في كل محطة من محطات النضال الفلسطيني يجب عدم الخجل من المراجعة والتقييم، لأن الوقوف على ما مضى والنظر إلى ما أتى هو بالضبط روح التجديد لأي حركة تحرر تخوض صراعا معقدا وجذريا مثل الذي يخوضه الفلسطينيون ومن خلفهم العرب والمسلمون.
 
والمقصود من تجديد الانتفاضة هو مزيد من الإمعان في الأهداف القصيرة واحتمالية تغيير في الوسائل أو استبدالها كليا، وعلينا أن نعترف ونحن على أبواب العام الخامس للانتفاضة أن ثمة تغيرات كثيرة ينبغي تداركها وتحديات ينبغي إدراكها تختلف جديا عما سبق من تحديات وتغيرات على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
 
التحديات والمتغيرات
"
يبقى التخوف أن تجري مقايضة الانسحاب بضمانات أمنية من السلطة تتورط بها المقاومة الفلسطينية لأن في ذلك تورطا في المخطط الإسرائيلي الذي يريد فرض تسوية من جانب واحد وإشغال الفلسطينيين في صراع مناصب
"
أول هذه التحديات يتمثل في محاولة إسرائيل تغييب قيادة المقاومة قسرا من خلال تعمد اغتيالها وقتلها واعتقالها، ومحاولة جرها للمربع العسكري حتى يسهل ضربها وسحقها، ولاشك هنا أن خسارة المقاومة وتحديدا حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لأبرز قياداتها يعد ضربة صعبة ومفاجئة تلقتها الحركة ولم يكن بحسبانها في التخطيط الإستراتيجي، كما يؤكد تقرير عسكري نشر في صحيفة معاريف الإسرائيلية يوم 4 سبتمبر/ أيلول 2004 بأن قوات الاحتلال أخرجت 6208 مقاتلين من دائرة القتال منذ أبريل/نيسان 2004 وحتى الآن، بينهم 932 شهيدا و5276 معتقلا، إضافة لتدمير وتشويش عمل                      المئات من المؤسسات والبنى الإدارية والاجتماعية).
 
كل هذه التحديات تستدعي دون شك أن تقوم حركات المقاومة أعمالها وتنظمها، وألا تراهن إطلاقا على المعيار الأخلاقي للاحتلال أو فزّاعة الرأي العام الدولي واستنكاره، لأن أجندة الرأي العام مشغولة اليوم في العراق وما فيه من أحداث يومية حيث يكتسب فيها الخطف بعدا دوليا يوميا لا يمكن تجاهله، مما يحتم إعادة صوغ الفلسفة الإعلامية والنضالية بطريقة ربما هي أكثر ذكاء مما هي عليه الآن.
 
أما ثاني هذه التحديات فيتمثل بدعوات ما يسمى الإصلاح الفلسطيني التي اختلطت ومست بواقع المقاومة الفلسطينية من حيث هي صورة تحرر إلى صورة فوضى، وعلينا أن نعترف هنا أن الاحتلال والولايات المتحدة نجحت في ذلك، نتاج ظروف موضوعية تتعلق بتحكم الاحتلال، وظروف ذاتية تتعلق فعلا ببقاء الفساد.
 
ومع بقاء هذا الصراع جمرا تحت الرماد يتأهب للاشتعال، فإن من واجب قوى المقاومة التحرك لوقف ذلك، لأن الفوضى تضر مشروع المقاومة أولا، وحتى إن أسهم تدخل المقاومة في بقاء فساد مؤقت إلا أنه دون شك أولى من حدوث فتنة كبرى تغرق جميع الفلسطينيين بما فيهم مشروع المقاومة ذاته.
 
ثالث هذه التحديات يتعلق بأحاديث الانسحاب من قطاع غزة التي أحدثت تشويشا وضجيجا في الساحة الفلسطينية بشكل أكبر من الحجم المعتاد، فرغم أهمية البحث في هذا الانسحاب وماهيته فإن إعطاءه هذا الحجم أشغل المقاومة في افتراضات وتساؤلات بنيت على أسس لازالت غير واضحة.
 
بالعموم من المهم دراسة الخطوات الإسرائيلية، ومن الواجب الاستعداد فلسطينيا وعربيا لها، لكن يبقى التخوف أن تجري مقايضة الانسحاب بضمانات أمنية مقابلة من السلطة تتورط بها المقاومة الفلسطينية أيضا، لأن في ذلك تورطا في المخطط الإسرائيلي الذي يريد فرض تسوية من جانب واحد وإشغال الفلسطينيين في صراع مناصب لا طائل من ورائه، باختصار وحتى يمكن التصدي لهذا التحدي فمن الواجب أن يجري التحرك بمقدار الوضوح الإسرائيلي، ولكن من الخطر بالمقابل أن تدفع المقاومة ثمنا مقابل انسحاب إسرائيلي احتمالي أو شكلي.
 
رابع هذه التحديات هو تلك الأصوات الفلسطينية المنادية بالانتفاضة السلمية "المعقمة" والمرتبطة أساسا بالتنظير لتسويات جديدة على شاكلة جنيف أو اتفاقية (أيلون–نسيبة).
 
هذان الارتباطان تتجلى اشكاليتهما في عدم إدراك أو تجاهل أن إسرائيل انتهت من أحاديث التسويات وانتقلت فعليا لتطبيق ما تراه من سلام، ودون انتظار أي أحد يحاول اللعب خارج الأجندة الإسرائيلية.
 
أما التجاهل الثاني فيتعلق بمحاولات التهوين من شأن العدوان الإسرائيلي المنهجي والجذري الهادف ليس فقط لوقف الانتفاضة بل لكسر إرادة الفلسطينيين وهزيمة وعيهم، مما يعني أن ما يفعله الفلسطينيون هو بالكاد يصل إلى الحد الأدنى من الدفاع وصد العدوان، وهذا بالضبط ما لا تنفع معه أو فيه آليات سلمية توازيه، لأنها مقايسة وقراءة خاطئة تماما لمآل التسوية وأهداف العدوان والاحتلال الإسرائيلي، والمقاومة برأينا تملك الكثير من الحجج القوية التي تمكنها من الدفاع عن مقاومتها وشرعيتها ولكنها بحاجة الآن لتوضيح كل ذلك بشكل أكبر.
 
"
على المقاومة الفلسطينية بذل المزيد من الأشكال التعبوية المرافقة لعملياتها العسكرية وتوضيح  شرعية نضالها لمواجهة الجهد الإسرائيلي الدعائي المستمر لوصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب
"
خامس هذه التحديات هو قرب اكتمال ما يسمى الجدار الفاصل، وما يعنيه من فرض تسوية بالأساس إسرائيلية بالإضافة لمخاطره الاقتصادية والاجتماعية المباشرة على الشعب الفلسطيني، ويأتي فوق ذلك التأثير الأمني المتعلق أساسا بمنسوب الانتفاضة وقوة مفاعيلها، كون الجدار شكل عامل إعاقة قويا لها، وعلينا أن نعترف أيضا أن البقاء في دائرة الأساليب التقليدية للمقاومة أضعفها وأبقى مقاومتها خلال الستة أشهر الماضية في حده الأدنى، دون أن يعني ذلك إهمال العوامل الموضوعية التي أثرت هي الأخرى بدورها عليها، ولاشك أن المطلوب هو التفكير الجاد في التغلب على إعاقات الجدار، وسبل خلق إبداع فلسطيني مقاوم قادر على تجاوزه.
 
سادس هذه التحديات يتعلق بالجهد الإسرائيلي الدعائي المستمر لوصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، ومحاولته إسقاط أحداث العنف الدولية على مجريات الانتفاضة الفلسطينية، ورغم إدراك المقاومة لهذا الفخ وتأكيدها الدائم على شرعية مقاومتها والأسباب التي تفرقها عن تلك الأحداث، فإن إسرائيل حققت نجاحات مهمة في هذا المجال مستغلة الإسقاط العاطفي الحاصل عليها، وهذا يستدعي من المقاومة الفلسطينية بذل المزيد من الأشكال التعبوية المرافقة لعملياتها العسكرية، من توضيح  شرعية نضالها وحدود ومدى معركتها.
 
التحدي السابع يتعلق بالحماية السياسية الأميركية غير المسبوقة لصالح إسرائيل من حيث التعهدات والالتزامات الجديدة في قضايا الاستيطان والحدود والتسوية برمتها، بل والتشريع المفتوح لتصرف إسرائيل على الأرض، ولاشك أن ذلك لا يمكن قياسه أو نسبه لإدارة أميركية يحكمها "محافظون جدد"، فالمسألة عندنا تتعدى ذلك لتصل للحديث عن إستراتيجية مختلفة وجديدة تجاه المنطقة، كون البؤرة الفلسطينية دون شك هي إحدى أولوياتها ونجاح المشروع الأميركي في ترتيباته الأوسطية هو رهن السيطرة عليها.
 
ولأن الولايات المتحدة تدرك سقف العطاء السياسي الإسرائيلي، فإنها تتوجس هي الأخرى من تسارع الساعة الديمغرافية الفلسطينية الداخلية قبالة الساعة الإسرائيلية، وباتت تخشى أكثر من أي وقت مضى على تحولات قسرية في الأنظمة العربية الحاكمة، كل ذلك يدفع الأميركان إلى تطابق رؤاهم مع الإسرائيلين، سواء انتخب كيري أو بقي بوش.
 
التحدي الثامن هو الاستخدام اللاأخلاقي للقوة الإسرائيلية من خلال تعمدها ليس فقط استهداف مقاومين بل ومنازل آمنة وتجمعات سلمية، وهو سلوك غير مسبوق وشاذ عن الأساليب الاحتلالية، رغم أن المحلل العسكري زئيف شيف حاول تجميله في صحيفة هآرتس الصادرة في 6 سبتمبر/أيلول 2004 حين أسماه  "الثورة المفاهيمية العسكرية للجيش الإسرائيلي"، وهو دون شك جريمة مطورة تقوم على استخدام قوة مركزة من بعد بدل الاستخدام الدائم للقوات البرية.
 
هذه الآلية الإسرائيلية التي تتعامل مع المقاومة الفلسطينية كجيش مقابل من خلال اختيار عناوين تلبسها التهم الأمنية الجاهزة، يبرز المدى الثأري الذي تتصرف فيه إسرائيل دون كوابح دولية أو أميركية، وهو يستدعي بالمقابل من المقاومة تغيير أساليب عملها واحتياطاتها.
 
في المعادلة الداخلية
في المعادلة الفلسطينية تبرز الحاجة لحسم السلطة الفلسطينية لمسؤولياتها ومواقفها في ضوء أن قبولها بوضعيتها الحالية يعد أكثر راحة لإسرائيل التي لا تتحمل أيا من تكاليف احتلالها، ولاشك أن ذلك مرتبط من قبل بمواقف السلطة التقليدية التي لازالت حائرة بموقفها تجاه التسوية، وفي ظل ممارسة إسرائيل لاحتلال فعلي وكامل للضفة الغربية وأجزاء كبيرة من قطاع غزة، وتحللها فعليا وعلنا من أي التزام أو عهد تجاه التسوية، تصبح السلطة الفلسطينية أكثر خدماتية وتفتقد لأي بعد سيادي، مما يؤثر سلبا على المقاومة وأهدافها السياسية التي لا تقف عند حدود إيذاء الاحتلال عسكريا بل وحاجتها لدفعه لتحمل كل أثمان الاحتلال، الأمر الذي يعمق ارتباط الحالة الشعبية الفلسطينية مع أهداف وأعمال المقاومة والقضية برمتها.
 
في المعادلة الإقليمية
يبرز على الدوام في هذه المعادلة موقف العرب الرسميين الضاغط على المقاومة الفلسطينية كلما اشتدت الضغوط الأميركية عليها مطالبة إياها بالتحرك وإثبات حسن نواياها، والإشكال الكبير الآن هو محاولة هذه الدول مقايضة حقوق الفلسطينيين مقابل حصولها على تطمينات تعفيها من متطلبات الإصلاح الأميركي، أما العامل الثاني فيبرز أيضا من تراخي  القوى الشعبية العربية والإسلامية في نصرة القضية الفلسطينية إما بتشكيل قوى ضاغطة على حكوماتها وإما بقوى داعمة بالمال للمقاومة الفلسطينية، بل إن هذا التراخي تحول لدى البعض إلى خوف وخشية قبالة الضغوط الأميركية الكبيرة، وبالتالي الحاجة ملحة لتدارك مخاطر ذلك وتصويبه.
 
في المعادلة الأخرى
"
هروب بوش أو شارون إلى الأمام وتصدير أزماتهم للخارج ممكن ويجب الحذر منه اندفاعا نحو لبنان أو عدوانا على سوريا أو إيران
"
يشير الموقف الأوروبي إلى رفض يتنامى ضد المقاومة الفلسطينية يستلزم من الفلسطينيين العمل على التقليل منه، في المستويين الأميركي والإسرائيلي تؤشر أزمة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في الداخل الحزبي والائتلافي وأزمة الأميركان في العراق، إلى عوامل اختراق دولية حيث هناك موقف أميركي مترنح وموقف إسرائيلي مرتبك، وانتهاء الأمر بخسارة هذا أو ذاك يحسب لصالح المقاومة، ولعل انسحاب شارون من غزة -إن حدث- هو في  المدى الأبعد لصالح ومستقبل مشروع المقاومة الذي يحاول شارون استباقه أو الالتفاف عليه أو تدارك ما يمكن تداركه منه.
 
وعلى الرغم من تشويش الحدث العراقي نسبيا على الحدث الفلسطيني، فإنه في المدى الأبعد سيصبح عامل دفع لصالح المقاومة الفلسطينية، لكن علينا الاستدراك هنا والقول إن هروب بوش أو شارون إلى الأمام وتصدير أزماتهم للخارج ممكن ويجب الحذر منه اندفاعا نحو لبنان أو عدوانا على سوريا أو إيران.
 
الأفق
بالعموم ما ينتظر المقاومة الفلسطينية هو أشد وأنكى وربما هو من صنف الإغراءات وليس التهديدات، وبرأينا أن أثر الصنفين يبقى محدودا، كوننا نتحدث عن واقع صراع معقد وجذري، وما يبقى هو رهن الفلسطينيين أولا من حيث حسم خياراتهم وفرز برامجهم المشتركة على قاعدة المقاومة، مع إنجاز حياة فلسطينية تقوم على الصمود والتكيف والإصلاح والتقسيم العادل.
 
أما ما هو مطلوب من الشعوب العربية والإسلامية وتحديدا قواها الفاعلة فيتعلق بإنجاز تعبئة جديدة تعيد لحركة الشارع العربي الاعتبار وللشعب الفلسطيني الإسناد وللقضية الفلسطينية الصدارة.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف