم أساسية قام عليها كل ما تعتبره فرنسا تميزاً لها, في السياسة كما في الفكر والفنون والآداب!! 

"
استعداد فرنسا للانحناء أمام إسرائيل أكبر في حجمها من انحناءة أفراد متناثرين, وأكبر من مجموعات مصالح سياسية محدودة أو تنافسية, وأكبر من كل متطلبات الدبلوماسية وحتى التحالفات الدولية
"
ثم ما الجديد؟ فإسرائيل لا تنفك تهين وتبتز وتعقد المحاكمات لكل زوارها وضيوفها؟؟!! وتجربة الرئيس شيراك معها أول عهده, والتي اضطرته للتهديد بمغادرة إسرائيل فوراً لا تزال مطبوعة في أدمغتنا, نقطة مضيئة في صالح الرئيس شيراك وصالح فرنسا, بغض النظر عن استعداد فرنسا لعكسها أو الاعتذار عنها, كما تفعل امرأة أكاديمية مستفرد بها في دولة عالم ثالث!!

نقول "استعداد فرنسا" لأن الانحناءة التي بدأت تلوح في الأفق, أكبر في حجمها من انحناءة أفراد متناثرين, وأكبر من مجموعات مصالح سياسية محدودة أو تنافسية, وأكبر من كل متطلبات الدبلوماسية وحتى التحالفات الدولية.

مينار وهو يخرج وحيداً من مدخل كراج بناء (قد يكون مكتب الإذاعة أو مكتبه الشخصي) إلى شارع مقفر.. ليقف ويدلي بردود أشبه في عجزها عن تلمس تلطيف لما قاله دون التراجع عما قال, بتخبط الدكتورة شعيب, مع فارق نوعي في الرد مصدره أن مينار سياسي عريق, وشعيب ليست سياسية ولكنها وقعت ضحية لعبة سياسية..

وخروج زميل مينار "المسؤول" في إذاعة مونتي كارلو ليبدي أسفه على حال لم يعد فيه لصحفي عريق مساحة من حرية لإبداء رأيه المخالف أو المختلف, وعجز هذا الزميل, في تلك اللحظة ذاتها عن التعليق على تصريح الحكومة الفرنسية بشأن مينار, ومحاولة الاختباء  بزعمه أن التصريح الذي وصل إلى العربية, "لم يصله" هو -وهو مسؤول إعلامي فرنسي- وأن "ليست من مهامه التعليق على تصريحات الحكومة"!!

هذه بمجموعها صورة ليست "فرنسية" ولا أوروبية, ولا حتى من "العالم الأول" بما فيه أميركا الطارئة على من يحملون هذا الاسم!! هي صورة من العالم الثالث, تذكر بحال عينات دراسة رأي عام في الأردن صدرت مؤخرا, يقول أكثر من 80% منهم (وهم المستجيبون وليس من فروا خوفاً من الإجابة فلم يدخلوا العينة أساساً) إنهم "لا يستطيعون انتقاد الحكومة علناً أو الاختلاف معها في الرأي دون تعرضهم وأفراد عائلاتهم لعواقب أمنية أو معيشية"!!

مثال عن أنفسنا متزامن الصدور مع كل ما سبق, نسوقه كي يقال إننا ننتقي الكويت وحدها كمثال, مع أن عرض محطة "العربية" شبه المتلاصق للصورتين هو الذي فرض المقارنة على "عقولنا"!!!

وهي ذات حالة المقارنة البديهية التي فرضت نفسها على مينار الخبير بسياسات الشرق الأوسط والذي عاش وسط صراعاتها في بيروت والأراضي المحتلة ما بين عامي 1980 و1997 كمراسل يزود إذاعة صوت فرنسا بما كانت تنقله عن المنطقة الأسخن في العالم, ومدير "مراسلون بلا حدود" الذي يعلن دوما ًأنه "ليس مناضلاً في جبهة سياسية", ولكنه صحفي محترف يؤمن بأن "لا شيء يصمد أمام الحقيقة".

والحقيقة شيء مركب من أجزاء مترابطة بطبيعتها رضينا أم أبينا. وهكذا ربط مينار -ببداهة الطفل قبل تداعيات المخزون المعرفي لدى المثقف- بين جدار شارون ونظرية "النقاء" عند اليهود التي أنتجت "الغيتو" كي لا يختلطوا بغيرهم الذين هم جميعاً "غير مطهرين".

وربط بين هذا العزل بجدار من الإسمنت المسلح بين قوميتين, وبين سياسة "الأبارتايد" في جنوب أفريقيا, واضطر لأن يسمي سياسات إسرائيل "بالعنصرية" لأن القاموس الفرنسي يورد معنى الكلمة على أنه "التمييز بين عرقين أو ديانتين"!!

"
أي مقارنة بديهية بين ما يحدث في العالم العربي وفي أوروبا تقول إن مصدر كل أشكال التطرف والإرهاب واحد.. هو تغييب العقل، وهنا تكمن المفارقة!!
"
يتماثل إلى حد بعيد ما تطلبه الحكومة الأردنية من المواطن  العادي والمثقف, وما هذا المطلوب: القمع والتشهير والمحاكمة والسجن والعزل وقطع الأرزاق والتضييق على الأسر والمؤيدين!! يطلبه التيار الأصولي من الأكاديمية الكويتية الدكتورة شعيب (وحتماً بالتالي من الكويتيات والكويتيين العاديين), وما تطلبه الحكومة الفرنسية (ومعهم جمع من يسمون أنفسهم بقيادات الرأي) باسم "منع معاداة السامية" المتمثلة في أكثر من قانون, من مينار وجارودي وغيرهما من العقول.. وتتماثل مطلع القرن الحادي والعشرين وليس في القرون الوسطى, وسائلهم جميعاً في  فرض هذا المطلوب: القمع والتشهير والمحاكمة والسجن والعزل وقطع الأرزاق والتضييق على الأسر والمؤيدين!!

فرنسا وأوروبا كلها تشكو من خطر التطرف الإسلامي عليها, وأميركا زادت على الانضمام إليهم فقفزت إلى قيادتهم, بل وحاولت جعلهم "خدماً عندها" كما قال شيراك قبل أشهر قليلة.. ونحن نشكو -ومعنا جزء كبير من الشارع الأوروبي وقلة شجاعة من نخبها مثل جارودي ومينار وروبرت فيسك- من الأصولية اليهودية المتمثلة في الصهيونية.

وكلنا -أو هكذا يزعم الساسة العرب والغربيون- نبحث عن حل للتطرف, ونزعم أننا نفتح الباب لحوار الأديان وحوار الثقافات.. ولكن كل من هم في السلطة السياسية والدينية  يريدون منا تعطيل عقولنا, أو تشويه عملها بحيث لا تعود تعقد مقارنات بديهية تقول إن مصدر كل أشكال التطرف وكل أشكال الإرهاب واحد.. وهو -وهنا تكمن المفارقة- تغييب العقل!!
________
كاتبة أردنية 

المصدر : غير معروف